التغيير : العربي الجديد نشر الخبير الأميركي المتخصص في الشؤون السودانية، إريك ريفز، وثيقة سرية سودانية، تتضمّن وقائع لاجتماع اللجنة الأمنية العسكرية، الذي عُقد في الخرطوم نهاية شهر أغسطس الماضي. 

وكشفت الوثيقة عن معلومات خطيرة حول المسرح السياسي السوداني الداخلي وإدارته من قبل النظام الحاكم، كما تطرّقت إلى علاقة السودان الاستراتيجية بإيران، فضلاً عن الإشارة إلى المحاولات المصرية والسعودية والإمارتية لإسقاط نظام الحكم في السودان، إضافة إلى الدور السوداني في ما يتعلق بلييبا واليمن واحتضان إخوان مصر.

وأربكت الوثيقة الأحزاب السياسية السودانية مجتمعة، وأخضعها البعض للبحث والتمحيص، وشكّك البعض الآخر في صحتها، باعتبار أنها احتوت على مغالطات كثيرة ومعلومات غير موجودة متعلقة بأشخاص كثر. الأمر الذي فتح الباب على انقسام الأوساط السودانية، بين مصدّق ومكذّب للوثيقة.

إذ يرى البعض أنها سُرّبت خصيصاً، في هذا الوقت بالذات، من أجل ضرب محاولات الحكومة في تحسين علاقاتها مع مصر والسعودية والإمارات، كونها حملت رسالة تحذيرية لمختلف الأطراف، إضافة إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية من مجرد التفكير في إسقاط النظام.

ويعتبر هؤلاء أن الوثيقة باتت، كورقة ضغط، قد تزعزع استقرار دول عدة، بسبب المجموعات المتطرفة التي تملك الخرطوم مفاتيحها. أما مؤيدو الوثيقة فيعتمدون في الأساس على صدقية الخبير الأميركي، واستحالة أن يخاطر الرجل بسمعته.

ويعتبرون أن الوثيقة سُرّبت عمداً، وبواسطة الحكومة نفسها، لقطع الطريق أمام تحرك ما قد تكون خلفه مصر والسعودية والإمارات ودول الغرب، تحديداً الولايات المتحدة، لتتمكن من اللعب معهم علناً. ويؤكد المؤيدون أن “المغالطات والتناقضات الواردة في الوثيقة مقصودة، بغرض إفساح المجال للمناورة وإضفاء التشكيك عليها.

وجاء في الوثيقة أن “الاجتماع عُقد برئاسة النائب الأول لرئيس الجمهورية بكري حسن صالح، وبحضور 14 من قادة الدولة، بينهم وزير الدفاع ومدير الأمن والاستخبارات، إلى جانب نائب رئيس المؤتمر الوطني ومساعد رئيس الجمهورية، إبراهيم غندور، ورئيس القطاع السياسي في الحزب الحاكم مصطفى عثمان إسماعيل.

وذكرت الوثيقة أنه “في حال فشل إقناع القوى المعارضة الموافقة على الانتخابات، تمضي فيها الحكومة مع حلفائها، من الأحزاب الأخرى، التي تمّ الاتفاق معها مسبقاً ومنحها مبالغ مالية للتحضير لها”. وفي هذا أيضاً، أشار إبراهيم غندور، إلى أنه “تم عقد اتفاق مع المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي، يقضي بمنحه تعويضات بقيمة ثلاثة مليارات (أُوردت دون تمييز ما إذا كان بالجنيه السوداني أم بالدولار)، على ثلاث دفعات، الأولى حين يتمّ الحوار، والثانية عند الدفع بمرشحي الحزب للانتخابات، والثالثة في الحملة الانتخابية، على أن يبرّروا حرصهم بمشاركة الشعبي لكسب تأييد الإسلاميين في العالم.

وكانت الصحف السودانية سبق أن سرّبت في وقتٍ سابق من شهر سبتمبر الماضي، معلومات عن تسلّم “المؤتمر الشعبي” تعويضات من الحزب الحاكم. الأمر الذي ظهر جلياً في مشروع الترميم الذي باشر فيها “المؤتمر” لمقرّه.

واعتبرت الوثيقة أن هناك أوراق ضغط عدة، تحديداً في إيران والسعودية، وذكرت الوثيقة أن العلاقة معهما “استراتيجية في موضوع الدفاع والأمن، كما أنها مرتبطة بشكل وثيق بالمجتمع الدولي، بينما العلاقة مع السعودية غير مضمونة رغم معرفة السعوديين بأننا نملك عنصر تهديد حكمهم.

وتطرّق الاجتماع أيضاً إلى “اضطرار مصر لبناء علاقة خاصة مع النظام في السودان، بعد انتصار الإسلاميين في معركة طرابلس الليبية، وتفاقم المشكلة مع ليبيا، وفشل محاولتهم في دعم (اللواء المتقاعد خليفة) حفتر”. واعتبرت الوثيقة أن كل ذلك يُمكن استخدامه ضد مصر.

وأمل المتحدثون أن تكون علاقات السودان الاستراتيجية بإيران متوازنة مع العلاقة بالسعودية ودول الخليج. وبرزت اقتراحات بأن تُدار العلاقة مع طهران بسريّة كاملة، وفي نطاق محدود، عبر الاستخبارات والأمن. في إشارة إلى تشكيكهم بنوايا تلك الدول، وما إذا كانت تريد بالفعل دعم الحكومة، أم أنها مؤامرة لإبعادها عن إيران، وكشف ظهرها للعدو، بحسب تعبير الوثيقة.

كذلك تمّت مناقشة مقترحات بضرورة أن يضمن السودان مكانه ضمن محوري “الاعتدال والممانعة الذي بدا واضحاً بين الدول العربية”. كما “مدحت” قدرة النظام في تضليل دول الخليج بعد اتباعه إجراءات علنية بشأن إيران.

لكن في الوقت نفسه ظهرت دعوة صريحة إلى عدم السماح للسعودية والإمارات ومصر باستقبال المعارضة السودانية، وزعيم حزب “الأمة” المعارض الصادق المهدي. وأشار مدير جهاز الأمن، محمد عطا، بحسب ما ورد في الوثيقة، إلى دور الدول الثلاث في تظاهرات سبتمبر 2013، التي عمّت البلاد، وقُتل وأصيب فيها المئات بالرصاص الحي. وأكد أن لديهم براهين تؤكد تورط تلك الدول في التظاهرة، التي أُقرّ خلال الاجتماع، أنه تمّ التعامل معها بقوة، لمنع تكرارها.

وتكشف الوثيقة اقتراحات عدة، بضرورة مواجهة تلك الدول بالحادثة، لاسيما أنها أشارت إلى محاولات سعودية سابقة لاستمالة بعض القادة الإسلاميين وضباط في الجيش، لتنفيذ محاول انقلابية. وبرروا سكوتهم عن المواجهة طوال الفترة الماضية بسيطرتهم على الوضع.

وكشف الاجتماع عن تخوّف السعودية من ردة فعل الحكومة، في شأن دعمها لتظاهرات سبتمبر، واعتقدت أن الخرطوم ربما تدعم جماعات متشددة كردة فعل، لاسيما أنها لم تجاهر باتهام أي دولة في حينه.
كم ذُكر أكثر من مرة موضوع إيران وما يُمكن أن يخسره النظام إذا فقدها، مع التأكيد على أنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا تتضرر من صراعات الجماعات الإسلامية، باعتبار أنها تحرص على إدارة علاقاتها معها عبر واجهات اجتماعية وليس عبر الدولة.

وكشف أحد المتحدثين في الاجتماع عن طرح قدّمه الملحق العسكري السعودي، للتعاون في المجالات العسكرية مع التأكيد على تقديم كل ما يحتاج إليه الجيش السوداني، لكن المتحدث أبلغ الملحق السعودي أن “بلاده لا تثق بهم، بسبب علاقاتهم مع واشنطن.

وأكد المجتمعون أن دول الخليج تريد من النظام التعاون معها في شأن مكافحة الإرهاب، لأن الجماعات الإرهابية تُمثّل تهديداً مباشراً لهم، خصوصاً أن معلوماتهم في ملف الجماعات الإرهابية ضعيفة، تحديداً تلك الموجودة في ليبيا والصومال ونيجيريا ومالي ودول المغرب العربي وأفغانستان، إلى جانب تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) و”جبهة النصرة”، كما أن علاقتهم متوترة مع جماعات متطرفة.

ورأى المتحدثون أن الملفات الاستخباراتية من شأنها أن تسهم في إصلاح اقتصاد البلاد عبر المساومات. وتطرّق الاجتماع إلى الخلافات الإثيوبية المصرية في شأن سدّ النهضة وتخوّف القاهرة من التعاون العسكري بين الخرطوم وأديس أبابا، واعتبروا أن ذلك كان سبباً في تقديم مصر لتنازلات خلال الفترة الماضية بمنع إقامة مؤتمر للمعارضة السودانية على أراضيها، والإسراع في فتح معبر أشكيت البري.

وشدّد المجتمعون على أهمية الاستفادة من المخاوف المصرية في تحجيم الصادق المهدي، الذي اتّخذ من مصر مقرّاً له، واستغلاله في تأدية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، دوراً في تحسين علاقات البلاد مع السعودية والإمارات في مقابل تأمين أمن مصر من “الإخوان” وإجراء مصالحة معهم عبر إيجاد تهدئة للمواجهات بينهما في الوقت الراهن.

كذلك اعتبر المجتمعون أن “جنوب السودان هو التهديد الأكبر للحدود”. وشدّدوا على “دعم رياك مشار المتمرد حالياً ضد الحكومة بجوبا”. وأشاروا إلى “طلب مشار عند زيارته الخرطوم للدعم مع تحديد طرق إيصاله”. وكشف الاجتماع عن مطالبات مصرية وسعودية وإماراتية للسودان بعدم مدّ الحوثيين في اليمن بالسلاح.

وفي الشأن الداخلي، قدّم أحد المتحدثين نصّاً يعتبر فيه أن من الضرورة العمل على “جعل مجرد التفكير بإطاحة النظام في الخرطوم أمراً صعباً، وأن يتمّ إظهار أن تكاليفه وتداعياته المرافقة ستكون مكلفة وباهظة الثمن، لكل من يسعى أو يجاهر بتلك النية.

وبدت الحكومة من خلال الاجتماع مطمئنة بشأن إجراء الانتخابات في وقتها، والتمترس خلف رفضها القاطع الاستجابة لطلبات قوى المعارضة للمشاركة في الحوار، كتشكيل حكومة انتقالية، إذ اعتبرها المجتمعون بمثابة “مؤامرة” لتفكيك النظام.

وبدا المجتمعون غير آبهين بمواجهة ضغط المجتمع الدولي والولايات المتحدة، باعتبار أن ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في الوقت الراهن، يتطلّب من تلك الدول التعاون مع السودان لمساعدتها على مكافحة الإرهاب واعتبار التنظيم بمثابة ورقة ضغط على تلك الدول.

لكن متحدثين نقلوا المخاوف من إمكانية استغلال الوضع الاقتصادي المتأزم لإشعال تظاهرات، كما حدث في سبتمبر 2013 وإحداث فتنة خلال الانتخابات، إلا أن القوى الأمنية طمأنت الجميع بتكليفها قوات استراتيجية، لحراسة الانتخابات ومواجهة أي تظاهرات مع الشرطة.

وفي تأكيد على الاطمئنان”، خرّجت القوى الأمنية عدداً من الكتائب، في أغسطس الماضي، بعد إخضاعها لتدريب متخصص في مكافحة الشغب، وظهر العناصر ملثمين في حفل التخرّج، باعتبارهم قوات لمواجهة الشغب.

وأبدى الاجتماع تصميماً واضحاً على الحدّ من توحّد المعارضة الداخلية والعمل على زرع الخلافات فيها، عبر التركيز على التناقضات بداخلها، وزيادة اختراقها، على الرغم من الإقرار بضرورة الاحتفاظ بها، للتلويح إلى المجتمع الدولي والإقليمي بأن هناك معارضة يسمح لها بالتحرّك”، بحسب ما ورد في الوثيقة على لسان مسؤول القطاع السياسي في الحزب الحاكم مصطفى عثمان.

وطُرحت خلال الاجتماع خطط لتفتيت الجبهة الثورية التي تضم “الحركة الشعبية” والحركات المسلحة الدارفورية، بجانب تكثيف العمليات العسكرية لاستعادة كل المناطق من تلك الحركات.

وبدا من خلال الوثيقة إصرار واضح على ضرورة تعاون المصريين مع الحكومة، في ما يتعلق بالوجود السوداني المعارض بالقاهرة ومدها بمعلومات عن تحركاتهم وعلاقتهم بالسفارات مقابل منع جماعة الإخوان المسلمين” والمتطرفين في ليبيا، من مهاجمة المصالح المصرية.

كذلك دعا المجتمعون إلى ضرورة تعاون السعودية والإمارات والولايات المتحدة مع الخرطوم، واستندوا في ذلك، إلى تعاون الحكومة السابق مع واشنطن، في مكافحة الإرهاب مقابل إيقاف دعم الخرطوم للحركات المسلّحة.

وبالعودة إلى الوراء، نجد أن نظام الخرطوم أدّى دوراً مهماً في تسليم قادة متطرفين، إلى جانب الكشف عن مواقع جماعات إرهابية وتسليم الإدارة الأميركية لإرهابيين، في أكبر تعاون استخباراتي بين الدولتين، وذلك لأن الخرطوم سبق أن احتضنت تلك الجماعات، وعملت على تمويلها في وقت من الأوقات.