عبد العزيز بركة ساكن شجرة الموت هي شجرة نيم حقيقية، عمرها يفوق المائة عام، في الحقيقة لا يعلم احد عمرها بالضبط ولا اسم الشخص الذي زرعها، 

كل الساكنين الأحياء وجدوها هنالك منذ ان تفتحت أعينهم للحياة وميزوا الأشياء، في الغالب وكما نعتقد قياسا لتأريخ شجرة النيم في شرق أفريقيا، إنها وفدت مع الانجليز الذين أتوا بها من مستعمرتهم الأم الهند الموطن الأصلي لها، في أوائل القرن العشرين، الذين مازالت أثارهم عميقة في شرق السودان، بالذات في مدينة كسلا. توجد هذه الشجرة العملاقة بمدينة الحُمرة بإثيوبيا، في فناء منزل العمدة ود دودا بفريق قرش، وكانت ستمر السيرة الذاتية لهذه الشجرة بصورة طبيعييه ونمطية مثلها مثل ملايين الأشجار الأخرى في إثيوبيا، لولا ان وهبها العمال الموسميون السودانيون هذا الاسم المُريب: شجرة الموت. يعمل أكثر من مائة ألف من العمال الفقراء كعمال زراعة موسميين، في الإقليم المطير الواقع في المثلث الخصيب بين الدول المتجاورة الثلاث: السودان ارتريا وإثيوبيا،يطلق المواطنون عليهم اسما محليا وهو “الجنقو” يفدون من كل إرجاء السودان وبعض دول إفريقيا الفقيرة مثل تشاد ونيجيريا. بعضهم انقطعت به السبل وهو في طريقه إلى الحج لبيت الله الحرام، وبعضهم انقطع هو بالطرق في هذه الأنحاء النائية من الدنيا، وتقريبا يأتي الجميع إلى هذه المنطقة بحثا عن المال الذي يمكنهم من الزواج وبناء بيت بسيط في بلدته التي أتى منها وإدخال قليلا من السعادة والبهجة في قلب أمه و ذويه، ووفقا للإخبار التي تحصل عليها في بلدته عن هذه النواحي، كثرة الدخل وتوفر فرص العمل، وغيرها، فهو يظن انه يستطيع ان يحقق كل برامجه الإنسانية البسيطة المتواضعة من خلال موسم واحد مطير، وفعلا يقضي موسمه هذا في كد وعمل دءوب، ويستطيع ان يوفر مبلغا من المال لا بأس به، ولكن أصحابة يعطونه نصيحة جيدة، وهي انه يستطيع ان يوفر أكثر في العام القادم، حيث ان الموسم في هذا العام لم يكن جيدا كما في الأعوام الخيرة الماضية، وبإمكانه ان يقضي فترة العطلة عن العمل أي موسم الصيف الجاف كما يقضيه جميعهم في مدينة الحُمرة بإثيوبيا بفريق قرش الشهير، حيث الحياة هنالك أكثر إمتاعا من أي مكان آخر قد يتخيله في الدنيا. يمر الصيف، لذيذا حلوا ممتعا ورائقا في فريق قرش، حيث يصيب فيه العامل المحروم جميع مُتع الحياة التي قد يحلم بها، ولكنه في المقابل ينفق كل الثروة التي وفرها نظير العمل الشاق الذي قام به في شهور الحصاد الماضية، ومع نفاد آخر قرش في جيبه، فانه يقوم برهن ما جمعه من الأشياء الثمينة التي يمتلكها، لصاحبة الحانة مقابل الطعام والشراب والمتع الحسية والمأوى، مثل نظارته الشمسية، صديقه الراديو، لمبة الإضاءة الليلة التي تعمل بالبطاريات الجافة، حذائه الجديد، ما زاد عن حاجته من ملابس اشتراها عندما كان يتوفر لديه المال، سيكتفي بما يرتديه من ملابس فقط، ساعته الجميلة التي تحب الفتيات في قريته ان يرينها تلمع عند معصمه، وغيرها من أدوات زينته الخاصة التي اشتراها ليعود بها إلى أهله وعشيرته. وعندما يبدأ موسم العمل الجديد، يكون قد رهن كل ما يملك رهنا غير مسترد، ودخل الموسم الجديد بطموح جديد وهو ان يوفر فيه ما يمكنه ان يعود إلى أهله غانما، يتزوج، يبسط أمه وأخواته، ويتبختر بهندامه الجديد الجميل بين أترابه. ولكنه في واقع الأمر يدور في ذات الحلقة المفرغة: فريق قرش، إنفاق نقوده، رهن متعلقاته، العمل من جديد، وهذا يدور به الحال لعشرات السنين، إلى ان يهرم ويهن العظم منه، ويشتعل رأسه شيبا، ويصبح غير قادر على العمل، يحمل ما تبقي لديه من كرامة ويذهب إلى بيت العمدة ود دودا، إلى ظل شجرة النيم العملاقة، يدللها العمال ساخرين منها ومن أنفسهم ومن فكرة الموت، حيث يطلقون عليها اسم أغنية سودانية شعبية جميلة : “فارق اعز الناس”. لن يبق طويلا في ظل تلك الشجرة ولن يعود منها مرة أخرى للحياة، فيما بين هذا وذاك يقدم له أصحابه بعض ما يستطيعونه من واجب الزمالة، مثل السجائر والصعوط وبعض الخمور البلدية، بينما يعطيه أبناء العُمدة الكرماء وجبة الإفطار والغداء إلى ان يفارق الحياة.