كمال الجزولي (1) خلال الأيَّام القليلة التي سبقت عيد الأضحى المبارك، طالعت عبر الصَّحافة الإليكترونيَّة، وأنا خـارج السُّـودان، خـبر مؤتمـر صحـفي عقـده بالخـرطوم، مطـلع أكـتوبر الجـاري، أ/ فاروق أبو عيسى، 

رئيس الهيئة العامَّة لـ “تحالف الإجماع الوطني” المعارض، وتحدَّث فيه عن أمور تمثل، في غالبها، بعض هموم “الإجماع” التَّقليديَّة التي لا تخرج عمَّا تلاقت عليه، أيضاً، إرادات المعارضين من خارج “التحالف”، بالتركيز على جوانب من سياساته ومواقفه المعلنة، كتجديد رفضه المشاركة في أيِّ حكومة قوميَّة توسِّع من دائرة النظام القائم؛ ووصفه موقف الرئيس البشير الرَّافض للتَّرتيبات الانتقاليَّة بعدم الجِّدِّيَّة في إيجاد مخرج للبلاد من أزماتها؛ واعتباره أن الإصرار على قيام الانتخابات في موعدها دليل على زيف الدَّعوة للحوار والتوافق الوطني، مشترطاً، لمشاركته في الانتخابات إجراءها في نهاية الفترة الانتقاليَّة تحت إشراف حكومة انتقاليَّة؛ وإلى ذلك إعادته طرح شروط مشاركته، ابتداءً، في ما يُعرف بالحوار الوطني الذي كان دعا إليه رئيس الجُّمهوريَّة في يناير وأبريل الماضيين، حيث أجملها في توفير الحريَّات، وتفكيك النظام القائم، وإبداله بنظام ديمقراطي، متَّهماً البشير بنسف هذا الحوار نفسه، وعرقلة تحرُّكات السَّيِّد تابومبيكي رئيس الآليَّة الأفريقيَّة الرَّفيعة، وجهود دول الترويكا السَّاعية لإيجاد مخرج للأزمة السُّودانية، ومؤكِّداً على سعيه لإسقاط النظام بالانتفاضة الشَّعبيَّة. وفي الأثناء طالب التحالف بإطلاق سراح المعتقلين السِّياسيين فوراً، وفق قائمة تضمَّنت أكثر من 70 اسماً؛ كما شدَّد على ضرورة التحقيق العادل في أحداث سبتمبر الماضي التي قتل فيها عشرات (والصَّحيح مئات) الأشخاص، وتقديم الجُّناة للمحاكمة (الطريق؛ 1 أكتوبر 2014م).
وحيث لم ألمس في شئ من كلِّ هذا أمراً جديداً، أو حتى مخالفاً، في كثير أو قليل، لأطروحات بقيَّة أقسام المعارضة، خصوصاً المسلحة، بما يبرِّر عقد مؤتمر صحفي مخصوص، فقد وقع الأمر، عندي، للوهلة الأولى، كما لو أن تحالف الإجماع رمى إلى تهنئة الناس بالعيد على طريقته، مذكِّراً لهم، خلال عطلتهم الطويلة نسبيَّاً، بأهمِّ مهام النضال، وواجباته، ومرتكزاته الفكريَّة والسِّياسيَّة.

(2)
كدتُّ أركن لهذا التفسير الذي لم أجد أرجح أو أنسب منه، لولا أن الحديث التوى، بغتة، ليعـرِّج، بشـكل صـادم، على غـرائبيَّة غـير متوقَّعـة، البتَّة، من رجـل حـباه الله بسطة في التَّجارب والخبرات، حفظه الله، ومتَّعه بالصَّحة والعافية. فبعد كلِّ ذلك الوضوح الشَّفيف في المواقف، وتلك الإبانة المفصحة عن السِّياسات، انطلق أ/ أبوعيسى، لا يلوي على شئ، ليشنَّ هجوماً كاسحاً، ليس فقط على “إعلان باريسالذي ثمَّنته، بصورة إيجابيَّة، معظم قوى تحالف الإجماع الذي يرأس هيئته العامَّة، وإنما، بالإضافة لذلك، على “طواحين هواء” تكاد لا تستبين وسط ضباب “تعميةٍ” كثيفٍ ليس حتَّى من سنخ “المعمَّى البديعي” الذي تفتَّقت طرائقه في العربيَّة، منذ القدم، فلربَّما، لو كان كذلك، لكان أمتع، على الأقل، بالتَّوريات والاستثارات البليغة لمكامن الفطنة والذَّكاء؛ غير أنه، للأسف، لم يغادر أخطر أسلوبيَّات الغمز واللمز والغموض المذمومة، عموماً، وفي العمل السِّياسي، خصوصاً، وفي ما بين الحُلفاء المفترضين، بالأخص، بالغاً ما بلغ الخُلف بينهم، إذ الخشية أن يتحوَّل ذلك إلى أسلوب ثابت في تعاملهم مع بعضهم البعض!
ذهب أ/ أبوعيسى إلى الإشارة لتلك “الطواحينعلى أنها “قوى معارضة تعتزم إطلاق تحالف جديد باسم الجَّبهة الوطنيَّة للتغيير”! فما يدرى أحد أيَّ “جبهة وطنيَّة للتَّغيير” يعني، أتلك التي يقودها د. أحمـد عباس بعـد أن انشـقت عن “الجَّـبهة الوطـنيَّة العـريضةبقـيادة أ/ علي محمود حسنين؟! أم أن قوى أخرى تعتزم إطلاق “تحالف جديدتسميه “الجَّبهة الوطنيَّة للتَّغيير”؟! ربُّك يعلم! الشَّاهد أن الرَّجل وجَّه سهامه صوب تلك “الطواحين” متَّهماً إيَّاها بالسَّعي “لإضعاف قوى المعارضة الرَّئيسة بأدوات داخليَّة”! فما فعل أكثر من نشر البلبلة في كلِّ البيادر!
ومع كلِّ خطورة تلك “التَّعمية”، فإن الأخطر منها، بما لا يقاس، ما أعقبها من تعبير مفزع عن درجة من الخصومة لم أكن لأتصوَّر أن يبلغها أ/ أبوعيسى، بالذَّات، مع الحلفاء السِّياسيين، وإن تكن مبرَّرة لو بلغها مع الأعداء! فالرَّجل لم يستبعد وقوف “الجَّبهة الثَّوريَّة” وراء كلِّ تلك “التَّحرُّكات”! ولم يتورَّع من الزَّعم بأن ثمَّة جهات ـ لم يسمِّها أيضاً ـ “دفعت مبالغ ماليَّة ضخمة”، عبر “شيكات” (لاحظ: شيكات!)، لشخصيَّات حزبيَّة بغية “ضمِّها للتَّحالف الجَّديد”! ثمَّ لم يستنكف من أن يتَّهم، في السِّياق، طرفي “إعلان باريس” ـ الجَّبهة الثَّوريَّة وحزب الأمَّة ـ بالسَّعي لـ “ضرب مركز المعارضة” عبر خلق “مركز جديد” بقيادة حزب الأمَّة في الدَّاخل، و”استغلاله في تفتيت التَّحالف”؛ بل وزاد، ضغثاً على إبالة، أن ذلك “ما تمَّ الاتِّفاق عليه في باريس!” (المصدر نفسه).
هكذا قطع أبوعيسى، بنفسه، قول كلِّ خطيب، فلا “طواحين هواء” ولا يحزنون، بل إن عداءه المستحكم لـ “إعلان باريس” هو ما دفع به، للأسف، لتخوين الجَّبهة الثَّوريَّة وحزب الأمَّة، واتهامهما بالسعي لتَّخريب التَّحالف!

(3)
فاقم من الخلط والتخليط وغرابة الأمر أن مسبحة الأيَّام كرَّت دون أن تندَّ عن المعنيين ولو نأمة دفع لهذه الاتِّهامات الخطيرة، ربَّما لتزامن صدورها مع مناخات العيد!
عليه، وجرياً على عادة شخصيَّة قديمة في الكتابة، ارتأيت الاستيثاق، بنفسي، من جليَّة الأمر في مظانه. فأجريت، فور عودتي للبلاد، اتِّصالاً، مع د. مريم الصَّادق، نائبة رئيس حزب الأمَّة، التي فاجأتني، أيَّما مفاجأة، بنفيها، جملة وتفصيلاً، مجرَّد علمها، أو علم أيٍّ من كوادرهم في المستوى المؤسَّسي (وذكرت اسم أ/ عبد اللطيف الجميعابي)، بتكوين مركز جديد” للمعارضة بقيادتهم! مع ذلك آثروا، حسب ما أبلغتني، عدم الرَّد على ما قيل في المؤتمر الصَّحفي حول الأمر!
وقمت، من ثمَّ، بسؤال بعض قادة الأحزاب عمَّا إن تمَّت دعوتهم لتكوين “المركز الجَّديد”، لو صحَّ خبره، فأجمعوا على نفي أيِّ علم لهم بالأمر في هذا المعنى!
ثمَّ اطلعت، أثناء كتابتي لهذه المقالة، وعقب العيد بيومين، على إفادتين لقائدين معارضين، أولهما أ/ ياسر عرمان، القيادي بقطاع الشَّمال والجَّبهة الثَّوريَّة، والذي فعل خيراً بإبدائه، في حوار معه نشر، مؤخَّراً، عدم تحبيذهـم المـيل عـن الجَّـادَّة إلـى التُّرُّهـات الجَّـانبيَّة التي يعلم الله وحده أين يمكن أن تفضي بالجَّميع، وتعمَّد التَّشديد على أن الإجماع حليف استراتيجي للجَّبهة الثَّوريَّة، وأن حزب الأمَّة والحركة الاتحاديَّة جزءٌ أصيل من قوى المعارضة، وأن النظام يسعى لتمزيق صفوف هذه القوى، لذا فإن الجَّبهة لن تلجأ لحلِّ التناقضات بين الحلفاء المفترضين عبر أجهزة الإعلام، حتى لا تتحوَّل علاقات هذه القوى إلى صراعات بدلاً من طبيعتها التَّحالفيَّة المفترضة، وزاد، بوضوح، أن رؤية الجَّبهة الثوريَّة، من الناحية الاستراتيجيَّة، تقوم على عدم خلق “مراكز جديدة” للمعارضة، بل على “توحيد” ما هو موجود، كشرط رئيس للاتفاق على مشروع وطني يعطي للشَّعب أملاً في إمكانيَّة بناء “دولة سودانيَّة جديدة قائمة على المواطنة بلا تمييز”، وهو ما يحتاج إلى الكثير من الصبر، والحكمة، ووحدة أطراف المعارضة (موقع حركة/جيش تحرير السُّودان؛ 8 أكتوبر 2014م).
وأمَّا أ/ محمَّد علي جادين، رئيس حزب البعث السُّوداني، فقد انتقد حديث أ/ أبو عيسى بشدَّة، ووصف هجومه على الجَّبهة الثَّوريَّة و”إعلان باريس” بـ “غير الموفق”؛ وشهد، قاطعاً، بأن ما قيل في ذلك المؤتمر الصَّحفي “لا يعبِّر، مطلقاً، عن خطِّ التَّحالف”، بل “يتسبَّب فقط في تعكير العلاقات بين التَّحالف، والجَّبهة الثَّوريَّة، وحزب الأمَّة، وأحزاب أخرى، دون أيِّ مبرِّر“! وأكَّد أ/ جادين على أن تلك التَّصريحات قد خلقت، بالفعل، توتُّراً حادَّاً في أروقة قوى الإجماع الوطني “بطريقة قد تؤدي إلى تفكيكه”! وذهب إلى الكشف، ربَّما لأوَّل مرَّة، عن أن “تصريحات أ/ أبوعيسى ومنهجه في القيادة ظلا يتسبَّبان في خروج البعض والبحث عن تحالف جديد”! وقال إن ورشة قد عقدت قبل أشهر، وأوصت بإصلاح التَّحالف، وإعادة هيكلته، باعتبار ذلك هو الطريق الوحيد للحفاظ على وحدة التحالف، إلا أن تلك التَّوصية لم تنفذ حتى الآن، واتَّهم جهات في التَّحالف، لم يسمِّها، بعرقلة الإصلاح وإعادة الهيكلة (التَّيَّار؛ 9 أكتوبر 2014م). ويلاحظ، هنا، أن أ/ جادين قد احتذى، للأسف، نفس حذو ما أخذنا على أ/ أبو عيسى في البناء على المجهول، مِمَّا يثبت مخاوفنا من أن يتحوَّل الأمر إلى منهج وأسلوب عام في تعامل الحلفاء في ما بينهم! ولا نغادر هذه الناحية المتعلقة باعتماد “الغرائبيَّات” الغامضة في العمل السِّياسي، بين الحلفاء خصوصاً، دون أن نشير إلى نفي أ/ أبوعيسى، في نفس الصَّحيفة، كلِّ ما قال في مؤتمره الصَّحفي، وما نقلته عنه وسائط محترمة، حيث “اتَّهم”، في مرَّة، “جهات لم يسمِّها بإحداث وقيعة بين التَّحالف والجَّبهة الثَّوريَّة!”، وفي مرَّة أخرى “عنصراً معيَّناً في الجَّبهة الثَّوريَّة ظلَّ يعمل على تفتيت التَّحالف!” (المصدر نفسه).

(4)
ربَّما يذكر البعض مقالة لنا سلفت بعنوان “معارضة الصَّندل أم معارضة الطَّرور، صدَّرناها بكلمة هاملت: “ثَمَّةَ شَئٌ خَطَأ فِي مَمْلَكَةِ الدّنْمَارْكْ!”، في مسرحيَّة وليم شكسبير الشَّهيرة، وحذَّرنا فيها من مغبة ترك علائق التحالف الدَّاخليَّة تنزلق إلى مآل بائس من “السُّباب، و”التَّخوين”، و”التَّنابذ” المتبادل بـ “الألقاب”، حدَّ بلوغ “حريقِ الرُّوح” بالسَّيِّد الصَّادق، رئيس حزب الأمَّة، وبحلفائه، أن “يذمَّالأوَّل الآخرين بأنهم محض “كرور وطرور”، وأن “يخوِّن” الآخرون الأوَّل في كلِّ خطوة سياسيَّة يخطوها خارج الإجماع؛ ووصفنا تلك الحالة بأنها انعكاس لتباغضٌ ناجم عن إحساس بالضِّيق متبادل جرَّاء اضطرار الطرفين للبقاء، قسراً، ضمن تحالف لم يعُد كلاهما يطيقه! ثمَّ إننا في إطار المشاركة باجتراح المعالجات قلنا، في المقالة المشار إليها، إن من أهمَّ المحدِّدات المفاهيميَّة لظاهرة “التَّحالف”، من زاوية النظر الجدليَّة، استناده إلى فرضيَّة مؤدَّاها تأكيد الحركة والتَّغيُّر، من ناحية، ونفي السُّكون والثَّبات، من ناحية أخرى، وفق قوانين التَّطوُّر الموضوعيَّة في الطبيعة، والاجتماع، والفكر. فهو، إذن، ليس زواجاً كاثوليكيَّاً لا انفصام له، إذ أنه ما قام، أصلاً، إلا لكي ينقضي، وما المحكُّ الأساسي لوجوده أو عدمه سوى طاقة عناصره الأساسيَّة على استبصار اللحظتين التَّاريخيَّتين الصائبتين لـ “تكوينه” و”فضِّه”. وسقنا مثلاً لسداد لحظة “الفضِّ” بانسحاب الحزب الشِّيوعي، أواخر 1962م وأوائل 1963م، من “تجمُّع المعارضة” ضدَّ نظـام الفريق عـبُّود (ثورة شعب؛ ص 258 ـ اليسار السُّوداني في عشـر سـنوات؛ ص 407)؛ كما ضربنا مثلاً لإغفال هذه اللحظة بمآل “التَّجمُّع الوطني الدِّيموقراطي” الذي “تكـوَّن” عقب انقـلاب يونيو 1989م، ثمَّ أهمل قادته رصد اللحظة المناسبة “لفضِّه”، فتركوه يتخبَّط، كشاحنة في منحدر، منذ دخول الحركة الشَّعبيَّة، منفردة، في مفاوضات السَّلام مع الحكومة!
واستهداءً بتلك الخبرات، رصدنا مواقف مفردات الإجماع المتصادمة، وعلاقاتها البينيَّة المتأزِّمة، وخلصنا، من ثمَّ، لاقتراح فضِّ التَّحالف الرَّاهن، بما يتيح تحويله إلى تحالفين ينسجم كلٌّ منهما مع رؤيته، ومنهجه، ومزاجه في العمل السِّياسي، بدلاً من التَّشبُّث به موحَّداً، وهو معطوب بكلِّ هذا التشاكس في داخله (الحوار المتمدِّن؛ 27 يونيو 2013م).

(5)
ذلك هو ما أسَّس لتخوُّفنا، وقتها، على الإجماع من خَبْو جذوته، أو اضطراره لمجابهة امتحان عسير، قبل أن تتمكَّن مفرداته من فعل شئ يحرِّك ساكن تحالفها، ويكسبها ثقة الجَّماهير. فالمعارضة موقف فكري، وسياسي، وتنظيمي، وحركي لا يحتمل السُّكون أو الجُّمود، كما وأن ثمَّة “شيئاً خطأ” ما انفكَّ يتراءى لنا في أداء تحالف الإجماع المعارض، حيث بدا لنا قادراً على إنتاج الشِّعارات وبثِّها، وعاجزاً عن تدبير الحراكات وقيادتها؛ لذا كانت خشيتنا، على وجه التَّحديد، من حدوث شئ يباغته، كالذي وقع، فعليَّاً، بعد مرور نحو من شهرين على مقالتنا تلك. ومن ثمَّ جاء اقتراحنا ذاك، قبل أكثر من عام من الآن، بإعادة النظر في أوضاع الإجماع، بالأخصِّ “التَّنظيميَّة”، بما يسمح بخلخلة جموده “الحركي”، وفق أسس “فكريَّة” و”سياسيَّة” أكثر تطوُّراً، على النحو الذي عرضنا له بعاليه.
غير أن الأوضاع، منذ ذلك الحين، تغيَّرت، والأولويَّات تبدَّلت، ومياه كثيرة جرت تحت الجِّسر، وما كان، بالأمس، في مواقع الدِّفاع صار، اليوم، إلى مواقع الهجوم، والعكس صحيح تماماً، فلم يعد الزَّمن هو الزَّمن، ولا الظرف هو الظرف، ولا الأشياء هي ذاتها، وكلُّ الاحتمالات تتقلب الآن في جوف قِدْر يغلي، ولعنة التَّاريخ ستلحق بكلِّ من يتركها تحترق أو تتبخَّر! الآن لم تعُد ثمَّة فسحة من الوقت يمكن أن تسعف الإجراءات المطلوبة لفضِّ شكل، وإقامة شكل آخر، أو أشكال بديلة. بكلمة واحدة: أضاعت الغفلات الفرص، ولم يعُد ثمَّة ما يعدل، في هذه السَّاعة الخامسة والعشرين، واجب تفعيل ذلك المشروع المعطل منذ شهور طوال: إصلاح الموجود، وترميم شروخ تحالف الإجماع، باستعادة حزب الأمة إليه، وباستكمال استيعاب الاتحاديين في صفوفه، وبضم منظمات المجتمع المدني إلى أحضانه، تلك التي غيَّبتها عنه، في ما مضى، الأثرة وشحُّ النفس، والأهمُّ المزيد من تنسيق المواقف مع الجَّبهة الثَّوريَّة، بأكبر قدر من الدِّيموقراطيَّة الدَّاخليَّة، وكفالة حقِّ النقد، وإبداء الرَّأي المخالف، وبأقلِّ قدر من الهيكلة الملعونة” التي تجعل من فوق كلِّ رئيس رئيس، وهو ما قضى، من قبل، على طيِّب الذِّكر “التَّجمُّع الوطني” قضاءً مبرماً! كلُّ ذلك لأجل الحفاظ لا على وحدة “شكلانيَّة” للمعارضة، وإنَّما، في المقام الأوَّل، لتطوير فاعليَّة جديدة لهذه المعارضة وسط الجَّماهير، ومعها، في المركز والهوامش، بل وفي طليعتها، شباباً وشيباً، نساءً ورجالاً، إقناعاً لها، وكسباً لثقتها، بكلِّ قوَّة، وفوق أيِّ اعتبار، و .. هذا أو الطوفان!