محمّد جلال أحمد هاشم* يذهب بعض الباحثين والمفكّرين العلمانيّين إلى أنّه لا مستقبل يُرجى من أمّة تسيطر على أذهانها وتشغل بالها وبال حكوماتها، قضايا من قبيل ماذا تلبس النّساء، أو هل يمارس النّاس الجنس وفق المشروعيّة الأخلاقيّة أم لا، أو هل يشرب النّاس الخمر أم لا يشربوها.

بالطّبع، لا يدخل في هذا انشغال الدّولة بأيّ أمر في حال تحوّله إلى ظاهرة تستحقّ النّظر والتّدبّر. فانشغال النّاس بهذه القضايا لا تبرير له غير أن يكون المجتمع مهجّساً بالجنس في حال موضوع النّساء، أو تسيطر عليه حالة أيديولوجيّة يستخدم فيها التّحليل والتّحريم كأسلحة لضبط المجتمع. وتقوم مناقشتهم إلى أنّ من يشغلون أنفسهم بهذا، يكون قد شغلوها بالفارغة إزاء انشغال الآخرين بإنتاج الحياة وصناعة التّاريخ، أي الانشغال بالمليانة، حسب التّعبير السّوداني. وهذا ما نعاه عبد الوهاب الأفندي على الحركات الإسلاميّة المتزمّتة التي تسعى للوصول إلى السّلطة لتطبيق الشّريعة. فهؤلاء يبرزون للعمل العام بوصفهم زاهدين عن الدّنيا، بينما تأتي ممارساتهم عكس هذا. وهذه الحركات في الواقع انعكاس للمجتمعات المسلمة التي تزعم اتّباعها لروحانيّة الإسلام وتذمّ الغرب لماديّته، بينما تتعيّش في كلّ شيء على نفس مادّيّة الغرب دون أن يصنعوا شيئاً من عندهم (عبدالوهاب الأفندي، 2008).

بخصوص ملبس المرأة، هناك مناقشة مضادّة تنهض. ويقدّم السّيخ لنا في هذا نموذجاً؛ فالرّجال في معتقد السّيخ وثقافتهم ينبغي أن يغطّوا رؤوسهم بعمامة مميّزة تأخذ ألواناً متباينة وزاهية، ما بين الحمراء، الزّرقاء، البيضاء، أو السّوداء. ويطلق على هذه العمامة عندهم امس “دومَلاّ” أو “دَسْتار”. فبحسب إيمانهم، ينبغي للرّجال تغطية رؤوسهم حمايةً لشعرهم، فالسّيخ الملتزمون ممنوعون دينيّاً من حلاقة شعرهم. والآن ما من دولة في الغرب ليس بها سيخ، كما ليس أيسر من تمييزهم بعمامتهم المميّزة. ومع هذا لا نسمع بأيّ احتجاج ضدّ تغطية الرّأس عن الرّجال السّيخ من قبيل ما نسمع من احتجاجات صارخة ضدّ الحجاب وتغطية الرّأس عند قطاعات كبيرة ومتزايدة من النّساء المسلمات في الغرب. من المؤكّد أنّ للغرب المسيحي اليهودي تحيّزاته ضدّ الإسلام والمسلمين، وبالتّالي يعمد إلى مواجهة الإسلام عبر رموزه الأيديولوجيّة. إذ ليس أقوى من الزّيّ في التّرميز الأيديولوجي للمجموعة. فالسّيخ نفسهم لجأ قادتهم الرّوحيّون والسّياسيّون إلى اتّخاذ هذه العمامة، بين جملة أهداف، بغرض تمييز شعبهم. وهذا نفسه ما نراه عند المجموعات الإسلاميّة المتزمّتة حيث يتحرّى الرّجال أن يُقصّروا من الجلباب إلى ما فوق السّروال التّحتي، وأقرب إلى الرّكبة عند بعضهم. فلو كان الغرض هو تجنيب الملابس من الاتّساخ، للزم ذلك السّروال أيضاً. كما لو كان تجنّب علوق التّراب بالثّوب بهذا المستوى من الأهمّيّة للعبادة، للزم المرأةَ أيضاً، فلا تجرجر أذيالها من ورائها كما المكنسة. إذن، المسألة كلّها، أكانت عند الغرب، أم السّيخ، أم المسلمين، مشتبكة مع الأيديولوجيا، وما الايديولوجيا إلاّ القوّة المعنويّة التي نستمدّ منها الطّاقة لتبرير أفعالنا في دنيانا، وليس آخرتنا. والوضع كهذا، يحقّ للغرب أن يخشى انتشار الإسلام، وبخاصةٍ في صوره المتزمّتة التي يقال عنها السّلفيّة وخلافه، بين شعوبه. خاصّةً وأنّ الإسلام، كالمسيحيّة، دين تبشيري، أي ليس مثل ديانة السّيخ ينكفئ على الحدود الإثنيّة للمجموعة التي تؤمن به. ولهذا السّبب نفسه لا يخشى الغرب من ديانة السّيخ، ولا يُلقي بالاً إذا ما كان رجال السّيخ يمشون في الطّرقات حاسري الرّأس أم متعمّمين. هذا جانب، من جانب آخر ما كان الغرب سيسكت عن تغطية الرّأس عند السّيخ أو غيرهم إذا كانت المرأة هي المطلوب منها ذلك. والغرب في هذا أيضاً ليس بريئاً. فمن جانب هو جزء من التّاريخ الاجتماعي والأخلاقي الذي يقتضي على المرأة ألاّ تكشف عن جسدها؛ فقد كان هذا هو حاله لما لا يزيد عن قرن إلى الوراء إلاّ بقليل. وبالتّالي هناك حركة بالغرب عامّةً يمكن الرّكون إلى مقاصدها التّحرّريّة إزاء أيّ قطاعات نسويّة يرون أنّها تعيش تحت خطّ الجهل والقهر والتّمييز السّالب. كما هناك هاجس الغرب الليبرالي بالمرأة كونها قابلة للتّسويق وكمحفّز للتّرويج التّجاري، وبالتّالي يشكّل حجبها سلوكاً غير ليبرالي يهدّد الشّكل الثّقافي العام بالغرب ثمّ يقلّص فرص الاستفادة الاقتصاديّة من جسد المرأة كمحفّز جنسي بغرض التّجارة.

هذا كلّه مفهوم وربّما يكون معلوماً بالضّرورة، إذ لا ينبغي أن نطلب من أيّ جهة أخرى (طالما نظرنا إليها على أنّها كذلك) أن تتعاطف مع ديننا وتعمل على تقدّمه وفتح الفرص له. إلاّ أنّ هذا لا يعالج القضيّة! إذ يعود عدم استنكار المجتمعات الأخرى التي يعيش بين ظهرانيها السّيخ من ظاهرة تغيطة رجالهم لرؤوسهم إلى سبب آخر، ألا وهو تطوّر الفهم الدّيني والثّقافي عند السّيخ بما جعل من لبس العمامة عند الرّجال أمراً اختياريّاً. فأنت ترى رجالاً من السّيخ لا يلتزمون بهذه العمامة دون أن يكون ذلك مدخلاً للقدح في إيمانهم وفي انتمائهم للمجموعة الإثنيّة دينيّاً وثقافيّاً. ولكن، لو كان الأمر على غير هذا، كأن ينشأ صراع أساسه الالتزام الدّيني من عدمه بخصوص لبس العمامة، بما من شأنه أن يخلق توتّراً بين مجموعة السّيخ، فتكفّر مجموعة منهم مجموعة أخرى، عندها سيكون الوضع مختلفاً. ففي هذه الحالة سوف يتدخّل الجيران طالما أنّ الأصوات قد علت من فوق سور البيت. وهذا بالضّبط ما يحدث بخصوص زيّ المرأة في المجتمعات المسلمة. فالجماعات التي ترى أنّه لا مجال لقبول إسلام المرأة أو الفتاة، أو حتّى إسلام من يقومون عليها (القوامة)، ما لم تلتزم بشروط الزّيّ التي يُنظر إليها على أنّها شرعيّة، لا يفتأون يثيرون من المشاكل ما لا يمكن للصّديق أن يُسرّ بها، دع عنك العدو. وهي الشّروط تتراوح في عددها وفي مضامينها، إلاّ أنّ الأشهر منها ما يُعرف بالشّروط الخمسة في زيّ المرأة: ألاّ يكشف؛ ألاّ يشفّ، ألاّ يرسم؛ ألاّ يكون غالياً في ثمنه؛ ألاّ يُلبس لجماله وجاذبيّته ــــ هذا بين عدّة شروط تتراوح ما بين التّزمّت والتّساهل. وبما أنّ المسألة كلّها ذات دلالات أيديولوجيّة، كأن تثبت حركة سياسيّة فكريّة بعينها قدرتها في ضبط سلوك الشّارع بتغيير مظهر المرأة فيه لما للمرأة من تأثير كبير على صورة الشّارع (وهذا يشبه ما عليه الحال في ليبراليّة أوروبّا)، حتّى إذا أنجز هذا، لا يهمّه بعدها هل تحشّمت النّساء في عين أخلاقهنّ أم يفعلن ذلك انقهاراً لانعدام الحيلة. من ذلك ما شاهدناه في تجربة الإسلاميّين بالسّودان؛ فقد انتهى الأمر، بمجرّد إنجاز مهامّه الأيديولوجيّة المتعلّقة بضبط المجتمع عبر أخذ المرأة بالشّدّة كونها في نظرهم عبارة عن شيطان يمشي بين الرّجال، إلى مظهر غير سويّ. فقد عوّضت المرأة بعموم، والفتيات بخصوص، عن تقلّص فرص الاستمتاع بالموضة بالملابس المحزّقة بحيث ترسم بأكثر ممّا كان عليه الوضع في الماضي. فقد اخْتُزلت المسألة كلّها في ثلاثة أشياء هي تغطية الرّأس، والمرفقين، ثمّ جرجرة الأذيال. بعد هذا لا يهمّ إذا ما شفّ أو رسم، فضلاً عن عدم الاشتغال بدءاً بالشّرطين الآخرين: ألاّ يكون غالي الثّمن، وألاّ يُلبس لجاذبيّته. علّة هذا السّلوك تكمن في أنّه ينبي عن نفس مقهورة كون أبعاد شخصيّتها كلّها محكومة بمظهرها الخارجي، وهذا بدوره مرتبط بالفهم الدّيني المتخلّف لها كمنبع للفساد والعيب والفضيحة. فسلوك البنات في الجامعات السّودانيّة، مثلاً، اللائي شاء قدرُهنّ أن يخضعن لهذه الشّروط القرقوشيّة، من حيث تحايلهنّ ليس سوى ردّ فعل الحسّ العام إزاء سلوك لا يمكن استعقاله.

 *مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة