د-عبدالسلام نورالدين -6-  عداء مدينة النهود الذي اخترق  وحطم كل الحواجز تأهبت مدينة النهود التي نفحت في تاج السر الحسن  منذ أن أنتقل  اليها في المهد يافعا من الجزيرة "ارتولي"  الوفير من سمو  وصفاء روحها  والمتدفق من اغوار مشاعرها - 

لتجلس  بثقة واطمئنان منذ عقد الثلاثين (1930 ) على سرير  عريض   اعدته  لنفسها  بترتيب  عقل متدبر في التجارة والثقافة والتلاحم بدرجات متفاوته   بين سكانها الشئ الذي لم يتفق ولم يتوفر  لغير قليل  من مدن السودان التي تجلس على مقعد القيادة  السياسية  رغم أنها  لم تبارح مكانها  منذ نشأتها الأولى   في الانكفاء  على ذاتها   جالسه القرفصاء  تزدرد الاخضر واليابس من انتاج غيرها من الاقاليم  لا تلوي على شئ ولم تزد  ان تكون تجمعا لمكاتب ادارية كثيرة  العدد  ولكنها حافظت  باصرارعلى عجزها ونرجسيتها فلم  تبارح شنان تحيزاتها  القبلية والمناطقية  الى فضاء اوسع والى اجتماع انساني ارحب  ولم يك  مثيرا للاستفهام والحيرة أن ينسل من مصارينها   الغلاة من دعاة ثقافة الكراهية العرقية والتعصب الديني والتوجهات الزائفة.

بلغت مدينة النهود في  خواتيم عقد الاربعين (1940 -1949) وفي مطالع عقد الخمسين تمام  بدرعصرها الذهبي  على ايام  صعود حركة  الطلاب والشباب الوطنية ولم تكن  في ثنايا نهوضها  مجرد واحة  قذفت بها  مصادفات  الزمان العشوائية  في عمق  اقحاف ربع خال فقد كان أحمد ناصر وابراهيم منعم منصور ومحمد أحمد البلاع وعبدالجبار عبدالهادي واحمد التيجاني عبدالهادي وبكري عديل واحمد محمد صالح “العفيف” وحامد رشوان وأحمد عبدالصادق  واخرين من شعاب  تلك النجوع  والفيافي روادا ملهمين بكل المقاييس لبنات البراري واولاد “الضهاري ” في ديار اشجار التبلدي  التي أستجمعت باعجاز  في جذوعها وجوفها وفي تفاريع  زاهر اغصانها : الماء ة واللحاء والدواء والطعام والظل الوريف .

   أشرأبت  بنت الضواحي الحمرية بجيدها الذي تباعدت فيه المسافة  بين القرط ومهواه   المزدان  بالخرز والتمائم  وبأنفها  المثقوب  مختالا بالشنف باحساس مبهم ولكنه مترع بالامل والاشواق الى شباب جديد في الرؤى وتشقيق الكلام الأديب وارتياد الافاق ورغبت “كسحابة شالت أم روقين -براقها يسل العين” أن تتنزل   عليهم من براريها  البعيدة دعاشا وسلاما ” وتغمرهم كمطر الرشاش “البش” على عموم البلاد من “الدودية”  الى “الزرنخ” ومن “أم قرنا شاك” الى الملتقى مع طريق الاربعبن  فيخرجون متهللين من مضارب  الفرقان والحلال  ليتلقونها بحفاوة صبية  غب المطر  فتبرز  لهم ببارع  زينتها  صحيفة منشورة على أستار  عيون وديدها الذي هجر زراعة الفول “ابوعيدان” وتخلى عن ركوب “هجين الباندكير ” ليلتحق  بمدرسة خور طقت  الثانوية البعيدة  أوحنتوب على ضفاف “بحر ازرق”  متلهفا  للمعرفة  كي يقطع  بنصل رأيه المصقول الزمن قبل أن يقطع اهله ودياره.

“خي الفريدة   **   الساعة في ايدة                                                     

نبقالا  جريدة **  خورطقت بعيدة”

أما بنت المدينة  فقد وضعت كل آمالها في سلة هذا الجيل الذي وعد أن يملأ أطراف ثوبها الذي اطلقت عليه “عقد الجواهر” بالسهى والفراقد فتنبهه أنها الى ذلك الموعد  بلا ريب قادمة   وعليه أن لا ينسى ذلك وما ينبغي له.

يا الراكبين عجلاتكم *** وياالالبسين ساعاتكم

وساعة الدرس فاتكم*** والتعليم دا حياتكم

**

يا توبي المظاهر ***        ويا عقد الجواهر

ونمشي الاسبتاليا *** ونزور ناس “خالدة زاهر”

 

لم يكذب  تاج  السر الحسن  الذي كان من الرواد  ثقة  الأملات  والاملين  فيه  فانبرى وتصدى لحمل  الشيل الوطني  وقد أمتشق  منذ بواكير فتوته الاولى   وجدانه العامر بحب البشر والطير والنبات والشجر  والمزن الكردفاني  قلما وسيفا   وقد تأتى له بفضل ذلك أن  يخترق السلك الشائك  هادما الجدر التي  تفصل  بين الحمري والانقريابي والعمرابي والشايقي  والحدربي والمسيري والجامعي والفلاتي والبرقاوي والبزعي والكاجاوي والبريابي والمنصوري والميماوي  والبديري والبرتاوي ويفاضل بينهم في المجالس والمقامات وفقا للجهات والمنابت  التي منها أتوا واللهجات التي بها نطقوا وأضحى بحق من فلذات كبد النهود  وحدقات عيونها لذا لم يتخلف  عن الايفاء  بتوق   مدينته  للنهوض ووعدها بالعطاء الثر فالتحم  باشواق اهلها  وساكني ضواحيها  وبراريها التي جاب انحائها  وجاس بحثا  عن وجهه  وهويته الانسانية  في رباها الحمراء وفي  ودق سحائبها البنفسجية وفي ارض خريفها  الموشى  بتلاوين خشاش “السوريب “وقصب النال”  ونبات العليف وطيوب المرحبيب  وفي اشجار تبلديها  الذي يعانق  بشموخه السماء  وبين صخورها الزرق وقبل ذلك وفوق ذلك بين هؤلاء الرعاة الحفاة  ومزارعي  “مخمسات القردود  والقيزوان ” الذين يصنعون السعادة للاخرين في المدينة القريبة والاخر البعيدة  ولاينالون  من “جوادتهم ” و”حريقهم ”  و”سراياتهم ” وهشاب “بوارهم”  وكل ما تجود به ايديهم  الا النذر اليسير وقد لا ينالون سوى حنظل التلال ولا يتخلف العطش الذي يشوي لهاة   صغارهم  اذ تأخرت “الراوية” لاعطال  “الدونكي” التي لا تحصى  ولا تعد ومع ذلك لا يتوقفون عن ضخ  دم الحياة في  اوردة وشرايين وجود هم المحفوف بالمكارة. 

“” النهود

سافرت في أنحائها وجُست في الديارْ 
درست في الكتّـاب بين إخوة صغارْ 
فبلدتي (النهود)
هذا المدى الذي يفيض بالوجود 
هذا السنا المؤتلق الممتلئ العنقود 
هذي الربا الحمراء 
هذي الصخور الزرق كم تميد كبرياء 
هذا (التَّـبْـلَـدِيّ) شامخا يعانق السماء 
مدينتي (النهود  ) 
سحائب بنفسجية بها السما تجود 
أرض موشاة تفيض خضرة وجود           
أناسها المناضلون صانعو السلام            
يشيِّـدون في أنحائها الحياة والوئام            
إن سكنوا بلا سقوف, أو مشوا بلا طعام            
إن مات طفل دون جرعتين من غدير 
والخير في حقولها مبعثر وفير            
إن شحت السماء ذات موسم مطير           
فسوف تخلدين يا نهود              
وسوف ترسلين الضوء للحياة والوجودْ””

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk