د-عبدالسلام نورالدين -7 - حينما تعرو سيدة الرمال الظمأى رعشة الموت من طائف الغرق

وعند كوخ أحمد الفلاح

حيث تعانق القصب

وكأنه طاقية مهروءة النسيج

يقبل القطرة حين تهجر السحب

والحاجة العجوز

وأحمد الفلاح زوجها العجوز

يحكون للصغار

“شعيب” وابنة يدعونها “هدى”

عن قصة الحجيج

ايامنا يا ايها الصغار

وفي بلادنا قد دخل الكفر

ولم نكن نملك غير هذه الاقدام

والحب للنبي

محمد عليه صلى الله  والاصحاب

ومكة الكريمة الاعتاب

والمقام        

وزادنا بليلة من الذرة

ومسبحة

وقرعتان

وكان لي عكازة

وتحت ابطي حربتان

وكومة من الخرق

والسحب الدكناء تنقش الافق

وقد نوينا باسمه العظيم الحج والسفر

 

وحولنا تجمع الكبار

وصبية صغار

ورددت قريتنا زغرودة الفرح

بالبركات والوصول والسلام للنبي

وأن تقضى الحاجيات للجميع بالنبي

وكنت يا شعيب

طفلا صغيرا تكثر الصراخ

وفوق ظهر امك العجوز

كنت يا شعيب

قد حزمتك فوقه بخرقه قديمه

وتكثر الصراخ

كتب ناقدا الاستاذ  المصري  محمد مصطفى هدارة في كتابه تيارات الشعر العربي* “  ان قصيدة (مهاجرون للحج) من ديوان (القلب الأخضر) لتاج السر الحسن فيها مجافاة للدين رغم أنها عالجت موضوعاً دينياً بأدوات الفن”

يبدو أن *  “الدكتور علاء الدين سيد أحمد أغا أستاذ اللغة العربية بجامعة فرانفكورت، قد تفحص ذلك الراي برويه  في سياق  نقده لنقد هدارة  ومحمد النويهي  في مؤلفه  (تاج السر الحسن وقضايا عصره) الذي صدر في  المانيا عام 6002م   بمناسبة مرور خمسين عاماً على صدور ديوان ( قصائد من السودان)  ,وعلق  بحصافة  “أن قصيدة مهاجرون للحج   تحتاج الى معرفة بالموروث الشعبي السوداني، فهى تتبعت طريق الحج من مجاهيل أفريقيا وأدغالها مروراً بطريق حجيج السودان حتى وصولهم إلى الحجاز””

تتلاقي  كل الدروب وتختلف وتتقاطع  -المهاجرون من اقصى غرب افريقيا في طريقهم الصاعد والهابط الى  مكة المكرمه  عبر  الجنينة –الفاشر –أم كدادة –جبل حلة –الدم جمد –ودبندة  فالنهود  والمسيرية الحمر من ادنى بحر العرب في ظعائن الخريف هروبا من ذباب  الصعيد   الى  روابى “فوجة”   و”ام بل”   الشمالية    ولابد للبقاري  في غدوه متباطئا وفي رواحه عجلا  ان يغشى  أم القرى في دار حمر  وليس له كما يزعم المثل السائر خيار في ذلك حتى اذا كان جاحدا اذ ان ” الفولة بتتملي والبقارة  حلبت بجو” وكذلك الابالة الغريسية  والمنانعة  وبني بدر والمناظير والكبابيش والكواهلة والشنابلة  في رحلة  النشوق المعاكس صيفا بحثا عن الماء والبطيخ والشعلوب  والبغيل في الجنوب و ويدب “البحارة ”  المعدمون  القادمون من وسط شمال السودان الطامحون في الثراء العريض باي ثمن  دبيبا ليلتحقوا  بركب سلفهم الصالح والطالح من وكلاء شركات المحاصيل  وتجار الماشية ومالكي الناقلات السفرية أوباولئك  شذاذ الافاق “العنقالة ”  الذين  غنموا واثروا حينما امتصوا دم  الاهالي  ثم قذفوا بهم في مستودع الهالكين عظاما نخرة ,وتستقبل  المدينة ايضا بمزيد  من الحفاوة علماء الفقة وحفظة القران  ومداح الرسول  والهدايين وعازفي الكيتة والربابة وام كيكي من كل حدب وصوب –تتلاقى كلها “كالرياح الاسيوية”كاناشيد الجيوش المغربيه”  في مدينة حجرالجير الابيض” منقرمنقر”   التي تقع غرب (الجبيل -)   بلون أسنان ابنائها  الوسنى التي  زججها قلم اصفر يغمس  حد ريشته )لابد أن قد قدت من حجر العطرون(  في دواة  تنثال  من ندى  وجم  “آبار جبرونا”  على  شمال “فريق الشايقية” وتجري من  تحت المدينة غرب الجبيل    “الخيران”  زاحفة   برملها الذي لا يعتاده  السيل الا نادرا ومفاجئا وعاديا   فتغدو النهود  في لحظات جد نادرة  مدينة البندقية الأيطالية  وهي لا تصدق أن الذي يكاد أن يودي بحياتها ليس العطش الذي لا يفارقها  الا قليلا في بعض ايام  الخريف   وأنما لعجائب المفارقات  التدافع المفاجئ  لفيوض جنوح السيول  التي تجتاحها  كالصرعات  المتقطعة من  هضبة “النهيدات”  في جنوبهاالشرقي  و من “حيدوب” في شرقها و ومن اغوار “ود الحليو” و”ارقد فايق” في غربها” فتعرو سيدة الرمال العطشى رعشة الموت من طائف الغرق .

“والليل حول بيتنا يقطر المطر

والسيل عانق البيوت والشجر

حيدوب ذلك الجبل

كأنه الشيخ المهيب أحمر المقل

دموعه تهدد البشر

وانت مستلق على السرير

عيناك لم تغمض فقد كانت تضج بالصور”

كتب روبرت سيسيل ميال مساعد ثم مقتش مركز النهود (1923 -1931 )

(في احدى امسيات خريف النهود( 1926)  بينما كنت جالسا بمنزلي الطيني مع بعض الزوار نتسلى بلعب البيردج جاء احد افراد البوليس مندفعا وذكر بشئ من الدراما  أن هنالك امطار غزيرة بالخارج وان مكاتب المركز والسجن والسوق قد أصابها الغرق جراء السيول المندفعة. تناولت ومعي اصدقائي مصباحا وذهبنا للاستطلاع حيث لم نبعد اكثر من 12 خطوة خارج المنزل الا وقد وجدنا انفسنا والماء يحيط بنا من كل جانب حتى مستوى الخصر كما تحولت المباني الطينية  تحت انظارنا  الى ركام من الطين. وزاد الطين بلة اندفاع السيل بين هذه المكاتب ومنازل السكان لمسافة تزيد على المائة ياردة حيث لا يستطيع أحد السباحة. حاولنا العبور  عن طريق ربط انفسنا  بحبل معا ليسهل لنا العبور ولكن دون جدوى مما اضطرنا  للعودة الى المنزل انتظارا لما يسفر عنه الصبح.بحلول الصباح  خرجت من المنزل لتفقد ما أحدثه السيل من دمار وقد أكتشفت لسوء الحظ أنه لم يبق شئ من مباني المكاتب كما تحطم كل الاثاث  والملفات.د-حاج سالم مصطفى –دار حمر ص122 -2014 )

-8-

منتهى الارض

ليس نقضا لتجربة الترحال والتساكن والتجوال بين “الاريت”  و”الحلال” والقرى الصغيرة والكبيرة والحواضر أن يقال أن   لكل مدينة    بكل ما تحمل الكلمة من دلالة  حضور ومواقف  وتجليات في حياتها وفكرها اليومي  ومن تجليات النهود  انها منتهي السودان بالمعنى الذي  اراده الشاعر عمربن ابي ربيعة لعدن اليمن

تقول عيسي وقد وافيت مبتهلاً ——- حجاً وبانت ذرى الأعلام في عدن
أمنتهى الأرض يا هذا تريد بنا ———– فقلت: كلا ولكن منتهى اليمن

أطلق الجغرافيون والمؤرخون في الحضارة الاسلامية ( البلاذري- المسعودي –الطبري –ابن حوقل –ابن اياس-ابن خلدون –ابن اياس-ابن تغرى –ابن خلكان-الادريسي –الاصطخري-ابن جبير-المقريزي -الوزان واخرين)  مصطلح بلاد السودان على الفضاء الجغرافي والسكاني الذي يقع بين البحر الاحمر والسنغال  وتجسد النهود  ذلك الفضاء الكلي  في ابعاده  المتعددة   في  ذاتها الواحدة  وليس ذلك بمستكثر عليها

**

د-عبدالسلام نورالدينabdelsalamhamad@yahoo.co.uk