خالد فضل قبل سنوات قرأت كلمة لزميلنا الصحفي جاتيكو اموجا(قمر دلمان )سابقا , وكنا نعمل سويا في طيبة الذكر (أجراس الحرية), في كلمته تلك علّق على كتابة وجدها منحوتة على جدران الحراسة 

في القسم الأوسط للشرطة بمدينة أم درمان , وكان قمر ضمن آخرين قد اقتيدوا لتلك الحراسات من أمام مباني المجلس الوطني عندما كانوا يشاركون في مسيرة سلمية تطالب البرلمان باجازة قانون الاستفتاء وقانون الأمن الوطني كأحد واجباته في الفترة الانتقالية التي تمخضت عنها اتفاقية نيفاشا 2005م . المهم أن قمر قرأ على جدران السجن ما خطه نزيل سابق وبعبارة واحدة مانعة جامعة لخص رؤيته (هذا نصيبنا من السودان القديم) . لقد عبر صاحب تلك العبارة عن واقع ملايين السودانيين الذين ظل نصيبهم في وطنهم المفترض لا يتجاوز جدران السجون بمبناها, ومعناها لمن سلم من الحبس بين الجدران , ولذلك يجب التمعن في الظلامات التي يعبر عنها المهمشون السودانيون , والذين تشكل العناصر غير المستعربة معظمهم , فهل هذا التهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي واللغوي مجرد حدث أو صدفة أم أنّه نتاج عمليات متراكمة , قادتها السلطات الحاكمة من المركز الرسمي , ما هي العناصر السودانية التي تمتعت بالنفوذ وقوة السلطة وامكاناتها منذ القرن التاسع عشر الميلادي على الأقل وحتى اللحظة , الاجابة الصريحة هي أن المجموعات المستعربة قد حازت على ذلك الامتياز , فمنذ سيطرة الاتراك على السلطة في السودان وبدء ظهور ملامح الخارطة الجغرافية الراهنة للسودان نلمح أن  معظم العناصر التي تولت مناصب قيادية ومتوسطة في سلك الادارة الاستعمارية تلك تنحدر عرقيا وثقافيا وجهويا وحتى دينيا من تلك المجموعات , ولعل في وقائع صراعات الدولة المهدية ونشوء مصطلح أبناء البحر وأبناء الغرب دلالة على أن الجهة نفسها قد لعبت دورا مهما في تحديد وتخصيص ملامح عمليات ذلك النفوذ , ويتجلى دور الجهة في كون العناصر التي آل اليها النفوذ عقب وفاة الامام المهدي تنحدر في غالبيتها من العناصر المستعربة في اقليم دارفور , بقيادة الخليفة عبدالله بن محمد , وهو الأمر الذي عده أبناء البحر المستعربين بمثابة تعدي على ما يفترضونه حقهم التاريخي في السلطة والنفوذ , وما تزال حكايات الجهادية وممارساتها تروى في أواسط السودان وشماله النيلي باستهجان , والبعض يذكرها هذه الأيام بمناسبة ظهور قوات الجنجويد فيما يعرف ب (قوات الدعم السريع ) التابعة كقوات مسلحة لجهاز الأمن والمخابرات وممارساتها التي دعت أحمد هرون والي شمال كردفان (المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية رفقة رئيسه البشير في تهم الابادة الجماعية وجرائم الحرب باقليم دارفور) الى طردها من ولايته  بعد أن ضج الناس في الأبيض وقراها بالانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان التي مارستها تلك القوات , وهي القوات الضاربة التي يستعين بها المركز الخرطومي الحاكم للجم وضرب تطلعات الثوار السودانيين في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وهي المناطق التي تضم أكبر المجموعات غير المستعربة في السودان , ولعل المراقب العادي يلحظ أن ردة الفعل على الانتهاكات المستمرة لحقوق الانسان في تلك الأقاليم ووسط تلك المجموعات لم ترتق بعد الى مستوى تلك الانتهاكات , فالاحتجاجات على تلك الممارسات لا يتعدى في الغالب , بعض النخب المستعربة في الوسط النيلي , أما أنها تشكل تيارا غالبا وسط المواطنين فهذا لم يحدث حتى الآن وحتى وسط النخب تجد من يبدي تخوفه من سيطرة العناصر غير المستعربة على السلطة في الخرطوم .

  قبل أيام ضمني نقاش عفوي مع زميل صحفي وثالث يمتهن العمل في السوق , أبدى الاثنان تخوفهما من هيمنة العناصر المتمردة حاليا اذا تحقق هدفها في الاستيلاء على السلطة , بل ورسم الزميل الصحفي سيناريو زعم من تأكده من حدوثه مفاده أن تلك العناصر تكن كراهية وعنصرية شديدة لكل ما هو عربي في السودان ولذلك اذا اتيحت لها الفرصة فلن تتوانى في الانتقام دون تمييز بين مذنب وبرئ . وساعتها ستحدث مذابح وشلالات دماء لا يعلم مداها الاّ الله , وسيتمزق السودان اربا اربا لأن العناصر العربية لن تستكين لتلك الهيمنة . هذا الرأي مع الأسف هو تقريبا ذات الفكرة التي يروج لها سدنة السلطة بعد أن فشلوا تماما في تقديم أي مشروع وطني للحكم يخدم مصالح الشعب والوطن  , بل أساسا لا يملكون مشروعا وطنيا , إنما طلاسم وشعارات ينطبق عليه قول شاعرنا الراحل العظيم حميد في وصف مصاب   عم عبدالرحيم  تحت ظل حيكومات  (تحكم  بالحجي الدجل الكجور ويوم باسم النبي تحكمك القبور ولا العسكري كسار الجبور ) , كل هذه الأنواع من الحكم هي خلاصة تجربة اسلاميي السلطة السودانية لذا ليس غريبا أن يجتر شخص مثل د. نافع علي نافع أحاديثه السمجة وخطابه الفارغ منذ 26سنة وحتى اليوم دون أن يشعر بالحياء كونه يحمل لقب أكاديمي مميز , وعوضا عن نفع البلد ضرها أيما ضرر منذ تطبيقه لما تدرب عليه من وسائل التعذيب في ايران , (راجع مذكرة د. فاروق محمد ابراهيم ).

قلت إن فكرة انتقام العناصر السوداء في السودان من الأبرياء من (ذوي الأضان الحمراء ) كما يقولون , ليست فكرة بائسة فحسب , إنما الأخطر من ذلك أنها تضع علاقات السودانيين مع بعضهم على كف الأوهام , وعوضا عن النظر الى ما فرقنا فعلا وما يزال يمزق فينا من ممارسات بغيضة قوامها الاستعلاء ووهم التفوق (في كل شئ) وهي العبارة التي أذكر أن د. ابراهيم الشوش كان قد ختم بها حوارا قصيرا جرت وقائعة مصادفة في مباني جريدة الصحافة ودار فيه نقاش حول علاقة الشماليين والجنوبيين وقتذاك على أيام اتفاقية نيفاشا , وكان الزميل قرشي عوض مشاركا في النقاش وعندما قال د. الشوش بتفوق الشماليين أو (العرب ) سألته , عن التفوق في ماذا؟ فجاءت إجابته شبه الجملة المار ذكرها . هذا فقط نموذج للعقل الذي لم يتحرر بعد , وتسكنه الوساوس والشكوك , وهي سمات عدم الثقة في النفس مع الأسف  من العنصريين سواء زرقة أو عرب , ولما كانت كفة الهيمنة والنفوذ تميل حاليا لصالح العناصر المستعربة فإن وسواس الخوف من التربص الأسود يعشعش في تلك العقلية ويخلق فيها من الظنون أشباحا تترائ أمامها في كل فعل , وقد سمعت ضابطا في القوات المسلحة السودانية يقول إن عناصر الحركات المسلحة قد هاجموا المواطنيين المدنيين في غزوة أم درمان الشهيرة 2011م بقيادة المرحوم د, خليل ابراهيم .

ولم أجد بدا من القول أمامه (هذا كذب) وسأحضر لك ابن أختي الذي كان شاهد عيان في شارع الشنقيطي وعربات قوات خليل تشق طريقها صوب الخرطوم , وهو واقف يتفرج عليها رغم (أنه ود عرب ) كما تزعمون ولم يصبه أحد من (الموسومين بالحقد والعنصرية ), فأين هو الاستهداف ؟ إن لم يكن وهما ساكنا في الأذهان , وخجلا من الممارسات التي سادت والأدبيات التي تذاع , وشعورا بالذنب مع مكابرة في الاعتراف بالخطأ ,

والغريب تجد كثيرا من الواصفين أنفسهم بالعرب , يتحسرون الآن على انفصال الجنوب , ويتحدثون بثقة شديدة عن لو كان جون قرنق حيا لما حدث الانفصال لأنه وحدوي !! يا سلام , أليس جون قرنق ده هو ذاته من صورته الذهنية الخائبة على مدى أكثر من عشرين عاما بأنه (ذو أنياب )؟؟؟ 

  إن المسألة عميقة والمشكلة غائرة , وتحتاج بالفعل الى مواجهة صريحة وليس اجترار ببغاوي , وكما لا يمكن نفي وجود نزعات عنصرية لدى  بعض العناصر السوداء (كما يقال ) ولا أستخدم هذه الصفات الا لضرورة النقاش بوضوح , ولكن النظرة الأعمق تفيد في تشخيص الداء وربما اجتراح الدواء . وقد قرأت كلمة للأستاذ حسن وراق يناقش فيها علو الصوت العنصري في خطاب الحركات السياسية المسلحة التي تتكون معظم عناصرها من أبناء الهامش غير المستعرب , بل قدم حسن سردا لتلك النظرة العنصرية منذ أيام تكوين الجبهة الوطنية التي كانت تقاوم نظام المرحوم جعفر النميري , وربما عدنا لمناقشة وراق في مقال لاحق إن كان في العمر بقية .