د.ناهد محمد الحسن   عندما آلت مقاليد الحكم للخليفة عبد الله راح يدعم سلطته بنشر مناشير المهدى فى شأنه ويؤكد من ناحية اخرى استمرار كرامات المهدية تحت رايته وينشر الكرامات والعلامات 

التى تؤيده فتهتف به الهواتف وبايعته جموع من قبائل الجن يقال لها الشمسيون وهجروا اوطانهم واستقروا بجبال ام درمان واختاروا الانضمام للراية الزرقاء , رايته سابقا وراية شقيقه يعقوب . ويحصل للخليفة الحضرة ويتلقى الوحى فى سلسلة تنتهى بالرسول (ص) ), كما جاء فى منشور الشعرة الذى حقق له ابو سليم .

  دخل الاسلام السودان على ايدى الرعاة والتجار بعد ان ردت سهام النوبة ( رماة الحدق ), جيش ابى السرح . وانتشر على ايدى الطرق الصوفية التى لم تطالب مريديها باكثر من المحبة والاساس البسيط للانتظام فى سلك الطريقة , واقرت النظام المعرفى الذى كان سائدا بالقليل من الابدالات الفكرية حيث حلت الكرامات والخوارق الصوفية مكان الشعوذة والكجور كتمظهرات جديدة للغيب. كما ابدلت الرقص الافريقى باهتزازات الذكر الروحية فلم يشعر الافريقى بالغربة الثقافية فى الدين الجديد مما سهل الاستيعاب للاسلام ومنحه المباركة .لذا لم يعرف السودان الاسلام المدرسى الا فى العهد التركى الذى صحب فيه الفقهاء حملة الغزو. وانتشر المذهب المالكى لانه كان الاكثر دقة فى تفصيل المعاملات المالية. والشاهد ان المهدية وظفت الغيب فى اطلاق طاقات الروح السودانية التى سبق وتصدعت ذاتها تحت معاول القهر التركى فتفوقت الذات على نفسها وجراحها وهى تسطر اروع الامثال فى الحروب التى قادتها المهدية ضد جيش الغزو فكانت تلك التجليات الخارقة بمثابة خوارق بدت تحت الظلال الغيبية للمهدية كامتداد شرعى واحدى تجلياتها . كما سبق وذكرت ان السياق التاريخى الذى اتت فيه الثورة استلزم الغلالة الغيبية والرؤى توظيفا للطاقة المجتمعية الصوفية الساخطة والمضطهدة من النظام وعلمائه المدرسيين لتعيد ترتيب العلاقة مع الغيب التى اربكتها سلطة امير المؤمنين وفقهائه الازهريين . ومع اعادة الوصل المعرفى بانفتاح مشكاة  تطل على السماء مباشرة , تعافت الذات السودانية ولو موقتا بالامل والثقة فى الغيب والتى داوت جراح قهرها بالهروب من المواجهة والاذعان خوفا من حالات تصدع الذات المهددة بالتلاشى . لذلك لم يتردد التعايشى فى تعليق اخطاءة على شماعة الغيب :( ثم اخبرنى (ص) ان كافة الاجراءات التى حصلت منى كقتل صالح الكباشى , ولد ابو روف ودار فور و مافعلته بالشكرية والبطاحين بالبقعة وغيرها فهو الصواب ) . وهكذا طرح التعايشى نفسه كمصدر تشريعى وتنفيذى مقدس .

واجهت المهدية فى بداية تحولها لدولة اشكالات عديدة , لم تخرج فى مجملها من جدلية المثال/ الواقع .فانتصار المهدية وتطورات الثروة والسلطة كانت اولى الاختبارات الشاقة. فظهرت صراعات على السلطة عند الذين حملوا السيف مع الثورة وازف وقت مغنمهم . وهؤلاء مقاتلين ليس بمقدورهم ان يتحولوا الى ساسة فلكل وقت رجال , لذلك شعروا بالغبن واشعرو التعايشى بالخوف الشئ الذى انتهى بالثورة لان تأكل ابناءها البررة تحسبا ودريئة . وأشهر ضحايا التعايشى الامير الزاكى طمل صاحب الانتصار الكبير للمهدية فى حروبها الخارجية على الحبشة , فاتهم بتدبير الاستقلال من الدولة ومخابرة الطليان لتسليمهم القضارف وما حولها والانحياز لهم . ولان التهمة لاتليق بفارس له تاريخ الزاكى ادعى التعايشى اصابته بالعارض / الجان, وهذا ما اوضحه المقتطف الذى اورده شقير من خطاب التعايشى لمحمود ود احمد :( ان التشكيات من الانصار كثرت حوله وتضرروا كثيرا من عنفه وتغير احواله ) وعندما استدعاه اتضح (ان به عارضا وقيل انه كان معه من سابق الا انه اشتد عليه فى هذا الوقت وباسباب ذلك اجرينا زجره وحبسه بالمشورة فان طاب وشفى من ذلك العارض فبها والا فتصير المعالجة منه الى ان يقدر الله الشفاء او يقضى امرا كان مفعولا ), وكان امر الله المفعول فى نظر التعايشى قتل الزاكى وتشويه صورته كفارس نبيل ومتدين فكتب الى ود احمد يقول (انه هلك فى السجن على صفة فظيعة وحالة شنيعة وانه بمجرد خروج روحه اشتعلت النار فى جسمه واسود وجهه والعياذ بالله ) ,وهكذا ابتدع التعايشى نمطا جديدا فى التخلص من الخصوم باغتيال شخصياتهم والتنكيل بهم .وبالاضافة الى طمل طالت التصفيات كبار موظفى الدولة وخلصائها ومنهم على سبيل المثال قاضى المهدية وشاعرها الحسين الزهراء الذى عرف بالعدالة والطهر ونظافة اليد والاستقامة فى انفاذ الشرع وان تعارض مع منشورات المهدى فكان ان تسبب هذا الامر فى سجنه ومنع الطعام عنه حتى مات .وكذلك القاضى احمد بدين وامين بيت المال ابراهيم ود عدلان والقاضى اسماعيل عبد القادر الكردفانى مؤلف كتاب ( سعادة المستهدى بسيرة الامام المهدى ), الذى نفى الى الرجاف وحبس حتى مات جوعا وقال ابو سليم عن مصيره (تلك ولا شك مصرع بشع لمفكر عظيم ونهاية محزنة لعالم مال الى المهدي طوع ارادته وقدم للمهدية عالما وقاضيا لسنوات طويلة وكتب سيرة المهدى وصنف امجاد الخليفة ).