عبد الله الشيخ فى مصر، وهي أقرب المجتمعات إلينا، حظي قانون الاستصلاح الزراعي، بتأييد واسع لدى النخب العربية فى حقبة الستينيات، بالرغم من أن ذلك القانون، يمثِّل أكبر محاولات النظام السياسي لقسر المصطلح الايديلوجي ، كي يتواءم مع الواقع..

فمصر لم تشهد طوال تاريخها اقطاعاً، يهيئ لصاحب الأرض ” الاقطاعي “،امتلاكها، بما عليها من أفنان اقنان!..بل ان مصر شهدت على العكس من ذلك، خضوعها لسلطان المماليك، الذين يُتَوقع خضوعهم للاضطهاد!.. فالمماليك  فى مصر  تجاسروا على أهل البلد ، حتى صاروا حكاماً، ومن أولئك محسوبنا، ” أبا المِسك”! كافور الاخشيدي الحاضر فى هجاه المتنبئ، والذي نعى”نواطير مصر” ، عندما  نامت عن “ثعالبها” حتى زحفت نحو القصور واستلمت مقاليد الأمور!..قال أبا الطيب : “لا تشتر العبد إلا والعصا معه / إن العبيد لأنجاس مناكيد “.. الى أن يتساءل بحسرة :” أكلما اغتال عبد السوء سيده ، أو خانه ، فله فى مصر تمهيد”!؟.. الشّاهد هنا، أن الناصرية أخطأت ، فى قسر المصطلح النظري ،كي يتطابق مع الواقع، وهو ما يؤدي حتماً، إلى استنتاجات خاطئة. ومن تلك الاستنتاجات الخاطئة، تقرير الدكتور القدال،بأن هناك بروليتاريا سودانية ، “برزت من مواقع الانتاج الحديث، وانه لم تتوفر العوامل الكافية لنمو وتطور برجوازية سودانية”!.. والحقيقة ، من وجهة نظري، أن بروليتاريا السودان ، لم تبرز من مواقع الانتاج الحديث، إذ أن مجتمعنا، لم يحظى بنشأة “قطاع انتاج حديث” بمفهوم الحداثة ، إنّما شهدت بعض حواضر السودان طفرة محدودة، فى مجال التصنيع والميكنة الزراعية،  وهي طفرة لم تتجاوز ميدان الوسط  النيلي ومحيط مشروع الجزيرة.. ومع ذلك،فأن كان المعني بالبروليتاريا هم العُمّال، فإن هذه الفئة قد وجدت ميداناً للتعبير عن انتماءها المهني من خلال النّقابات، لكن ليس بالصورة التى قدمها البلاشفة..إنّ الحديث عن بروز طبقة بروليتارية سودانية، يُعد كلاماً ليس فى محله ولو من الناحية النظرية، لان ظهور البرجوازية تواكبه “حتمية نمو طبقة برجوازية سودانية”، وفق منطق المادية التاريخية ،حيث الطبقتان تولدان فى ظرفهما التاريخي، لتتصارعان ديالكتيكياً!.. البروليتاريا هنا، لا تعدو أن تكون لفظاً ايديولجياً،وكياناً غائباً، تتسمى به بعض عضوية الحزب، لاخفاء كونهم قادة سياسيون، أو هم فى الحقيقة “قياصرة في اثواب العمال”!.

لقد ارسى التصوف في الناس،علاقات تربوية تراحمية لا يكتنفها طابع الاستغلال، وانت تقرأ فى الطّبقات، أن التلميذ الأول للقادرية قد أُطلِق عليه لقب “الهميم”، لأنه حمل فوق رأسه طاجناً “دوكة”، من اربجي إلى سنار إلى رفاعة، تنفيذاً لاشارة  ــ وليس أمراً ـــ من شيخه!.وحين رأى الشيخ منه ذلك التفاني، قال له:”محمد ولدي، هذه هِمّة تصلح بها الإقامة لدين الله.. فوقع مغشياً عليه وسافر إلى وادي الشعير، وقال لهم: إن مات أدفنوه، وان عاش يلحقني، فهذه الغيبة لا يفيق منها إلا في وجه رب العالمين”!.هذا النص يؤكد حقيقة المحبة والولاء المُتبادل بين الشيخ وحيرانه، و ان العطية الروحية، تُعطى لمن يتفانى في الخدمة، وأن الشيخ خلال تلك الخدمة ” يُدرِّج حيرانه في المسالِك”..

قد كان هذا هو الحال الغالب فى المجتمعات الشرقية، التي عرفت الاسلام ، وسرت فيها رياح التصوف الذي انعتقت به من قيود الارتهان الكامل لسيطرة الآخر،، لأن تشريعات الاسلام في تفتيت الثروة، وفي أدنى مستويتها ــ الزكاة ــ هو ترياق ضد الاقطاع،، و لأن القرآن كما يقول أدونيس فى كتابه الثابت والمتحوِّل: “هو نهاية الارتجال والبداهة، ونهاية للبداوة وبدء للمدنية “..