محمّد جلال أحمد هاشم* من المؤكّد أنّ هناك مجتمعات يعتبر الحجاب، أكان كاملاً أم غير كامل، جزءاً من الثّقافة، إلاّ أنّ السّودان ليس منها. فنحن هنا بإزاء حركة تستهدف تغيير هويّة المجتمع بمبرّرات دينيّة.

وهذا في الواقع أحد أقوى الحجج التي يحارب بها الغرب هذه التّيّارات الإسلاميّة المتزمّتة. فهي تعمل ما جهدها لتغيير تلك المجتمعات باعتبار أنّ هذا ما ينبغي للبشريّة جمعاء أن تسير وفقه، وإلاّ فالسّيف. إلاّ أنّ الغرب في محاربته لهذه التّيّارات، لا يخلو بدوره من تيّارات أخرى متطرّفة في عدائها للإسلام والمسلمين، تعمد إلى تصوير أنّ الإسلام كلّه هكذا، لا فرق بين مسلم وآخر. هناك عدد كبير من المسلمين العلمانيّين وقفوا ضدّ منع النّساء والفتيات المسلمات بالغرب من ارتداء الحجاب طالما كان هذا اختيارهم، وقد صدعوا هذا بالعمل، فخرجوا في التّظاهرات التي رفضت هذا. فتحديد الطّريقة التي يرتدي النّاس بها ملابسهم وفق فكرهم ومعتقداتهم، من صلب حقوقهم الإنسانيّة، ولا ينبغي لأيّ إرادة أخرى أن تقوم بتحديد هذا. لكن ليس من المفيد للقضيّة في عمومها أن يُنظر إلى موقف هؤلاء العلمانيّين الاخلاقي من زاوية انتهازيّة، كأن يُستفاد من محاجّاتهم المنطقيّة السّليمة، بينما تتمترس الجماعات المتزمّتة المستفيدة في نفس أفكارهم وتتحوصل داخل صدفات فكرهم الآبد.

وبعد؛ إلى ماذا نخلص من مناقشتنا هذه؟ هل نذهب إلى أنّه لا يوجد زيّ شرعي في الإسلام؟ وهل، في حال وجوده، ندعو إلى الالتزام به أم لا؟ في الحقيقة لسنا بصدد حسم هذه المشكلة فقهيّاً، ذلك أنّه لا يوجد فهم إسلامي بعينه متّفق عليه. فالحجاب مختلفٌ عليه، شأنه في ذلك شأن جميع القضايا العالقة فقهيّاً. ولكن، هل يعني قولنا هذا عدم شرعيّة من ينادون بصيغة بعينها للزّيّ يرون أنّه هو الزّيّ الشّرعي وفق فهمهم للإسلام؟ أبداً! فهذا آخر ما يعنينا كما سبقت إلى ذلك إشاراتنا. فهؤلاء يحقّ لهم العمل بكلّ ما وسعهم من همّة ونشاط لإقناع جميع نساء الأرض بأن يلبسن وفق رؤيتهم. ما يهمّنا في الأمر هو تشريع (أي شرعنة) الخلاف بحسبانه أمراً واقعاً لا نملك أن نُنكره. فماهيّة الزّيّ الشّرعي أمر مختلف فيه، وليس من ضرورة للاتّفاق حوله من أصله طالما في مقدور أيّ إنسان أن يرتدي ملابسه بالطّريقة التي تروق له وفق قيمه. ولا نعني بقولنا هذا أن النّاظر إلى تاريخ الإسلام لن يجد فيه حالات خضعت فيها المرأة لمعايير بعينها في الزّيّ من منطلق إخفاء جسدها. فهذا في مقدور أيّ شخص أعمل حسَّه العامّ السّليم أن ينظر إليه باعتباره حالة خاصّة متعلّقة بمكانة المرأة في ذلك الزّمان. وهذا ما نأخذ به أنفسنا، دون أن نحاول تصويره باعتباره الفهم الأوفق والصّحيح دينيّاً بإطلاق. فالمسألة تخضع عندنا للنّسبيّة، وما نراه يصلح لنا، قد لا يصلح للآخرين.

تكمن النّسبيّة فيما يتعلّق بزيّ المرأة في حساسيّة المرأة نفسها بخصوص فهمها لجسدها في فضاء ثقافي اجتماعي، أي الحالة المتعيّنة لمجتمع بعينه. فمثلاً، في المجتمع السّوداني المسلم، خضعت فيه المرأة خلال الثّلاثين عاماً الماضية لعمليّات منظّمة، بدالّة ضلوع مؤسّسة الدّولة في هذه العمليّات، لحملها على تغيير سلوكيّاتها بخصوص ما تلبس وما إذا كان ذلك موافقاً لشروط متزمّتة رادتها الحركات الإسلاميّة التي تنفعل بالدّين انفعالاً رومانسيّاً وعاطفيّاً، مثل حركة الإخوان المسلمين. وكيفما كان حكمنا على هذه الحركات، فقد نجحت إلى حدّ كبير في إعادة تشكيل مؤسّسة الزّيّ في المجتمع السّوداني الحضري المسلم بعموم. فحتّى ستّينات القرن العشرين، كانت المرأة السّودانيّة على درجة كبيرة من الحرّيّة في ملبسها. فقد كانت لا تختلف عن الثّقافة الغربيّة العامّة التي ورث منها الرّجل ملابسه الإفرنجيّة. فقد ورثت المرأة أيضاً من المستعمر ملابسه التي لا تتقيّد بالمعايير السّارية الآن. وفي الحقِّ، من الخطل الزّعم بأنّ زيّ المرأة في الثّقافة السّابقة لدخول الاستعمار كانت متوافقة مع المعايير الدّينيّة المتشدّدة والسّارية الآن. فقد كانت غالبيّة الفتيات في المدن والقرى (بشمال السّودان المسلم) حتّى العقود الأولى من القرن العشرين يمشين بتنّورة تتكوّن من سيور من الجلد المدبوغ تأتزره في وسطها ويكون فوق الرّكبة، بلا ملابس تحتيّة، بينما يُترك البطن والصّدر عاريين. فإذا جرت، أو جلست، تفرّقت سيور الجلد لتكشف عن جميع أعضائها التّحتيّة. كان هذا هو ملبسُها إلى مرحلة الزّواج، حيث يُسمح لها بعد ذلك بأن تلبس ما يغطّي جسدها. حتّى في هذه المرحلة، لم يكن يُقصد بالثّياب أن تخدم كغطاء شرعي لمفاتن المرأة الجنسيّة بالفهم السّائد الآن. عليه، لا يمكن أن يذهب الظّنّ إلى أنّ طريقة اللبس عند المرأة السّودانيّة الشّماليّة طيلة سنيّ القرن العشرين، التي أخذتها من الثّقافة الغربيّة، كانت تخالف ثقافة المجتمع، من قبيل ما نسمع عن مجتمعات مسلمة أخرى مثل مصر وسوريا إلخ. فقد كان حال المرأة السّودانيّة في شمالها وجنوبها معاً واحداً، مع فارق أنّ المرأة الشّماليّة كانت أسرع من شقيقتها الجنوبيّة في اللحاق بركب مؤسّسة الزّيّ المتبنّاة عن الغرب.

الآن تغيّر كلّ هذا إلى درجة كبيرة، إذ لم يعد مسموحاً بطريقة قانونيّة أن تخرج الفتاة أو المرأة بملابس تكشف جسدها، إذ ربّما ينتهي بها المقام في ساحة إحدى المحاكم، فتُجلد. بالطّبع، هذا موقف مشين وغير حضاري بالمرّة. لكنّا برغم هذا غير معنيّين به في مناقشتنا هذه. فنحن نتكلّم عن الوضع في حال تحرّر السّودان من هذه الأحكام المفروضة عليه. عندها كيف يكون الوضع؟ هنا أيضاً، نرى أن نحتكم بنسبيّة المسألة. من المؤكّد أنّ المرأة لن تقوم بتغيير طريقة لبسها بين عشيّةٍ وضحاها لمجرّد انسحاب مؤسّسة الدّولة من ميدان الملابس وأسواقها لتدخل في دواوين الشّأن العام المتعلّق بمعاش الشّعب وتعليمه ورفاهيّته. كما من المؤكّد أنّ الوضع لن يستمرّ وفق ما هو عليه الآن. في الحقيقة لم يتبدّل الوضع إلاّ في حالات المناسبات الرّسميّة كالعمل أو الدّراسة؛ أمّا في جميع المناسبات الاجتماعيّة، فقد واصلت قطاعات كبيرة من النّساء على ارتداء نفس الملابس بنفس الطّريقة التي يرى فيها الإسلاميّون أنّها مخالفة للشّريعة. ليس هذا فحسب، بل هناك قنوات تلفزيونيّة مملوكة للحكومة وبعض أجهزتها، أو مدعومة منها، ترخّصت في هذه المسائل إلى درجة كبيرة، تعويضاً عن القناة التّلفزيونيّة الرّسميّة التي انفضّ عنها النّاس إذ تبعث الملل كما لو كان هذا هو الهدف من برامجها المملّة. عليه، سوف تدخل مؤسّسة الزّيّ مرحلة جديدة من التّفاعل الحرّ سوف تنأى بها قطعاً عن المعايير التي فُرضت فرضاً عبر مؤسّسة الدّولة. هذا مع ضمان حقّ أيّ جماعة إسلاميّة في أن تواصل دعوتها للنّساء بأن يلتزمنّ بالزّيّ الشّرعي وفق فهمهم. أي أن يُترك هذا الأمر للتّفاعل العامّ وفق ما تقبله الحساسيّة الشّخصيّة عند المرأة، والحساسيّة العامّة غير المسنودة بالقانون، اللهمّ إلاّ أن يصبح فعلاً فاضحاً وهو ما يمنعه القانون في أيّ بلد. هذه الحساسيّة هي التي ينبغي أن تكون المحتكم، وأسّ الاحتكام فيها هي الفتاة والمرأة نفسها، وليس أيّ وصيّ عليها. من المؤكّد أنّ الفتاة أو المرأة سوف تستصحب معها جميع مقوّمات ثقافتها؛ فإذا كانت تخشى سمعة أسرتها، فهذا لها؛ وإذا كانت تخشى ردّة فعل شقيقها أو أبيها، أو أمّها إلخ، فهذا لها. فإذا بلغ المجتمع يوماً درجة من التّرخّص في حساسيّته بحيث يقبل أن يخرج النّاس إلى شواطئ النّيل والبحر الأحمر بثياب العوم، رجالاً ونساءً، فهذا أيضاً له. هذا دون أن يتمّ تجريم أيّ سلوك يقبله الزّوق العام بالقانة. فمن أراد تغييره، عليه أن يخلق شروط الزّوق العام والحسّ العام الموائمين بحيث يعطينا ثقافة هنداميّة تتّفق وشروطه الأخلاقيّة.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة