التغيير: القاهرة أصدر التحالف العربي من أجل السودان تقريره الأسبوعي الذي تضمن تحليلا للعلاقات المصرية- السودانية وذلك بالتزامن مع زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى القاهرة

وشدد التحالف على أن القاهرة ظلت ومازالت تشكو منذ وصول الإسلاميين للسلطة من مهددات الأمن القومي المصري، بدعم السودان وتمويله واستضافته للجماعات الإسلامية المتطرفة من كل العالم وهو جوهر الخلافات بين القاهرة والخرطوم خلال السنوات الماضية.

وأكد التحالف في تقريره أن الزيارة تمثل أهمية قصوى، كونها تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات حالة من الفتور مع تصعيد متواصل للطرفين بإثارة التوترات حول القضايا الخلافية، ويسعى الطرفان لكسر حالة الجمود ورسم ملامح مرحلة جديدة بفتح منافذ للحوار، خاصة وأن تفجر الأزمة يكشف عن خلل بيّن وواضح في عدم وجود استراتيجية واضحة للتعاون بين البلدين.

وتطرح هذه الزيارة في ذات الوقت تساؤلات عديدة، حول مستقبل العلاقات بين البلدين والتحديات التي تواجههما في ظل الظروف والمتغيرات الداخلية في القاهرة والخرطوم، إضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية وتبحث الزيارة التي تضم إلى جانب البشير وفد رفيع المستوى يضم أكثر من عشرة وزراء، لبحث ملف سد النهضة الإثيوبي وانعكاساته على الأمن المائي في مصر، إضافة إلى ملف حلايب والتصعيد المتواصل بأحقية كل طرف بتبعية المنطقة خاصة تصريحات البشير الأخيرة باللجوء للتحكيم الدولي، الأمر الذي ترفضه القاهرة، بجانب التوترات الأمنية على الحدود ودعم السودان وتمويله للجماعات الإسلامية، في دول المنطقة بخاصة  ليبيا التي تمثل عمق الأمن القومي للبلدين.

خلافات تاريخية

وقال التقرير إن العلاقات المصرية السودانية تمر بمنعطفات تاريخية كثيرة؛ فتارة تتحسن إلى الحد الذي تصل فيه مرحلة الوحدة والتكامل، وتارة أخرى يصيبها الفتور وتتراجع لتصل مرحلة الخصومة والقطيعة، لكنها خلال الربع قرن الماضي تعرضت لأزمات عنيفة أثارت القلق بين شعبي وادي النيل، لم تراعي الأنظمة الحاكمة في البلدين حسن الجوار وأواصر القربي وصلات الدم ورابطة الدين ووحدة التراث والتاريخ بين شعبي وادي النيل، بينما ظل كل  طرف يحاول فرض حلول ومعالجات تنطلق من مواقف سياسية، انفعالية ووقتية لقضايا إستراتيجية لا تحتمل التوترات والتصعيد الإعلامي.

ويتجاهل الطرفين المصالح الاقتصادية المشتركة والبرتكولات والإتفاقيات الموقعة بينهما، التي من شأنها رفع حجم التبادل التجاري إضافة إلى الإستفادة من موارد البلدين وتحويلها إلى استثمارات تنموية مشتركة تساهم في رفع النمو الاقتصادي، ومن المؤكد أن كل تلك المصالح ستعزز الجوانب الأمنية وسيحرص كل طرف على تأمين مصالحه بتوفير الأمن، حيث يمثل كل بلد عمق الأمن القومي للآخر.

الإسلاميين والسلطة

غير أن القاهرة ظلت ومازالت تشكو منذ وصول الإسلاميين للسلطة من مهددات الأمن القومي المصري، بدعم السودان وتمويله واستضافته للجماعات الإسلامية المتطرفة من كل العالم وعلى رأسهم أسامة بن لادن، حيث تحول السودان إلى مركز لتصدير العمل الإرهابي لدول المنطقة يهدد أمن وإستقرارها.

وكان لمصر النصيب الأكبر حيث استهدفت هذه العمليات رئيس النظام الأسبق، في محاولة الاغتيال الشهيرة للرئيس حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا 1995م، مما دفع الجانب المصري باتخاذ موقف تصعيدي بقطع العلاقات التي كانت في الأصل تشهد توتراً واضحاً بين البلدين، لكنها عادت مرة أخرى بعد المفاصلة الشهيرة بين البشير وشيخه د.حسن الترابي “عراب النظام وقتها”، حيث أطاح به عام 1999م وحمله البشير مسؤولية الأزمة بين الخرطوم والقاهرة وقتها للترابي، لكن القاهرة تحفظت على تلك الخطوة كونها لم تشهد تغييراً ملموساً في المواقف، خاصة وأن النظام يستند على إيدولوجية إسلامية ويواصل دعمه وتمويله لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ودول المنطقة، رغم تطور العلاقات وصولاً لتوقيع اتفاقية الحريات الأربعة التي دخلت عامها التاسع، والخاصة بحرية العمل والإقامة والتنقل والتملك وتم تنفيذها من الجانب السوداني لكنها لم تنفذ من الجانب المصري، مما يعني أنها جاءت برغبة من الجانب السوداني، رغم افتتاح مؤخرًا معبر “إشكيت ـ قسطل” لكنه لم يسهم في تهدئة حدة التوتر بين البلدين حيث ذكر كحدث عابر في الإعلام، بينما تواصلت التراشقات الإعلامية حول ملف حلايب ومازالت متواصلة.

تمثل قضية المياه بالدرجة الأولى أولوية قصوى للأمن القومي المصري حيث ترفض القاهرة أي محاولات تقود لخفض حصتها المائية، حيث تواجه مصر أزمة من جانبين في قضية المياه وتحتاج لموقف موحد من قبل الجانب السوداني، يؤمن مصالح البلدين من مياه النيل، فالأزمة الأولى تتمثل في رفض دول حوض النيل الموقعة على اتفاقية عتبي في مايو 2010م، والتي كانت مواقف السودان داعمة لمصر.

سد النهضة

إلا أن الخلافات تفجرت بين البلدين في الموقف من سد النهضة، حيث ترى مصر أن السودان لعب دور الوسيط في بداية الأمر لكنه تحول لتأييد السد ويدعو مصر للموافقة على تأييد بناء السد، على خلفية تصريحات البشير في افتتاح مشاريع بولاية القضارف في ديسمبر العام الماضي، مشيراً إلى أن السد سيعود بالنفع على المنطقة، مما زاد من غضب الطرف المصري على قيام السودان بترويجه لفكرة السد حادا عن موقفه كوسيط ووساطته سترجح كفة الطرف الإثيوبي، غير أن مصر غيرت مواقفها عقب اجتماعات السيسي على هامش القمة الإفريقية في غينيا الاستوائية في يونيو الماضي بوصيفه الإثيوبي ديسالين هايلي ماريام، أعقبها بزيارة للخرطوم وقف خلالها لساعات لبحث بعض القضايا من بينها قضية سد النهضة، من بين نتائجها الدعوة للبشير بزيارة القاهرة، ومنذ ذلك الحين استؤنفت الاجتماعات الثلاثية لخبراء دول سد النهضة السودان ومصر وإثيوبيا، بينما خففت مصر من لهجتها الهجومية وضح ذلك من توقف الحملات الإعلامية.

وتنظر مصر للحوار السوداني بمزيد من الحذر والقلق كونه واحدة آليات توحيد الإسلاميين ويعود النظام لسابق عهده، خاصة بعوة بالترابي مرة أخرى للمشهد السياسي وقدرته كرجل يمتلك كاريزما يمكن من خلالها توحيد الإسلاميين، تحاول القاهرة التوصل لتفاهمات من خلال زيارة البشير بتسليمها مجموعة من جماعة الإخوان المسلمين الفارين إلى الخرطوم، كما سبق في عهد مبارك حيث تم تسليم مجموعات ونقلت وسائل إعلام عن تسليم السيسي خلال زيارته الخرطوم بعض الأشخاص، مقابل أن تخطو القاهرة خطوة مماثلة بعد استضافة معارضين لنظام الخرطوم، فقد سبق أن منعت القاهرة المؤتمر العام للجبهة السودانية العريضة في إطار سياسة الاحتواء المتبادل بتسكين المعارضين في البلدين.

الحدود والإخوان

القاهرة لديها مطالب تتعلق بتأمين الحدود وعدم تمويل جماعة الإخوان المسلمين والمتطرفين في ليبيا، كما لديها مخاوف أمنية من تمدد النزاعات المسلحة في السودان من دارفور، جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، على خلفية نقل النظام لقوات الدعم السريع “سيئة السمعة” من مناطق النزاع للخرطوم فقد تصدت تلك القوات لجموع المتظاهرين في أعقاب إعلان زيادة أسعار الوقود والسلع الضرورية والتي راح ضحيتها أكثر من 200 مواطن، والتي إذا ما استمرت كان يمكن للنظام استغلالها لتحويلها إلى فوضى وهو ما يزيد المخاوف من أن تمتد آثار النزاع إلى مصر، المتمثلة في تحول السودان لمركز لتمرير السلاح، إضافة إلى تدفق مزيد من اللاجئين على مصر، في المقابل تحتاج الخرطوم من القاهرة الاعتراف بأحقية السودان لحلايب أو الذهاب للتحكيم الدولي وإنهاء الأزمة، وعدم اتخاذ مواقف سياسية للقضايا الإستراتيجية مع وقف الحملات والتراشقات الإعلامية واللجوء للحوار كبديل حال نشوب أي خلافات مستقبلاً.

وفي ظل تلك التحديات التي تواجه النظام في الخرطوم يبحث البشير إقامة علاقات تؤمن مستقبل حكمه، وأن تدعم مصر موقف الخرطوم أمام دول الخليج بعد الضمانات التي دفع بها بإغلاق المراكز الإيرانية في الخرطوم، فهل تعد زيارة البشير بداية نهاية للتوترات بين البلدين وتتويج العلاقات  لمرحلة جديدة بفتح منافذ الحوار ..؟ حال تم التوافق والاتفاق حول كل تلك القضايا يمكن أن يتحول ملف العلاقات السودانية المصرية من أجهزة أمن البلدين إلى وزارة الخارجية لتصبح العلاقة دبلوماسية بدلاً من أمنية.