بابكر فيصل بابكر في أعقاب إنفصال جنوب السودان عبَّر نائب الرئيس السابق على عثمان محمد طه عن نيَّة الإنقاذ تطبيق الشريعة في المرحلة القادمة و قال : ( سنحكمُ بالشريعة ونقطعُ الطريق على الفتنة ) 

و ( سنمشي بين الناس بإقامة شرع الله وإحياء سنن دينه ) و ( سنقيمُ نظاماً إسلامياً نُحكِّم فيه شرع الله ).

وكذلك عبَّر بيان صدر في ختام دورة الإنعقاد الخامسة لمجلس الشورى القومي “للحركة الإسلامية” الأسبوع الماضي عن ( التزامها الثابت بتحكيم الشريعة الإسلامية في السودان ).

وفي نفس الوقت طالب خطيب مسجد الخرطوم الكبير كمال رزق رئيس الجمهورية الأسبوع الماضي ( بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية للإحتكام بها فى المرحلة المقبلة ),وقال : ( جربنا كل المناهج وعندما جربنا الشريعة ذقنا طعم الحياة ، وأضاف أن السياسة التى تعود على الناس بالوبال لا حاجة لنا بها ).

يُصاب المرء بالدهشة والحيرة عندما يُطالع هذه التصريحات والبيانات التي تصدر عن أهل الحكم وأشياعهم, ومصدر الدهشة و الحيرة هو أننا – الشعب المسكين – كنًّا قد إعتقدنا أنَّ الشريعة التي يقصدونها مُطبقة في بلدنا منذ عام 1991 عندما أجيز القانون الجنائي وقال لنا الحاكمون في ذلك الحين أنَّ القانون أرجع الأمة لجذورها الحضارية, ولحاكمية الله, وأبلغونا أن إستقلال السودان الحقيقي قد تحقق في ذلك العام.

كذلك إعتقدنا أنَّ الشريعة كانت مُطَّبقة منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كان النظام وأشياعه يعزون أسباب فشل السياسات الحكومية للعقوبات الإقتصادية والحصار السياسي الذي فرضه الغرب “الصهيوني/ الصليبي” على السودان لأنَّه طبَّق الشريعة وأصبح دولة رسالية !

لقد ظنَّنا كذلك أنَّ الشريعة كانت مُطبقة عندما أصرَّ المفاوض الحكومي أثناء مفاوضات نيفاشا على خلق نظامين قانونيين مختلفين في الجنوب والشمال, ورفض أن تحكم العاصمة بقانون “مدني” موَّحد, وذلك لأنَّه لن يُساوم على الشريعة التي جاءت بعد مجاهدات وتضحيات كبيرة.

وقد صدَّقنا كذلك أنَّ الشريعة كانت مُطبقة طوال أكثر من عقدين من زمان حكم الإنقاذ بعد أن إختفت المواكب والمسيرات المليونية التي كانت تسيِّرها “الحركة الإسلامية” مطالبة بتطبيق “شريعة سريعة”, وبعد أن أصبحت بلادنا قبلة لكل أخوة العقيدة في بلاد العالم بإعتبارها البلد الذي شهد عودة الشريعة وحكم الإسلام.

ولكننا فوجئنا بعد إنفصال الجنوب أنَّ الشريعة التي كانت مُطبقة علينا طوال تلك الفترة لم تكن الشريعة المقصودة ولكنها كانت “شريعة مدغمسة” وأنَّ الشريعة “الجد جد” ستطبق علينا في المرحلة القادمة !

لقد قلت في مقال سابق أنَّ الذين يطالبون بتطبيق الشريعة لا يعرفون ماهيَّة مطلبهم, ولا يستطيعون تحديد المقصود منهُ, وشبَّهتُ مطلبهم هذا بالإختراع المسَّمى “الفنكوش” في فيلم “واحدة بواحدة” لعملاق الكوميديا العربية عادل إمام.

حيث إبتكر بطل الفيلم سلعة لا وجود لها في أرض الواقع, ومن ثمَّ شرع في الترويج لها عبر حملة دعاية قويَّة ومُكثفة, ولدهشتهِ وجدت سلعتهِ الوهمية قبولاً وإحتفاءً كبيراً من قبل الجمهور الذي إستمات في الحصول عليها دون أن يعرف ماهيتها, أو الغرض الذي صُنعت من أجله.

أصبح الناسُ يتكلمون ليلاً ونهاراً عن “الفنكوش”, يحلمُون بهِ في منامهم, وفي صحوهم يبحثون عنهُ ويجتهدون في العثورعليه, وقد تخيِّل كلَّ فردٍ منهم أنَّه سيجدُ فيه الحلَّ السِّحري السريع لجميع مشاكله.

بعد أن باع بطل الفيلم سلعتهِ الوهميةِ وعقد العديد من الصفقات الرابحة مع رجال الأعمال وجد نفسهُ مُتورطاً بخدعتهِ التي لم يحسب المدى الذي يُمكن أن تصل إليه أو الأثر الذي يُمكن أن تتركهُ, إذ تحتَّم عليه إيجاد سلعة لا يعرفُ هو نفسهُ ماهيتها ولا كيفية التوُّصل إليها أو نوع الفائدة التي يمكن أن تعود منها.

الشريعة التي يُطالب بها (الجماعة ديل) في قول الطيب صالح, غير معلومة الهوية والملامح وهى تتشكل بحسب الظروف والأحوال السياسية, فقد باعوا لنا سلعة مجهولة لمدة ربع قرن من الزمان, وعادوا اليوم ليقولوا لنا أنَّهم يسعون لتطبيق الشريعة , فتأمل !

أحدث التجليات في أطروحات حكامنا المتبدلة بحسب الظروف هو “الفنكوش” الجديد الذي نادى به نائب الرئيس حسبو محمد عبد الرحمن الأسبوع الماضي وأطلق عليه مسمى “الإسلام السوداني” ووصفهُ بأنهُ تجربة سودانية خالصة لا مثيل لها في محيطيها العربي والإسلامي.

في ثنايا دعوته للمُنتج الجديد أوصى حسبو – لا فض فوه – أهل حزبه بعدم ( الإنشغال بواجبات الدولة في تسهيل معاش المواطن وتقديم الخدمات على أهميتها عن القضية والمبادئ الأساسية للحزب المتمثلة في العمل على نشر الإسلام وتمكين قيمه ومعانيه في المجتمع ). إنتهى

من الواضح أنَّ مُنتج الأستاذ حسبو “مضروب” شأنهُ شأن كل ما جادت به قريحة “الجماعة ديل”, ذلك أنهُ ما زال يدور في فلك “الشعارات” الخالية من المضامين, فالدين لا ينتشر والناس جوعى ومرضى ويعيشون في عوزٍ و ضنك, وقيم الدين ومعانيه كلها يجب أن تصب في خدمة الإنسان لأنَّ الدين – كما ذكرنا مراراً – نزل في الأصل لخدمة الانسان, و لهدايته و تحقيق وحفظ مصالحه المعتبرة على هذه الأرض وليس العكس.

على الأستاذ حسبو أن يعلم أنَّ القيام ب”واجبات الدولة” هو المسئولية الأولى التي تقع على عاتق أي حزب حاكم, وهى الأولوية التي يجب أن تنصب فيها جهود أعضائه, ولا خوف على الإسلام في هذا البلد, ولكن الخوف كل الخوف من خلط الشعارات الدينية البراقة بأمور الحكم بالطريقة التي فعلتها حكومة الإنقاذ مما أدى للتراجع الكبير في أخلاق المجتمع وقيمه برغم الحديث المُكرر والممجوج عن تمكين الدين.

أمَّا حديث خطيب مسجد الخرطوم الكبير فهو مُجرَّد “هُراء” (الهُرَاء هو الكلامُ الكثيرُ الفاسد الذي لا نظام له  ويقالُ رجلٌ هُرَاء : إِذا كان كثيرَ الكلام هَذَّاءً ) فالرجلُ يطالبُ رئيس الجمهورية بتطبيق الشريعة وفي ذات الوقت يقول أننا “جرَّبنا الشريعة ومعها ذقنا طعم الحياة” فكيف تستقيمُ المُطالبة بتطبيق أمرٍ مُطبَّق سلفاً ؟

أجمل تعبير سمعتهُ في وصف موقف الحكومة وأتبعاها من موضوع الشريعة هو قول أحد الاصدقاء : الجماعة ديل راح ليهم الدرب في الموية

boulkea@gmail.com