د-عبدالسلام نورالدين -12 – تلك ايام المرحلة الوسطى  قبيل وبعيد الاستقلال في النهود  حيث  فتحت لنا مكتبة البلدية فيها  ودار السينما التي شادها أحمد العوض "كركاب"  في الركن الشمالي الغربي للسوق التي تقع خلف طاحونة حسين شلبي- 

نوافذ بكل الالوان الزاهية نطل منها على عالم سحري بديع يتجاوز بما لا يقاس  ما درجنا عليه من خيال وتصورات وتوقعات  فتعرفنا  من مكتبة البلدية على  طلاسم ايليا ابو ماضي  واغاني الحياة للشابي  واشراقة  للتيجاني وشاهدنا في سينما -كركاب -العجب العجاب اذ  فجرت  الممثلة بلهجها المصري  ماجدة  “صباحي ” وهي تمشي  الخيذلى بانوثتها وبحة صوتها  مشاعر مضطربة  في افئدة صبية على اعتاب المراهقة قادمين من اقاصي القرى ومن عمق مسارات الظعينة     وبثت في اذاننا وملات عيوننا  فاتن حمامة بوداعتها  وقصة حبها  وقبلتها الولهى لعمر الشريف في “صراع في الميناء ” التي اغضبت شكري سرحان  توقا غامضا لغرام  رومانسي  مشبوب  بعيدا عن الظمأ في صيف النهود  اللاهب  وبعيدا عن مكابدة  شعب حمر الذين يمدون المدينة  بكل اسباب الحياة(-الزيت واللحم والفول والكركدي والنبق والمليل  وابوليلي واللوبيا وحب البطيخ والسمسم والصمغ والذرة والضان والمعزى والناقة والجمل والبائع والمشتري)   ولا ينالون منها سوى الشهيق والزفير وبقايا الكسور.

“ولان الماء هنا في الصيف يباع

كالشاي الماء يباع

الطفلة ماتت في ظل هشاب الغابة

جئنا يامدن الغرب الجاثمة على اقدام الوديان

جئنا يا اشداق حوانيت الجلابة

لنبيع الصمغ وحب البطيخ

لشراء السكر والشاي

نكرم من جاء يعزينا

جئنا للشيخ العارف اسرار الاي

( والباقي الله الواحد)

اسكنها الله فسيح الجنات

في القرية جف الماء

وتبلديات الوادي الخضراء

غاضت بين يديها الغدران

ما اضيع في وطني الانسان

يا داء الطمأ القاتل,عبر هشاب السافنا

يا داء الطاعون

ليس بعيدا يخطو الجد النيل

يا قطرات الماء قتلوا طفلتنا

قتلوا الانسانا”*

**

-13 –

قد تحفزت ثلتنا ( عبدالله حسين وعبدالوهاب  الحسن وادم حسن ) يوما   بعد مشاهدة فلم  درامي  مثير  لفتى “الشاشة” الاول  محمود المليجي أن نفتك به  لخياناته المتكررة  التي لا يتخلى عنها  ورغبنا أن  ننفرد بفريد شوقي  بعد أن نقتلعه  من  جوف البلور الملون “السينما اسكوب”  التي  يجول ويصول في شاشتهار لنوسعه ضربا ولكما في “الخور” الذي يقع  خلف دار العرض  لرعونته ومغامراته النسائية التي لا تعلم   زوجته المخلصة هدى ساطان عنها شيئا. وأنى  لنا أن  نصدق أن مارلين مونرو  في “الرجال يفضلون الشقراوات “امراة كالنساء اللاتي  من حولنا  في سوق “الدلم” اومن فريق الشاقية أو الطويشة أو ابوجلوف أو من جنس  الحمريات الغاديات الرائحات بصفائح الماء على رؤوسهن- نحيلات واجفات ضامرات الابدان  يتحزمن بالقرباب ويتوشحن اثواب الزراق ولا ينثال الدلال والغنج من اصواتهن ومشيتهن كتلك الصاعقة التي تشعل الحرائق انى ماست وجالت  وصالت بصدرها ومن خلفها  اثقالها التي تقاوم بضراوة مشيتها.

 وكم ذا قد تحدثنا  بالصوت غير الخفيض ذهابا وايابا  تحت ظلال  اللبخ على جانبي مجرى موقف العربات  الذي يفصل النهود الى نصفين – شمال نادي السلام  وجنوبه -العربات القادمة  من الابيض  في طريقها الى الفاشروبالعكس تحدثنا عن “جاري كوبر”  الذي لا تخيب لكماته التي يسددها باتقان لا نظير له  ولا يتفوق عليه في ذلك الا “الان لاد” في فيلم -الغريب شين  فنتماهى  مع الاخير مرددين مع ذلك  الطفل واصابعنا على الزناد ( الذي لا وجود له بالطبع) متأهبين لاطلاق الرصاص في كل الاتجاهات Come back Shane  كما نتحدث  حينما نفارق المدينة ودار عرضها ومكتبة البلدية فيها  عن همباتة دار الريح -“ابو سريجا برة” ويونس مع حماد  من الزرنخ و”ساد الفجة” والحردلو من المنانعة في “أم ضبية” – اعجابا  بمهارات الفروسية في سلوكهم الذي لا يجمل بهم اطلاق سيقان هجنهم للريج أمام الفزع  اذا جاء  يطلبهم احياءا او موتى.

“ياتلال الناس حول المدن الكبرى

وخيمات الشجون

اين ذاك العيش في ظل القرى

تحت الغصون

والتبلدي ذلك العملاق ممتد الظلال

هاهو اليوم حزينا حوله تعثو الرمال

**

,انا اقبع في الركن

لتنظيف الاواني ….. والمكان

اقبع اللحظة بينا ….ملء روحي كردفان

ذاك كوخي,

في فؤادي

كان ممتد الايادي

كان حقلا وطيورا

وغصونا وبوادي

كان رقصا وغناء

في ليال القمر

وعناقا وحنانا في نسيم السحر

كان شغلا عرقا منحدرا

كان شباب

يجمع الصمغ ويشدو

بين غابات الهشاب

أه ما افظع هذا الاغتراب

**

أين فتيانك يا قريتنا

أتراهم غرقوا خلف السراب

أم تراهم يزرفون الدمع مثلي.

خلف جدران من الصمت العذاب

اين اطفالك يا قريتنا؟

بعد أن ظللهم برد السحاب

وعلى الغدران يلهو جمعهم

بيتنون الرمل دورا وقباب

طائر السمبر يا “لالوبتي”

اتراه حمل العش وغاب

لبلاد تهطل الامطار فيها

ويزول الحزن

يذوي الاكتئاب

**

عاد لي رجع الصدى

صاخبا ملء المدى

ناعبا مثل الردى:

“أنت لا تملك تلك الاجنحة”

” وستبقى بين جدران المدائن”

” هائما حتى تناديك قبور الاضرحة”

“أو يعم الغيث منهلا فتزدان الاماكن”

” عندها تغتبط الروح وتختال الاماني المرحة”

” ويعود الفعل والقرية تعدو للزمان”

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk