خالد فضل من يستمع الى حجج الحكام السودانيين من جماعة الاخوان المسلمين وهم يتحدثون عن الانتخابات كاستحقاق دستوري واجب التنفيذ , يقتنع بالفعل بهذا الحديث مجردا . إذ ليس هناك مجال لمغالطة في ذلك , 

ولم أسمع أو أقرأ حتى الآن أنّ فريقا من أطراف المعادلة السياسية في البلاد ينكر  الانتخابات كوسيلة ديمقراطية لتولي السلطة , بل نجد أنّ نضالات السودانيين الشاقة وتضحياتهم التي يدفعون فيها منذ ست وعشرين سنة تتمحور حول نوع الحكم الذي يجب أن يسود بلادهم , ومعظم المعارضين ينادون بالديمقراطية التي ترعى التعددية وكفالة حقوق الانسان كاملة ووفق ما اقرتها البشرية عبر المواثيق والعهود الدولية التي تشكل منظومة متكاملة تمثل الأرضية الصالحة للديمقراطية وتوفر الممارسة الحقيقية لها , ومن ثم تكون الانتخابات هي وسيلة القوى السياسية الطامحة لتولي الحكم . ما المشكلة إذن؟

 , المشكلة هي أن الفئة القليلة الحاكمة عن طريق (وضع اليد) وليس عن استحقاق انتخابي حقيقي تعرف أكثر من غيرها من الناس أنّها لا تحكم كنتيحة لاستحقاق دستوري يقع عليها واجب الوفاء به , ولكنها تحكم بالقوة والقوة المجردة أي العضل , فهناك القوة الأخلاقية مثلا والفئة الحاكمة جرداء ومنزوعة تماما عن هذه القوة , هناك القوة الفكرية والسياسية , وتدرك الجماعة المسيطرة خواء إناءها منها وتهافت ما تنطوي عليه من فكر وضحالة ما تقدمه وما قدمته من ممارسة , لم تبق الا قوة الرصاص والبنادق والمدرعات والدبابات والطائرات الحربية والقنابل والسيخ والهراوات والغازات السامة , وهذه تحوزها هذه الجماعة بامتياز , ففي هذا المضمار لا توجد مقارنة أساسا بين حجم وقوة الآلة الحربية والعسكرية التي تحوزها الجماعة المستبدة , وبقية الشعب السوداني . وهذه واحدة من العوامل التي تجعل من الحديث عن الانتخابات ملهاة تتحول الى مأساة .

    ما العمل والحال هكذا ؟ هناك عدة فرضيات ,منها أن تتمكن الآلة الحربية والعسكرية الضخمة التي تجمعها المصالح الذاتية (المعايش ) من اسئصال كل بؤر المقاومة المسلحة الحالية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق , وتجريدها من السلاح , حسبما قال رئيس الفئة المستبدة عمر البشير , وأثناء ذلك يمارس جهاز الأمن ومليشياته المسلحة وزبانيته من المكريين والانتهازيين والأنانيين يمارس سلطاته المطلقة ضد العزل والمدنيين في المدن والقرى والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والصحفيين وكوادر الأحزاب السياسية قمعا واعتقالا وبذاءة وقتلا ,

وبالتالي تخلو الساحة تماما لهذه الفئة لمضاعفة ثراء من أثرى منهم , ولالحاق من يلتحق بزمر الانتهازيين  وتمكينه بمنصب ومال وسلطة مطلقة وامتيازات مادية يتطاول بها في البنيان والمركبات والتمتع بمزايا الحياة الرغدة من علاج وسياحة ولا بأس من حج وعمرة !!إذ بعد عقدين ونصف العقد من الزمان لم يعد هناك مجال لتصديق أي أكذوبة جديدة عن النهضة والوثبة وما شابهها فقد هزم الاسلاميون أنفسهم وشعاراتهم هزيمة نكراء لا أمل في التعافي منها ,

ثم هب أن ميزان العنف والقمع قد رجح كفتهم ترى إلي أي زمن يمكن أن يستمر ذلك الترجيح ؟ عام؟ عشرة ؟ لا أعتقد أن ذلك ممكن لأن عنف الاسلاميين الذي ظلوا يمارسونه من قبل أن يستولوا على الحكم عنوة ومن بعد على طول سنواتهم الكبيسة لم يفت في عضد المقاومة , صحيح قد يحدث فيها انتكاسات لكنها لم ولن تخمد الى الأبد . هم يعلمون تلك الحقيقة ولكنهم يكابرون ويهوشون وما يقومون بفعله هو في الواقع  دلائل ضعف وشعور

بالهزيمة , لدرجة تجعل من عناصرهم الأمنية وعصابات الرباطة من الزائدين عن امتيازاتهم التي اغتصبوها من اصحاب الحق , تجعلهم يمارسون اقصى وأقسى أنواع العنف والترويع داخل حجرات وفناء داخلية طالبات جامعة الخرطوم فتأمل في انحدار قيمة الشهامة ونخوتها لدى عناصرهم !

  ومن دلائل هزيمتهم المعنوية , اجترارهم لتجربتهم المستمرة منذ عشرين ونيف من السنوات , اجترار في المفردات والتراكيب والممارسة وهاهم يعيدون سيرة الفشل الداوي مرة أخرى بتقديمهم لعمر البشير رئيسا للبلاد لخمس سنوات قادمة حسبما يأملون , وهو أي البشير قد استنفد كل الفرص التي اتيحت له وقدمت له كهدايا ليشغل منصب الرئيس , لكنه مع الأسف أخفق في كل المرات وبدد كل الفرص بصورة يحسده عليها (بكري المدينة ) الذي بدأ مؤخرا يستفيد من بعض ما يتاح له من فرص للتهديف ,

أما رئيسهم فعلى العكس يبدو في كل مرة ومع كل فرصة وكأنه متخصص بارع في التضييع , وهو ليس وحده فمعظم كادره السياسي والحزبي من أفشل الكوادر السودانية , ويتجلى فشلهم في ضعف تأهيلهم الأخلاقي والمهني والعملي , وفي محاولاتهم الفطيرة للعودة الى كل البرامج التي كانت سائدة قبل سيطرتهم على الحكم , من نظام تعليمي ومناهج دراسية وحتى السلم التعليمي , الى نظام التعاونيات , الى محاولتهم اعادة مشروع الجزيرة و و و إنهم يحاولون الآن وبعد ما ألحقوه من خراب بكل مؤسسات البلاد ونظامها أن يعودوا الى السستيم الذي انقضوا عليه عشية توليهم السلطة وانهالوا عليه تمزيقا وهدما , ومن منا لا يذكر أن جامعة الخرطوم مثلا كانت توصف عندهم ب (صنم غردون ) وعلى ذلك قس في بقية مؤسسات الدولة التي خلقوا لها أجسام موازية , فالبنك المركزي بات تابعا (لبنك أم درمان الوطني ) يدبر له المال ليسد فجوات الهبر التي تؤدي به الى الافلاس . والدفاع الشعبي (مؤخرا قوات الجنجويد ) لتحل محل الجيش , والأمن الشعبي عوضا عن الأمن العام , وهكذا , صنعوا الدولة الخاصة التي يمتلكون اسهمها ويتناوبون نهبها وادارتها . ومع كل هذا الفشل يقولون بالديمقراطية ويحاولون التشبه بها ويمجدون في ممارستهم ل (شورى التجار التي ترى البشير خليفتها وبرامج التغيير سوقية ) بتحريف لمقطع مظفر النواب ,

   الفرضية الأخرى , أن تعي كل قوى التغيير أن الماكينة المعطوبة لا يمكن اصلاحها عندما يكون عطبها كاملا إنها تستبدل مباشرة وترمى التالفة في مكان القمامة , وهذه المهمة عسيرة دون شك , ودونها تضحيات جسيمة قد لا يتحملها الناس حاليا أو الأرجح أنهم غير مهيأين لها بصورة جيدة , هناك فئات اجتماعية معتبرة ران على وعيها وشوش عليها برامج غسيل المخ المستمرة منذ الطفولة وعبر المناهج الدراسية الى الجامعة التي من ضمن مقرراتها ما يتحدث عن المذاهب الهدامة وتشمل العلمانية والشيوعية واللبرالية والديمقراطية  فتأمل !! وهناك النبرات العنصرية والعرقية والتمييز الديني والاثني والثقافي والتنموي الذي حول البلاد الى كانتونات متعادية وإن كان في صمت الا أنها لا تطمئن لبعضها البعض على كل حال وهذا بدوره يقلل من فرصة قيام جبهة معارضة فاعلة وقوية وحاسمة تقلل من حجم الخسائر التي ستنجم عند محاولة استبدال النظام وقلعه من جذوره , كما وهناك خلل بائن في عمل جبهات المقاومة هو غياب الوسائط الاعلامية الفاعلة  وأخص الفضائيات والاذاعات فمعظم التشويش يأتي من جهة الاعلام وساحاته التي تبدو خالية من أي مقاومة فعالة وذات مصداقية وتأثير ولا أدري لماذا لم تنشئ الجبهة الثورية مثلا محطة فضائية واذاعة , فالاعلام هو الذي يشكل جبهة مقاومة على مدار الساعة وهو الذي يعبئ الجماهير ويصحح المفاهيم ويقود الرأي العام والاعلام المنطلق من قواعد فكرية وسياسية وأخلاقية سليمة يشكل أقوى وأمضى سلاح للمقاومة , إن المهمة صعبة والواقع أصعب ولكن لابد من التغيير مهما كان

الثمن , المسؤولية اصبحت فرض عين على الجميع فالوطن ضاع ولابد من استرداده والجماعة المستبدة الفاسدة والفاشلة ليس لديها ما تقدمه سوى المزيد من المآسي , وهاهي تتحدث عن الانتخابات كملهاة لتواصل عبرها في برامج المأساة