د.ناهد محمد الحسن رغم اسهام الدولة التركية فى خلق الهيكل المؤسساتى للدولة, الا ان السودان لازال يقوم على القبيلة والتى تستمد قدرتها وحضورها من المكان, 

فاعتمد التعايشى الهجرة الاجبارية لخلخلة ميزان القوى واضعاف القبائل بعيدا عن مسقط رأسها ومنعتها . وهى خطوة ضد النزعة الاستقلالية لبعض القبائل التى تجنح للاستقلال او تبدو كذلك. فجعلت الهجرة ركنا عقديا ثابتا .تعاقب القبائل التى تتأخر فى اقامته , ولما كان التعايشى يحمل زعماء القبائل مسؤلية التلكؤ هذه . فإنهم كانوا ضحايا نقمته وشكه فطالتهم تصفياته ومنهم مادبو على زعيم الرزيقات ( فبراير 1887 ), والذى لم يرد الهجرة الى ام درمان تحقيقا لنزعة الاستقلال التى عرف بها عرب الرزيقات على طول تاريخهم الطويل , فتم اعدامه على يد حمدان ابو عنجة تنفيثا لضغينة قديمة وارسل رأسه للتعايشى فى ام درمان فعلقه فى الجامع من صلاة الصبح الى الظهر . وهو مصير طال الشيخ صالح فضل الله زعيم الكبابيش الذى رفض ان يشد النجومى وثاقه وجلس على فروته كعادة الفرسان المهزومين ليجز جرجير تمساح رأسه انتقاما لابيه وعمه وارسل الرأس للتعايشى ليعلقه فى الجامع .بالاضافة الى مقتل السلطان يوسف بن السلطان ابراهيم امير الفور, والغزالى احمد امير التعايشة البيت المقابل لاسرة التعايشى الذى كان وراء عزوف التعايشة عن الهجرة التى اجبروا عليها فيما بعد اجبارا واحرقت قراهم وهم يرحلون فى مشهد حزين . فى ثقافة هرمية تراتبية يعتبر ازلال الزعماء كازلال القبائل باسرها , غير ان التعايشى لم يكتف بهذا القدر ومارس التصفيات الجماعية لكل من شعر انهم ينزعون الى الاستقلال ومن ذلك مقتل قبيلة رفاعة الهوى ومجزرة البطاحين والشكرية والهبانية وشيخ الحمدة واهله .

تعتبر الجرائم العقائدية مصدر اساسى للتصفيات الجسدية , يدخل فيها انكار مهدية المهدى وخلافة التعايشى واى سلوك مشابه  ومن ذلك قتل العالم ميرغنى تميم ويوسف احمد ودفع الله بقوى والعالم طه .غير ان المهدى والتعايشى تعاملو بحسم عالى مع كل من يحاول خلخلة النظام العقائدى والمعرفى للمهدية , لذلك قاموا بتصفية فخر الدين المعلاوى لادعائه المهدية وكذلك ادم البرقاوى وانصاره لادعائه انه عيسى .ولان التعايشى كان يعى خطورة المداخل الغيبية لم يتهاون مع البرقاوى باعتبار ان عيسى يتسلم من المهدى وبالتالى تزول سلطة الخليفة .لذلك لم يكتفى الخليفة باعدام البرقاوى وانصاره وانما وظف السلطة الغيبية لمصادرة مشروعه الغيبى البديل باصدار منشور يبين عقوبة مدعى نبؤة عيسى فى الدار الاخرة ومن يتبعه ذاكرا انه قد كان يستغفر لهم الله فجاءه هاتف بعد صلاة الصبح ان يبتهل الى الله حتى حلول النافلة ففعل وصلى ركعتين وطلب لهم المغفرة ( فانكشف لى حالهم , انكشافا روحيا فرأيتهم معذبون فى نار جهنم عذابا شديدا ) ووصف اوضاعهم فى جهنم (فكان صاحب الدعوة قد غيب فى جهنم وعليه دوى شديد وعليه صراخ وزفرات وولد بقادى من تحته مما يلى قعر جهنم وعبد الله البرقاوى من فوقه وابو القرشى ووزيره والطائف كذلك وهم على طبقات من العذاب واما هنون وابو ام فضالى وعبد الله جاموس وباقى الجماعة فهؤلاء يغيبون تارة ويظهرون تارة اخرى ) !!!!. ولوقامت مناظرات معافاة وحرة حول مهدية المهدى او عيسوية بعثة ما لتحصنت الذات السودانية فى مواجهة السلطات التى تدعى امتلاك الحقيقة المطلقة . ولتعلمنا السؤال المشروع عن ما وراء هذا النوع من الادعاءات دون ان نتراجع امام سيف الارهاب الفكرى والتكفيرى . ومنذ ابتلع التعايشى السنتنا لم يعد بوسعنا الوقوف والتماسك امام المشاريع السياسية التى ترتدى مسوحا دينيا

 فى عهد الدولة المهدية التى انتهت فيها الذات السودانية الى افق مأزوم، وارتبكت فيه العلاقة مع الغيب فاستسلم الانسان السودانى لحالة من الجمود الثقافى على النموذج القديم جعل البعض يستميت فى الدفاع عن الدولة المهدية ابان الغزو الثنائى .كتب البروفسور محمد عمر بشير فى كتابه الحركة الوطنية فى السودان 1900_ 1969، عن هذه اللحظات قائلا: ولعل اشنع عمل بربرى قامت به الجيوش الغازية بموافقة اولئك المعادين للمهدية فى ام درمان هو تحطيم قبة المهدى، فلقد اخذت بقايا جثته وتم احراقها فى احد مواقد السفن ونثر رمادها فى نهر النيل. وفى اليوم التالى ابحر كتشنر مع قوة كبيرة الى الخرطوم حيث اديت الصلاة امام القصر الخرب الذى شهد مصرع غردون فى20 يناير عام 1985. وانتهت الصلاة بعزف الفرقة الموسيقية اللحن المفضل لدى غردون ورفع العلمين المصرى والبريطانى فوق الخرطوم.

والمتأمل للاقتباس اعلاه يقف على حقيقة مهمة ان تمظهرات القهر الطويل هى التى افرزت السلوك اللاانسانى ازاء قبة المهدى وجسده، اذ فى تمرحل علاقة القهر كما وصفها د. مصطفى حجازى من مرحلة الخضوع الى مرحلة الاضطهاد التى تعقبها مرحلة الثورة ومرحلة الاضطهاد هى اكثر المراحل مرضية اذ يظهر فيها المقهور طاقة القهر السالبة التى ابتلعها على طول حياته فى شكل عدوان مأزوم على الآخر الاضعف، بغرض تحرير الذات فى اقسى لحظات معاناتها. لذلك اتى الانتقام من قبة المهدى بدلالات رمزية نفسية شكلت فيه القبة بمن فيها هدفا سهلا ورمزا مختصرا، حملته الذات المقهورة عذاباتها التاريخية والمها الوجودى. وهذا تصرف لا يختلف كثيرا عن ما فعله الفرنسيون ابان الثورة الفرنسية اذ صاروا يتلذذون بوحشية وهم يضعون على المقاصل كل من بدا لهم شبيها بقاهرهم. اما بالنسبة للمستعمر فقد بدت له الذات السودانية بتلويها ذاك كأشهى ما تكون الضحية المنقسمة على ذاتها الغارقة فى الحيرة المتشككة فى الغد والمرتبكة ازاء الغيب، فابتدر وجوده واعلان سلطته بحرق وتدمير السلطة الغيبية المتمثلة فى الحضور الوجدانى المقدس لدى السودانى الصوفى الذى لايقطع الموت عنده الكرامات وترتفع عنده قداسة الشيوخ بالحضور الاسطورى للموت. وبالتالى حرق الجثة وهدم القبة هو بمثابة مصادرة للسلطة الروحية للمهدى وختم لهذه الميثولوجيا. كما ان عزف المقطوعة الموسيقية الاثيرة لدى غردون له عدة دلالات، اولاها الوفاء لرجل ظل موته يؤرق الرجل الاوروبى بعقدة ذنب من خزل رجلا نبيلا ومسيحيا متدينا ووطنيا صادقا. وهم يفعلون ذلك يقدمون مثلا حضاريا يقصدونه اذ يذكرون السودانيين بمقتل اسماعيل باشا وماجره على الابرياء من ابناء هذا البلد لعقد مقارنة مع تسامح الانجليز رغم حزنهم على غردون وغلظة وظلم الاتراك. بالاضافة الى ان هذا الدخول الدرامى للغزو الثنائى قصد منه ايصال رسالة الى السودانيين مفادها ان الحكومة الجديدة تفرق تماما بين الدولة المهدية التى تحاربها وتظلمهم وبين السودانيين البسطاء الذين اتت الحكومة من اجل انقاذهم ورفاهيتهم الى غير ذلك من الدلالات والمبررات التى درج المستعمرون على صياغتها تحت عنوان ماعرف بعبء الرجل الابيض اذ قدر الاوروبى النبيل هو تطوير white man .burden) ومساعدة الشعوب المتخلفة مثلنا