حسين أحمد حسين مدخل: لقد ذهب النَّاس مذاهبَ شتَّى لِإيجاد تفسير لهبوط الدولار المفاجئ بالسودان. فالبعض يصبغ تفسيرهح للظاهرة ببعض العموميات الإقتصادية التى لا تخلو من التنطُّس، فَيَعْشَى النَّاسُ عن مكمنِ الداء. 

والبعض الآخر من غير ذوى الإختصاص يهرفُ هرفاً، لا أخاله إلاَّ يزيد المواطنَ المغلوبَ على أمرِهِ ضغثاً على إبالة. أمَّا بعضُ الحكومةِ، وما هو بمفازةٍ من العذاب، فلا يَدَّخِرُ جُهداً فى تجييرِ الظاهرة لصالح سلطة الإنقاذ المتهافتة، ليُحْمَدَ بما لا يفعل؛ خاصةً من قِبَل طبيبِ الأسنان العاطل فنياً، بشغلِهِ لمنصبِ وزير الأستثمار.

وفى هذا المقال سنحاول تشخيص حالة الإقتصاد السودانى، ومن ثمَّ نتلمَّس الأسباب الحقيقية وراء إنخفاض الدولار وكيفية التحكم فيها ومعرفة مَنْ المستفيد منها.

مآلات الإقتصاد السودانى خلال ربع قرن من الزمان:

السمة العامة للإقتصاد السودانى هى الإختلالات الهيكلية التى أصابته طيلة ربع قرن من الزمان بسبب سياسات الإنقاذ التى قلَّصتْ دور رأسمالية الدولة وفتحت الباب واسعاً لهيمنة القطاع الخاص؛ لا سيما الطفيلى. وعلى أثرِ ذلك، تراجعتْ مساهمة القطاعات المنتجة (الزراعة والصناعة) فى الناتج المحلى الإجمالى بشكل ملحوظ، وصار القطاع الخدمى هو القطاع الأعلى كعباً من حيث المساهمة فى الناتج المحلى الإجمالى والذى بدوره (أى الناتج المحلى الإجمالى) أصبح فى حالة تدهور هو الآخر حتى من وجهة نظر إحصآءات الحكومة (أُنظر الجدول أدناه).

هذا الواقع حوَّل السودان من بلد منتج زراعياً وصناعياً (سلة غذاء العالم) إلى بلد يستورد ليأكل ويستورد لِيَلبَس من مصنوعات الغير، خاصة مع ضعف الأنفاق الأستثمارى والتنموى بسبب إرتفاع تكاليف الإنتاج وضعف وتضعضع البنيات التحية ووجود سوق موازية غير معنية بالإستثمار المنتج (راجع محمد عبده كبج، موقع الإقتصادى السودانى). وقد زاد إهمال الدولة لقطاعى الزراعة والصناعة مع إكتشاف البترول والمعادن النفيسة، مما أدى إلى إصابة الإقتصاد السودانى بما يُعرف فى الأوساط الإقتصادية “بالداء الهولندى”. بل الوضع أصبح كارثياً بتفاقم الأزمة المالية العالمية منذ عام 2006- 2008م من جهة، وبإنفصال الجنوب ببتروله عام 2011م من جِهة أخرى.

ولعلَّ هذا الواقع يكون أكثر فداحةً حينما ننظر إليه بعيون البنك الدولى وصندوق النقد الدولى. فالبنك والصندوق الدوليان يَرَيان فى الإقتصاد القومى السودانى ما لا ترى الحكومة. فبحسب هاتين المؤسستين يُعانى الإقتصاد السودانى من معدلات عالية من التضخم، وفجوات واسعة فى النقد الأجنبى، واختلالات بيِّنة فى ميزان المدفوعات والميزان التجارى ومعدل نمو إقتصادى جَدُّ سالب منذ عام 2011 إلى الآن (راجع: البنك الدولى/السودان: النشرة الإقتصادية الدولية، العد رقم 2013- 1 مايو 2013م، ص 7).

ولم يشفع للسودان تنوع موارده وغِناها والعائد من الإستثمارات فيها خلال الـ 25 سنة الفائتة، إذْ استأثرتْ فئة الأخوانويين السودانيين/وغير السودانيين بكل عائدات القطاعات التى إستُحْدِثت فى فترة حكمهم (100 مليار دولار)، وحُرِمَ منها كافَّة أبناء الشعب السودانى بلا استثناء (بل وأُهمِلتْ عمداً القطاعات التى تصب فى مصلحتهم كما جاء بعاليه)؛ فى واحدة من أبشع أنواع الفساد التى شهِدَتها الإنسانية عبر تاريخها القديم والجديد.

إذاً، فى ظل هذا الواقع، لايمكن أن يرتبط إنخفاض الدولار المفاجئ بأى تحسُّنٍ فى أداء الإقتصاد السودانى (نمو الناتج المحلى الإجمالى فى المدى الطويل) كما تدعى الحكومة. وذلك لأنَّ تحسُّن أداء الإقتصاد السودانى فى فترة زمنية طويلة نسبياً كربعِ – قرن الإنقاذ”، يتحدَّد بعوامل: كقدرة البلد على الإدخار/مضاعف الإستثمار، ويعتمد على البنية التحتية للإقتصاد القومى، وعلى هيكل الصناعة والقوى المنتجة على وجه التعيين. ولعلَّ الجدول أعلاه يؤكد ما نقول؛ فهو يفضح حقيقة الإنخفاض المضطرد، بل والسلبى فى معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى، وبالتالى يقدح فى صِدقية من يقول بأنَّ إنخفاض الدولار مرتبط بتحسن أداء الإقتصاد السودانى.

وبإمعان النظر فى هذه العوامل، والتى لا تتوفر بهذا التضافر فى الإقتصاد السودانى فى ظل حكم سيئة الذكر الإنقاذ (وماهى ببعيد إذا وُجِدَتْ الإرادة السياسية، إذ المشكل ليس فى الإقتصاد، بل فى السياسة)، يدرك بأنَّ إنخفاض الدولار المفاجئ ذو علاقة بشئٍ آخر غير التحَسُّن فى أداء الإقتصاد السودانى والقوة الشرائية، وإنَّما زُجَّ بالحديث عن إنتعاش الإقتصاد المكذوب بغرض المتاجرة السياسية لتخدير الشعب السودانى المغلوب على أمرِهِ لكى لا يخرج ضدَّهم، ولمغازلة مستثمرين محتملين من بين من أَتَوْا للمؤتمر الرابع لحزب المؤتمر الوطنى.

والجدير بالذكر أنَّ التحسن فى أداء الإقتصاد القومى نتيجة لتضافر هذه العومل فى بلد ما متقدم، يُعدُّ أمراً مهمَّاً يَستطرده السياسيون ويُعوِّلون عليه كثيراً لعمل فعالياتهم السياسية والإجتماعية. ففى بلد كبريطانيا على سبيل المثال، يرتبط إعلان الإنتخابات إرتباطاً وثيقاً بدورة الأعمال/ الدورة الإقتصادية للإقتصاد البريطانى ()، وبالتالى لا تُعلن الإنتخابات إلاَّ حين يكون الإقتصاد منتعِشاً ()؛ وإلاَّ لخَسِرَ الحزب الحاكم أصواتاً كثيرة.

أمَّا فى واقعنا السودانى، فلا يظنَّنَّ ظانٌّ بأنَّ الإنقاذ أعلنت الإنتخابات فى النصف الأوَّل من عام 2015م لأنَّها فعلتْ الفعل الإقتصادى الكفيل بانتعاش وتحسن أداء الإقتصاد السودانى والجنيه السودانى آنئذٍ، كما يتنطع بذلك رئيس الدولة، ووزير المالية، ووزير الإستثمار، ومن لفَّ لفَّهم (راجع د. محمد عبد القادر محمد خير، موقع الراصد للبحوث والعلوم). وعلينا أن نُصَدِّقَ شيئاً واحداً فقط لا ثانٍ له فى حقِّ الإنقاذِ وأهلها: وهو أنَّ هذا النِّظام مَرَدَ على النفاقِ والكَذِب، وهو مكتوبٌ عند اللهِ وعندنا كذَّاباً. والمكتوبُ عند اللهِ وعند شعبِهِ كذَّاباً، لا يُرجى صِدْقُهُ، ولا يُرجى منه.

فكيف يكون صادقاً من يقول: ستشهد البلد إنتعاشاً كبيراً فى الأيام القادمة، ومازال يُنفق على الأجهزة الأمنية أكثر 73.5% من ميزانية السودان، وعلى بقية الشعب 26.5%؟ كيف يكون صادقاً من يقول ذلك، ومازالت ميزانية البلد ميزانية حرب؟ كيف يكون صادقاً من يقول ذلك، وهناك أكثر من عشرِ سرقات جارية تمارسها الإنقاذ على الإقتصاد السودانى إلى يوم الناس هذا (راجع حسين أحمد حسين: سرقات الإنقاذ الجارية بالراكوبة الإلكترونية)؟ كيف يكون صادقاً من قتل 28 ضابطاً فى الأشهر الحرم، بعد أن أعطاهم الأمان؟ كيف يكون صادقاً من اعترف ليلاً بأنَّه أزهق أرواحاً فى دارفور وغيرها من مناطق السودان المختلفة بلا جريرة، ويُصبح ويقتل 210 سودانياً فى سبتمبر 2013م بدمٍ بارد؟ كيف يكون صادقاً من ينفى صِلَتَه بتنظيم الأخوان المسلمين العالمى الإرهابى على لسان (كرتى)، ويؤكد صلته به على لسان الزبير محمد الحسن (قناة الشروق) وآخرين؟

وعليه، دعونا من أكاذيب السلطة التى إن نسِيتْ أن تكذبَ أصابها الدوار، ولنبحث عن دواعى إنخفاض الدولار فى مكانِ آخر غير تحسن الأداء الإقتصادى وزيادة القوى الشرائية للجنيه السودانى.

إرتباط إنخفاض الدولار المفاجئ فى الداخل بالإقتصاد الموازى وليس بالسياسة النقدية للدولة:

فى تقديرى المتواضع أنَّ الإنقاذ حُبلى بإقتصاديْن، أحدهما شرعى هزيل وينمو بمعدل متناقص، والأخر لقيط/إسلاطفيلى/مَبغْبَغْ وينمو بمعدل متزايد ومتواتر، ويعمل على حساب الأول. وطفل الإقتصاد الشرعى الهزيل مرتبط بالدورة الإقتصادية المعروفة لحكومة السودان منذ الإستقلال، والطفل اللَّقيط المَبَغْبَغْ مرتبط بإقتصاد موازٍ خارج الدورة الإقتصادية لحكومة السودان. وقد ذكرنا من قبل فى هذه الصحيفة بأنَّ أموال الزكاة، والبترول والمعادن النفيسة جلُّها خارج الدورة الإقتصادية لحكومة السودان، وبالتالى وزارة المالية والإقتصاد الوطنى الإتحادية، غير قيُّومة عليها.

وفى ظل إقتصاد خدمى – طفيلى مرتبط بشريحة رأس المال المالى؛ الشريحة المهيمنة إقتصادياً، يكون إنخفاض الدولار المفاجئ مرتبطاً بالتحكم فى عرض الكتلة النقدية بواسطة الإقتصاد الموازى هذا، أكثر من إرتباطه بالتَّحَسُّن فى أداء الإقتصاد السودانى، خاصةً لعدم وجود سياسة نقدية جديدة.

والسياسة النقدية المعلنة هى ذات السياسة المعتمدة منذ ثلاث سنوات ضمن البرنامج الثلاثى 2012-2014، والتى أدَّت بحسب تشخيص البنك والصندوق الدوليين المذكور أعلاه، إلى معدلات نمو سالبة فيما يتعلق بالإقتصاد الشرعى. ولمَّا لم يكن هناك من سياسةٍ نقديةٍ جديدةٍ كما جاء بعاليه، إذاً يرتبط إنخفاض الدولار المفاجئ برغبة تُجَّارِهِ وإنحباسِهم بأرض المعارض لأداء فريضة المؤتمر الرابع للمؤتمر الوطنى لحاجةٍ فى نفسِ يعقوبِهم، وسرعان ما يُعاود الصعود المفاجئ أيضاً. ومما يدلِّل على صحة هذه الرؤية هو أنَّ إنخفاض الدولار المفاجئ هذا، ليس له أىَّ أثر إضطرادى (ولو متناقص) على زيادة الناتج المحلى الإجمالى والقوة الشرائية للجنيه السودانى، ولا البطالة حتى الآن، ولن يكون له أى أثر على الإتجاه العام للأسعار فى المدى الطويل، وذلك لطبيعته المؤقتة المُضلِّلَة.

والسؤال المهم: هل للسوق الموازية القدرة على التحكم فى الكتلة النقدية إلى هذا الحد من وراء ظهر الحكومة، وكيف يتأتَّى ذلك؟

وللإجابة على هذا السؤال، علينا أن نشرح كيفية عمل السياسة النقدية. فمن المعلوم لدى المهتمين بالأقتصاد ودراساته، وجود العلاقة الطردية بين عرض النقود والناتج المحلى الإجمالى والعمالة (فى المدى القصير) والمستوى العام للأسعار (فى المدى الطويل). ولذلك أىُّ زيادة فى المعروض من النقود، تصحبها زيادة (متناقصة) فى الناتج المحلى الإجمالى والعمالة (على الأقل فى المدى القصير)، وتصحبها زيادة فى المستوى العام للأسعار كأثر تراكمى فى المدى الطويل. ولكن الزيادة المضطردة فى الناتج المحلى الإجمالى فى المدى الطويل لا ترتبط بعرض النقود، بل ترتبط بالعوامل التى ذكرناها بعاليه (القوى المنتجة والقدرات الإنتاجية).

والشاهد أنَّ تجربة السودان ربما عكست واقعاً غير متسق فيما يتعلق بنظرية عرض النقود فى علاقتها بالتضخم فى المدى القصير، لوجود فجوة بين السياسة النقدية المستهدفة ودرجة الإستجابة لها، ويُقِرُّ بها بنك السودان دون حياء. وهذه الفجوة فى الإستجابة يحددها بنك السودان بـ 7 إلى 12 شهراً، وصندوق النقد الدولى يقول بأنها 18 شهراً (راجع: بدر الدين حسين جبرالله وآخرون، موقع بنك السودان المركزى، 2009).

لذلك، فحقيقة عدم وجود سياسة نقدية جديدة حلَّتْ محل تلك التى لها الأثر السلبى على الإقتصاد السودانى والتى ذكرها البنك الدولى أعلاه، وواقع وجود فجوة فى الإستجابة لأىِّ سياسة نقدية جديدة، يُكذِّب مسألة إرجاع هبوط الدولار المفاجئ للتحسن فى أداء الإقتصاد السودانى، وقوة الجنيه السودانى. وفى حقيقة الأمر هذا الهبوط المفاجئ مرتبط عضوياً بقرارٍ لإقتصادٍ موازٍ للإقتصاد السودانى، له قدرة تحكمية تُضاهى قدرة الدولة فى التحكم فى الكتلة النقدية، وقد تتفوق عليها فى كثير من الأحيان كما سنرى لاحِقاً.

وفى تقديرى المتواضع أنَّ الأهم من تعيين المدى الزمنى لدرجة الإستجابة فى دولة عالم – ثالثية هو تعيين وتفكيك العوامل التى تؤدى إلى إتساع الفجوة الزمنية فى الإستجابة لسياسات الحكومة النقدية (بعبارة أخرى، تعيين الأسباب التى تؤدى إلى التحكم فى الكتلة النقدية خارج سلطة الدولة)، إذا كنا بالفعل معنيين بتخفيف العبء الواقع على الفئات التى يقع عليها تأثير هذه السياسة بشكل أكبر.

وبالبطبع تعيين هذه الأسباب، سيُجيب على التساؤل أعلاه. فالذى يجعل هذه الفجوة بهذا الإتساع، وبالتالى يُفَسِّر ظاهرة الإنخفاض المفاجئ للدولار فى نهاية التحليل هو محصلة العوامل الآتية:

1 – حالة الإفقار المتعمَّد لغالبية الشعب السودانى ليسهل إنقيادها (جوِّع كلبك يتبعك، مع كامل الإعتذار لهذا الشعب العظيم لذكر هذا المثل) بالقدر الذى يجعل الفرد يستهلك كل دخله فى مقابلة جزء يسير من ضروريات حياته، وبالتالى إضعاف القدرة على الإدخار عند غالبية الشعب السودانى وإضعاف القرار والإرادة لديه، ومن ثَمَّ إستئثار فئة محدودة بهذه القدرة على الإدخار والتأثير فى مجريات الحياة الإقتصادية (التحكم فى الكتلة النقدية مثلاً) والسياسية والإجتماعية (إعادة صياغة الفرد السودانى). وقد ثبتَ أنَّ عدد الأشخاص الذين يملكون حسابات مصرفية لا يتجاوز المليون شخص، أىْ 4% من سكان السودان، وأنَّ 96% من السكان لا يملكون حسابات مصرفية (أُنظر: د. النور حمد، صحيف الراكوبة الإلكترونية).

وإذا كان هذا الشعب بهذه القدرة البائسة على الإدخار، وأنَّ نصف/ثلث الكتلة النقدية موجود خارج النظام المصرفى (أُنظر أدناه) لأسباب عدة أهمها الطفيلية، فمن غير المتوقع أن يستصحب زيادة عرض النقود، زيادة إيجابية فى معدل نمو الإقتصاد الوطنى فى المدى البعيد (ذلك الذى يتعيَّن بالقوى المنتجة والسعات الإنتاجية). وحتى فى المدى القصير، فإنَّ الزيادة فى عرض النقود، التى تزيد الناتج المحلى الإجمالى بمعدل متناقص، إنَّما تخضع لقدرة المكتنزين وغيرهم من الطفيليين على التأثير فى حجم الكتلة النقدية، ممَّا يعنى أنَّ الذين يملكون المال داخل/خارج النظام المصرفى، سيلجأوون إلى القطاعات غير المنتجة. واللجوء إلى القطاعات غير المنتجة يجعل الرساميل أكثر أماناً خارج النظام المصرفى (على الأقل فى الداخل)، وذلك لمرونة حركتها، ولتكون بعيدة عن سياسات الحكومة النقدية المستهدفة لخلق توازن فى الإقتصاد، وبعيدة كذلك عن أىِّ إحتمال يُعرضها للمصادرة.

والمحصلة، أن الإفقار يحصر القدرة على الإدخار، وبالتالى التأثير فى حجم الكتلة النقدية فى فئة ضئيلة من النَّاس، يغلب عليها التفكير الإكتنازى والطُّفَيْلى.

2 – فقدان الثقة فى النظام الحاكم ونظامه المصرفى بعد تبديلَىْ عُملة، قُصِدَ منهما التلصُّص على مدخرات النَّاس بغرض التحكم فى حساباتهم وقدراتهم الإقتصادية، قد أدَّى إلى لجوءِ عدد كبير من النَّاس ذوى الحسابات المصرفية، لعمل خزانات منزلية. ولذلك نجد أنَّ نسبة النقود خارج النظام المصرفى إلى التى بداخلِهِ تُقارب الـ 50% إذا أخذنا فى الإعتبار المعنى الضيق للنقود (إم 1) وهى الأقرب للواقع السودانى، وتصل إلى 33% إذا أخذنا المعنى الواسع للنقود (إم 2)؛ فالفقر وحده ليس سبباً كافياً لعدم وجود حسابات مصرفية لغالبية النَّاس فى السودان (أُنظر الجدول أدناه).

وهذه الفئة ليس لها مناص إلاَّ من سبيلين إمَّا أنْ توالى النظام وتذوب فى المحصلة أعلاه، وإمَّا أنْ تُهرِّبَ أموالها خارج الوطن، وتترك الساحة الإقتصادية كليةً للفئات أعلاه، وفى ذلك تكريس للإكتناز والطفيلية. وهذا الواقع بدوره يزيد من قدرة الفئات خارج النظام المصرفى على التأثير فى حجم الكتلة النقدية وإبطال مفعول سياسات الدولة النقدية والمالية والإئتمانية.

3وجود أموال طائلة من عائدات البترول والمعادن النفيسة تحت إمرة أُناس/مؤسسات محسوبين/محسوبة على النظام خارج الدورة الإقتصادية للبلد، ومعظمها خارج النظام المصرفى (وتُقدَّر بتقديرات محافظة بأكثر من 100 مليار دولار)، يزيد من فرصة تأثير الإقتصاد الموازى على التحكم فى الكتلة النقدية ويُجيَّرُها كليةً لصالح شريحة رأس المال المالى؛ الشريحة المهيمنة إقتصادياً.

وعليه، هذا الواقع يجعل السياسة النقدية للدولة غير ذات جدوى، أو على الأقل غير متسقة مع الأهداف المرجوة منها فى أغلب الأحيان (خلق حالة التوازن فى الإقتصاد)، وذلك لأنَّ الإقتصاد الموازى يُضعف مآلات هذه السياسة فى علاقة هذا الإقتصاد الموازى المصلحية – المزدوجة بالدولة؛ الأمر الذى يُفسرُهُ بعض النَّقديين بوجود فجوة.

ولذلك نجد أنَّ الأجدى للدولة لتحقيق أهداف سياسة نقدية ما تستهدف معدل النمو الإقتصادى والمستوى العام للأسعار، هو إما بالقضاء على الإقتصاد الموازى كليةً (وهذا خيار غير عملى لِإنعدام الإرادة السياسية، وضعف القوى المناط بها التغيير) أو بالجودية (فى طولك فى عَرَضَك). وعليه نجد أنَّ جلَّ السياسات النقدية والمالية والإئتمانية التى أعلنتها الدولة عبر تاريخ الإنقاذ، يُحبطها أساطين الإقتصاد الموازى. وبالتالى هذا الدولار الذى إنخفض، إنَّما إنخفض فقط للإلتماس المقدم من قِبَل الدولة لهذا الإقتصاد الموازى بألاَّ يُحرجهم مع ضيوف المؤتمر الرابع للمؤتمر الوطنى، ولأنَّ تجارَ هذا الإقتصاد الموازى، كانوا تنظيمياً فى الحبس طيلة فترة أيام هذا المؤتمر والإعداد له.

ثمة أسباب خارجية!

لعلَّ العالم الغربى كان يُعوَّل على الأخوانوية كبديل للعروش العربية الغير مواكبة لرأسمالية ما بعد الحداثة، وذلك لأنَّها عروشٌ عليلة الليبرالية. وقد أنفق الغرب ما يُقارب الـ 5 مليار دولار لخلق مجتمع مدنى عربى يقود إلى زعزعة هذه العروش خاصةً فى الشمال الأفريقى (ولم يكن للسودان أى نصيب منها للحظر الشاخص منذ عام 1989م) (د. صديق عبد الباقى حسين، سودانايل 2011 م). ولكن رويداً رويدا، بدأ الغرب يكتشف أنَّ الحاضن الرئيس للإرهاب هو الأخوانوية (السودان/قطر/تركيا) والصفوية (إيران/النظام العراقى/النظام السورى/حزب الله). وللأسف لم يدرك العرب هذا الأمر إلاَّ مؤخراً، وعلى أية حال لم يَفُتِ الأوان.

وعلى العموم، لم يصمد الوجه المنافق للإنقاذ طويلاً فى إخفاء دورها فى الحرب التى دارت/تدور فى مصر وليبيا واليمن، إمَّا بتوفير المال والسلاح، أو بتوفير التدريب الرجال، أو الإثنين معاً. وهنا بدأت القيادات العربية المحافِظة تحتاط لهذا الأمر. فبدأ العرب يُقلِّصون من تدفقاتهم الإستثمارية نحو السودان، بل قاموا بحظر تدفق الأموال السودانية للخليج، وذلك لمنع تمويل أخوان السودان للإرهاب فى بلدانهم.

هذا الأجراء حينما يترادف مع الرغبة العالمية للقضاء على الإرهاب، يشكل عائقاً لخروج العملات الصعبة من السودان خاصةً مع فضيحة البنكين: الفرنسى والسويسرى، اللذيْنِ ساهما فى نقل (100) مليار دولار لثلاثة دول محظورة عالمياً من بينها السودان. وهذا الحظر قد يكون ذا فاعلية فقط، إذا لم تجد حكومة الخرطوم منفذاً آمناً لخروجِ هذه الأموال عن طريق قطر أو تركيا أو إيران، وبالتالى يمكن أن يساهم ذلك فى الحد من الطلب على الدولار فيزيد المعروض منه فينخفض سعره.

هناك سببٌ آخر يُمكن أن يساهم فى إنكماش الطلب على الدولار وبالتالى إنخفاض سعره، ألا وهو مزاحمة الصين للولايات المتحدة الأمريكية على المركز الأول لأقوى إقتصاد فى العالم. هذا الواقع قد يزيد من الطلب على اليوان الصينى بدلاً عن الدولار، ولكن يظل هذا الواقع الجديد ذا فاعلية كبيرة فى المدى المتوسط والبعيد فقط.

هذه العوامل الداخلية، بالدرجة الأولى، والخارجية يمكن أن تفسر ظاهرة إنخفاض السعر المفاجئ للدولار فى السودان لصلتها المباشرة بسياسات عرض النقود داخلياً وخارجياً، وليس بالتحسن فى أداء الإقتصاد القومى والقوة الشرائية للجنيه السودانى كما يتنطع بذلك نظام الإنقاذ.

حسين أحمد حسين
باحث إقتصادى بالمملكة المتحدة.
abu-salma-hussein@hotmail.co.uk