مبارك أردول هذه قصة لن أنساها أبدا وهي قصة الألفة (ص، م) الكبير والعاتي المعضل بل العنقالي الذي كان يكبرنا سناً وقد إختاره الأستاذ (100) ألفة لفصلنا سنة أولي 

دون مشاورة أي واحد فينا ( إنقلاباً على شرعية التلاميذ) بل أمرنا جميعا بأن نقف (قيام) في أول زيارة له في الفصل بعد قبولنا، عندما كان يحمل سوط العرد ك(مصدر قوة ) والذي كنت أطول منه قليلاً، بعدما وقفنا له قيام كما أمرنا، إختار أطول ثلاثة من زملائنا وسط حيرتنا وخوفنا معا، منها  أمر الجميع  بالجلوس وواصل في عملية إختياراته فأختار أعتى واحد من هؤلاء الثلاثة، فقال له إسمك منو:

إسمي (ص،م) وهو يرتجف خوفاً من سوط إستاذ (100)! وسط شفقتنا جميعا على مصير زميلنا (ص، م) المسكين.

قال له أستاذ (100) إنت تقف هنا فاهم! وأشار الي الفراغ بين الكنبة الأولانية والسبورة، وأضاف أنت ألفة هذا الفصل من يوم الليلة، وزاد تشيل معاك ورقة وقلم وتكتب إسم أي زول مهرجل بعمل فوضى وشغب، وأضاف مستدركاً هل تعرف تكتب إسمك؟

قال له لا ما بعرف والله يا أستاذ؟

قال له إذن أي زول بعمل هرجلة (شغب) خليهو يقف هنا، وأشار بخط على الأرض بسوطه من الحائط الي الحائط في نفس الفراغ الفاصل بين الكنبة الأولانية والسبورة، كرر كلامه له فاهم كلامي دا !.

ردد زميلنا وهو يرتجف حاضر يا أستاذ.

قال لنا وهو خارجاً من الفصل، ما داير أسمع أي إذعاج من هذا الفصل ووقت أعود سوف أعاقب المهرجلين، وأضاف ما داير أسمع ولا نفس فاهمين.

رددنا له بصوت واحد فااااااهمين.

لم نكن ندري أن عملية الإختيار العشوائية للألفة هذه سوف تترتب عليها نتائج كارثية علي مستقبلنا في هذه المدرسة، بل شفقنا على زميلنا وقلنا يا له من حظ عاثر أن يكون حجمك سبباً لتعاستك.

المهم الأسبوع الأول مر عادي ونحن (مخدوعين) ونحرص أن نكون في قمة التعاون مع هذا الزميل المسكين، الذي (بدى لنا) مهموماً في أن يخدمنا ويوفر لنا سبل السعادة والهدؤء في فصلنا الطرفاني في المدرسة، ولكن في الأسبوع الثاني بدا هذا الألفة في إنتهاج بعض السلوك الغريب، تمثل في عدم مشاركته في نظافة الفصل مع مجموعته التي كان عليها كنس ونظافة الفصل كل يوم ثلاثاء، فعمد أن يعطي زميلنا (أ ، ح ، أ) مكنسته وهو يقوم بالإشراف فقط، مع إن هذا كان ليس من مهامه.

وايضا حدثنا زميل أخر أثناء فسحة الفطور ويسكن مع الألفة في حلة واحدة، بأن الألفة (ص، م) لا يحمل حقيبته المدرسية ذهاباً أو إياباً من المدرسة ككل التلاميذ،  بل كلف بها زميلنا (ع، م ، د) لهذه المهمة، وعلمنا أيضاً أن ألفة الفصل الثاني كان قد جلس مع ألفة فصلنا مطولاً في حديقة المدرسة الشرقية وأخبره بمزايا هذه السلطة التي منحت له مجاناً، وكيف أن هذه السلطة ممتعة وهو في صراع دائم للبقاء فيها نظراً لأمتيازاتها المتعددة.

جاء السبوع الثالث وبدون أي مقدمات أصبح (ص، م) متشدداً ويكشر وجهه أمام أي واحد فينا دون سبب مقنع، ذات يوم أخرج ثلاث أرباع الفصل مهرجلين وجلدوا شديدا بواسطة أستاذ (100) والذي كان لا يسأل الألفة أبداً من الأسباب ولا يعطي بالتالي فرصة للمهرجلين للدفاع عن أنفسهم تجاه تهم الألفة لهم بإحداث الشغب في الفصل والتي كان أغلبها ملفقا.

من جراء هذا التشدد من الألفة (ص، م) أصبح لا يستطيع وحده ضبط الفصل فإختار زميلنا (ع، م ، د)  حامل حقيبته إختاره نائباً أولاً له وبعد يومين أضاف زميلنا (أ ، ح ، أ) حامل مكنسته إختاره نائبا ثانيا له، وبعد مرور أسابيع أصبح نوابه حامل حقيبته وحامل مكنسته ذوي سطوة وجبروت كبيرين قاربت جبروته،  فكبروا على ذلك الدور الوضيع وهو حمل الحقيبة والمكنسة، خاصة عندما أصبح محل سخرية وتندر من زملاء الفصل، فاختاروا هم آخرين على التوالي لتلك المهام.

أصابتني الملاريا وغبت أسبوعاً من المدرسة أتعاطى حقن الكلوركين التي كتبها لي الحكيم العم حاج أميكو (رحمه الله)، وبعد معاودتي للمدرسة وجدت الزملاء الآخيرين الذين كلفوا بحمل الحقيبة والمكنسة بعد تعيين الأوئل نواباً للألفة وجدتهم أصبحوا نوباً كذلك أطلق عليهم النائب الثالث والنائب الرابع على التوالي، فمن كان يحمل الحقيبة فهو ياتي في النيابة أول ممن يحمل المكنسة وهكذا دواليك وإستمر الحال الي أن أصبح لألفة فصلنا (16) نائباً أطلق على آخرهم الستاشر.

الألفة (ص، م) كان فقيرا للغاية لا يملك قبل إختياره ألفة حق الفطور ولا حق الطعمية وحلاوة قصب يشتريها من الحاجات الفارشات أمام بوابة مدرستنا (الرديف الإبتدائية بنين)، ولكن بعد هذا الإختيار للألفة بسبب القوة والبسطة في الجسم (كبر عضلات) و (الهرشة) من إستاذ (100)، أصبح (ص، م ) يفطر يومياً بساندويتش فول معدل وبالجبنة (كمان) ويتسطيع شراء حلاوة قصب، فول مدمس، تسالي ، بافرة بالشطة وهذا كله من جود  بعض زملائنا الذين يخافون من أن يدونهم نوابه في قائمة المهرجلين ويجلدوا من أستاذ (100) عشرة سوط كل مرة.

كانت كل هذه الرشاوي للألفة من قروش وفواكهة من اللارينج والجوافة والقشطة والليمون والبرتقال له كنظام للتقرب منه وإصطناع الصداقات لكسب وده والبقاء في بلاطه أو قل كسب ثقته لكي يصبحوا  نوابا له في القريب، وقصة النائب هذه طبعا يتم تعينه بمزاجه دون مشاورة أي أحد حتى الأستاذ نفسه، يرجع سبب النواب أيضا بالأضافة للخدمات التي يسدونها له من رشاوي والتمسح في بلاطه هو أن الألفة (ص، م) كان لا يستطيع كتابة أسماء المهرجلين حتى بعد مرور أكثر من ثلاثة شهر في المدرسة لبلادته وغباءه وسقوطه يومياً في مادة الإملاء.

بالإضافة للجلد عشرة سوط من أستاذ (100) فهذا الألفة كان لديه أسلوب عقاب خاص به  لكل من لا يروق له ولا يجلب له هدايا، فهو يأمر نوابه بأن يسجل فلان هذا مهرجل (حتى دون معرفة السبب) ويطلب من هذا المهرجل  أن يقف على ركبتيه أمام السبورة ووجهه عليها حتى يأتي الأستاذ، وإذا لطف ربك وأخرج أحد المهرجلين منقة أو قروش أو قشطة، عندها يأمر الألفة بأن يطلق سراح هؤلاء المهرجلين، والويل لكم إذا كنتم مثلنا لا تخفون عداءكم له، فهو سوف يكتبكم لا محال أمام أسماءكم عاصي ويضع شارة (+) أوعاصي جداً ويضع الشارتين (+ +).

ف (ص، م) كان لا يغيب كثيراً من المدرسة لأنها تمثل له مصدر رزق ووسط يمارس فيه هوايته التسلطية المطلقة والتي لا تخضع لأي نوع من المراقبة والتقويم.

أنا كنت شخصياً أنبسط شديد عندما يظهر علينا في  فصلنا حزمة أسوط الأستاذ (ي ، م) قبل أن يصل هو معلناً تسميع بعض سور جزء عم، فالألفة في ذلك اليوم كان يجلد ويبكي ويتمخط ويكسر جبروته مع الأخرين لانه بالطبع مع زمرة الما (حافظين) للسورة المراد تسميعها،  كنا نضحك مع بعض الزملاء أعداء الألفة عندما يبكي ويولول بحضور أستاذ (ي ،م )طبعاً، وعندما يغادر الأستاذ نصمت، ولكنه يظل داسيها لينا متى ما حانت له الفرصة .

فهذا الألفة طبعاً كان ما بعرف يلعب الكورة ففي حصة البدنية (أروش وأشتر كمان) وفريقه مغلوب دوما ولا يحبونه في التيم كل كباتن الفصل الثلاثة. والمضحك أنه في يوم النتائج طبعا متذيل القائمة نطلق عليه با(الطيش) مرأة الشاويش، ولكن نوابه كانوا يقولون له الأول با (المقلوب).

بصراحة، حتى الأن لا أشتاق لهذا الألفة (كزميل ) ولا أحب أن أقابله (شوق زمالة ساي) مهما طال الزمن بيننا، الهم الا صدفة، وأتذكره طوالي كلما أرى عمر البشير مع نوابه.