محمّد جلال أحمد هاشم* هل الخمر من حدود الله؟ يظهر الاضطراب جليّاً في كون الخمر من حدود الله. فهي لم تلحق بها كلمة التّحريم مطلقاً في القرآن، كما لم تُعرف لها عقوبة إلاّ في عهد أبي بكرٍ الصّدّيق وبعده عمر بن الخطّاب.

فأقصى ما لحق بها كلمة «فاجتنبوه» في معنى الإشارة إلى أنّ الخمر والميسر رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتنبوه، ثمّ «هل أنتم منتهون»: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمرُ والميسر والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عمل الشّيطان فاجتنبوه لعلّكم تُفلحون، إنّما يُريد الشّيطانُ أن يوقع بينكمُ العداوةَ والبغضاءَ في الخمر والميسر ويصدُّكم عن ذكر الله وعن الصّلاة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: 90-91]. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ ما ورد بشأن الخمر هو أشدّ تحريماً من لحوق كلمة «الحرام». وهذا قولٌ لا يُعرف له وجه؛ إذ ليس هناك ما هو أحرم من الحرام؛ وليس هناك ما هو أحلّ من الحلال، ثمّ هناك ما بينهما، وليس ما بعدهما. فالذين يقولون هذا القول يجعلون ممّا لم تلحقه الحرمة المباشرة مكانة أوغل تحريماً من الحرام.

كما لم يبلغ القرآن هذه الدّرجة من التّوجيه إلاّ بعد مراحل عديدة اقتضت سنين عددا كان المسلمون، بما فيهم الصّحابة، يشربونها خلالها. ثمّ لم يُعرف للخمر عقوبة محدّدة، فهي تارةً ثمانين جلدةً، وتارةً أخرى أربعين جلدةً، وتارةً ثالثة أقسى من ذلك كيفما اتّفق. فضلاً عن هذا، لم يتحدّد هذا العقاب القائم على الجلد إلاّ خلال خلافة أبي بكر، أي بعد وفاة النّبيّ. كما اختلف الصّحابة، ومن بعدهم الفقهاء، أيّما اختلاف في تعريف ما هي الخمر، فانقسموا بين محلّلٍ ومحرّمٍ؛ الأوّل يقول في أفضل الأحوال بأنّ هناك نوعين للخمر، أحدُهما حلال والآخر حرام، بينما الفريق الثّاني يقول بحرمتها إرسالاً. في هذا الأمر سوف نقوم بالاستشهاد بثلاثة كتب، أحدهما معاصر وهو سيّد سابق في كتابه الشّهير (فقه السّنّة، 1971: الجزء الثّاني، ص.ص. 355-356)، ثمّ الثّاني من العصور الوسطى وهو ابن قتيبة الدينوري في كتابه الأشهر أيضاً (الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها)، أمّا الثّالث فهو من العصور الأولى ويعتبر حجّةً في تحريم الخمر، ألا وهو الموطّأ للإمام مالك (سوف يرد الاستشهاد فيه بحسب ترقيم مداخله غُفلاً من شرائط التّوثيق المعروفة، ذلك لشهرته التي عمّت الآفاق).

حدود الله والحدود الجزائيّة: هل هي شيء واحد؟

نلفت النّظر إلى أنّ موضوع الحدود كلّه يكتنفه اللبس والغموض، بالإضافة إلى الاضطراب في كون الخمر من الحدود. فمثلاً نلاحظ أنّ حدّ الزّنا نزلت فيه آيات تقرّرت فيها عقوبة محدّدة، إلاّ أنّ المعمول به لا يتبع ذلك إلاّ جزئيّاً، استناداً على ما جرت به السّنّة، أي أنّ السّنّة هنا قد نسخت القرآن. دعونا نستشهد بما قاله سيّد سابق في هذا الشّأن (1971: 302-3):

«وقد قرّر الكتاب والسنّة عقوبات محدّدة لجرائم معيّنة تسمّى ‘جرائم الحدود’، وهذه الجرائم هي: ‘الزّنا، والقذف، والسّرقة، والسّكر، والمحاربة، والردّة، والبغي’. فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محدّدة قرّرها الشارع. فعقوبة جريمة الزّنا، الجلد للبِكر [ذكراً وأنثى سواء]، والرّجم للثّيّب [ذكراً وأنثى سواء]. يقول الله سبحانه: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعةً منكم؛ فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموتُ أو يجعل اللهُ لهنّ سبيلا [النّساء: 15]. والرّسول [ص] يقول: ‘خذوا عنّي! قد جعل الله لهنّ سبيلا: البكرُ بالبكر، جلدُ مائة وتغريب عام؛ والثّيّب بالثّيّب، جلدُ مائة والرّجم’».

لا مندوحة من أن نُشير إلى أنّ هذه ليست الآية التي تقضي بالحكم الذي يورده سيّد سابق، بل هي تلك التي تقول: ﴿الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابَهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ [النّور: 2]، التي نسخت الآية التي يستشهد بها سيّد سابق أعلاه. جانباً عن هذا، يكشف واقع الحال بوضوح مخالفة صريحة للآية لا تقبل المغالطة، إذ تقول الآية بعقوبة هي الجلد فما أدنى، بينما يضيف النّبيّ عقوبة أخرى هي الرّجم. ونحن هنا لا نقول هذا قدحاً أو نقداً في النّبيّ، بل نُشير إلى أوجه اللبس، ريثما نجعل لها مخرجاً من عندنا هو ما ندعو له في فقهنا الحداثوي، دون أن نغلّط النّاس في اتّباعهم ما يرون أنّه الحقّ. كما نُشير إلى وجه الاضطراب في تعريف سيّد سابق لما هي حدود الله، إذ  يقول: «والحدّ في الشّرع عقوبة مقرّرة لأجل حقّ الله. فيخرج التّعزير لعدم تقديره، إذ أنّ تقديره مفوّض لرأي الحاكم. ويخرج القصاص لأنّه حقّ الآدمي».

قد يتبادر إلى الذّهن، حسبما قال بذلك العديد من المفسّرين، إلى أنّ جُميلة «حدود الله» التي ترد مراراً في القرآن هي الآية التي تختصّ بموضوع العقوبات الحدّيّة، ولكن الأمر غير ذلك. ترد جّميلة «حدود الله» في القرآن حوالي 14 مرّة (راجع المعجم المفهرس لمحمّد فؤاد عبد الباقي، 1987: 195)، منهنّ 7 مرّات في سورة البقرة، و4 مرّات في آية واحدة فقط هي رقم 229 من سورة البقرة، ثمّ مرّتين في الآية التي تليها، أي رقم 230؛ والسّتّ المجتمعات هذي تتعلّق جميعها بالطّلاق. ثمّ ترد جُميلة «حدود الله» مرّتين في سورة النّساء، الأولى في الآية 13 وتتعلّق بالميراث ومسألة الكلالة الغامضة فقهيّاً، أمّا الثّانية ففي الآية 14 حيث تأتي في سياق التّهديد، تهديد من يعصي الله ورسولَه ويتعدّى حدوده، يدخله الله نار جهنّم خالداً فيها؛ ثمّ ترد مرّتين في سورة التّوبة، أوّلها الآية 97 التي تتحدّث عن أنّ الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً، وأجدر ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله ورسوله؛ ثمّ ثانيها الآية 112 التي تتكلّم عن المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن محافظتهم لحدود الله؛ وترد في سورة المجادلة، الآية 4 وتتحدّث عن الكفّارات، إطعاماً لمسكينٍ أم صياماً أم تحريراً لرقبة؛ ثمّ ترد مرّتين في سورة الطّلاق، الآية 1 التي تخاطب النّبيّ بخصوص طلاق النّساء، مبيّنةً له موضوع العدّة وضرورة حسابها، ثم تشدّد على وجوب إمساكهنّ [النّساء] في بيوتهنّ ما لم يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ، وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم. في كلّ هذه الآيات تعني جُميلة «حدود الله» في مجملها توجيهات عامّة وتحذيرات وإفادات تقريريّة دون التّطرّق لمنهيّات الله ومحرّماته أو أحكامه المفروضة، أي دون أن تعني «حدود الله» هنا أيّ عقوبة مقرّرة تعميماً، أو عقوبة حدّيّة تحديداً.

على هذا يمكن أن يخلص المرء إلى أنّ العقوبات الحدّيّة هي شيء غير «حدود الله»، ذلك ببيّنة شمول الأخيرة إزاء محدوديّة الأولى. فكم نسبة الخطاة الذين يقعون تحت طائلة العقوبات الحدّيّة في المجتمع؟ 10% أم 5% أم 0،5%؟ حتّى إذا أخذنا بالنّسبة الأكبر، وهي بعيدة الاحتمال بدرجة كبيرة، لا يجوز أن تختصّ حدود الله بما نسبته 10% من المجتمع؛ إذ ما الذي يناله باقي المجتمع، أي ما نسبته 90%، من رحمة الله إذا فاتتهم حدوده؟  لهذا نخلص من هذه النّكتة بقولنا إنّ الحدود الجزائيّة غير ما تعنيه حدود الله الواردة في القرآن.

أمّا بخصوص تعريف ما هو الحدّ وما هو التّعزير، فنقول إنّ الحدّ هو ما نزلت بحقّه عقوبة محدّدة من الله في كتابه؛ أمّا التّعزير فهو ما لم تنزل بخصوصه عقوبة محدّدة. فالواضح من تفسير سيّد سابق أنّه احترازي، إذ يعلم أنّ من العقوبات ما هو غير حدّي، مثل شرب الخمر، إلاّ أنّ المسلمين قد وقع في روعهم أنّه عقوبة حدّيّة. ولكن جميع هذا لم يمنع الفقهاء من أن تجتمع كلمتهم في كون شرب الخمر يوجب الحدّ، من قبيل ما قال به مالك في موطّئه: 2467 – قال يحيى : قال مالك: والسّنّة عندنا أنّ كلّ من شرِب شراباً مسكراً فسكر أو لم يسكر، فقد وجب عليه الحدّ.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة