بابكر فيصل بابكر للمرَّةِ الثانية أجدُ نفسي مُضطراً للكتابةِ عن "إبداعات" رئيس  لجنة الشؤون المالية والاقتصادية بالبرلمان, سالم الصافي حجير, حول قضية سعر الصرف, وكنتُ في المرَّة الأولى تناولتُ تصريحاً لهُ عجيب عن إنخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار قال فيه ( مافى شئ بيرفع سعر الدولار إلا التجار ليشتروا به الكريمات وإحتياجات البنات).

هذه المرَّة قال حجير – لا فض فوه – في تصريحات للصحافيين الأسبوع الماضي ( نسألُ الله أن يصل سعر صرف الدولار مقابل العملة الوطنية إلى جنيه وليس ذلك على الله ببعيد ) !

مثل هذا الكلام يُمكن أن يصدُر عن رجُلٍ أو إمرأةٍ من عامةِ الناس, وليس من رئيس لجنة المال و الإقتصاد بالبرلمان, و لستُ أحاول في هذا الصدد التقليل من أهميَّة “الدعاء” – حاشا لله – فالمؤمنُ مطلوبٌ منهُ سؤال ربَّ العباد التيسير في أحواله كلها, ولكنَّ من يشغل موقع السيِّد حجير مُطالبٌ بأن يقولَ كلاماً مُختلفاً عن هذا.

نحنُ نعلمُ – يا سيِّد حجير – أنَّ الله قادرٌ على كلِّ شىء, ولكنهُ يطلب من عباده أن يأتوا “بالأسباب”, وهذه الأخيرة هى مسئولية حكومتكم وحزبكم , فما هى الأسباب ( الخطط والبرامج والسياسات) التي طبقتموها حتى ينخفض سعر الدولار “لجنيه” واحد ؟ وهل الدُعاء وحدهُ يكفي لحدوث مثل هذه الأمنية بعيدة المنال ؟

لقد فشل البرنامج الثلاثي الذي طبقتهُ الحكومة عقب إنفصال الجنوب في تحقيق أهدافه فألحقته بآخر خماسي يمتد حتى 2019, وهذا الأخير لن ينجح في حل المشكلة الإقتصادية ومن ضمنها مشكلة سعر الصرف لأنه مثل سابقه لا يُخاطب جذور وأسباب أكبر أزمتين تواجهان الإقتصاد وهما مشكلتا التدهور الكبير في أداء  القطاعات الإنتاجية إضافة لأزمة الموارد المالية.

لقد فقد السودان بإنفصال الجنوب صادرات بترولية تفوق قيمتها 6 مليار دولار, وفي نفس الوقت حدث تراجع كبير في نمو قطاعي الزراعة والصناعة, ومع تراجع الإنتاج والصادرات إزداد حجم الواردات و تنامى الطلب على النقد الأجنبي وهذه هى المُعضلة الحقيقية التي يتوجب على أمثال السيد حجير التركيز في إيجاد علمي لها بجانب “الدعاء”.

ولكن بدلاً عن مُخاطبة “عقولنا” يُصر السيد رئيس لجنة المال والإقتصاد في البرلمان على “الإستخفاف” بنا عبر إطلاق الكلام “المجاني” الذي لا يصمد أمام لغة الأرقام, فهاهو يُضيف في نفس التصريح قائلاً : (هنالك إنتاج للذهب وغيره وأنا مطمئن بأن الدولار سينخفض ).

الأرقام تقول – يا سيِّد حجير – أنَّ العائد من صادرات الذهب لا يتعدى 1.2 مليار دولار في السنة، وهذه النسبة تعادل حوالي 18% من العائدات التي فقدها الإقتصاد جرَّاء خروج البترول, وهذا الأمر يجب أن يكون مصدر “قلق” بالنسبة لأمثالك من المسئولين , فما الذي يجعلك “مطمئناً” بأنَّ سعر الدولار سينخفض ؟

ثم يأتي السيِّد حجير أخيراً على أحد الأسباب التي أدَّت إلى الإنخفاض الأخير في قيمة الدولار حين قال أنَّ ( رفع الحصار الخارجي عن السودان من شأنه أن يحل كثيراً من المشاكل وسيجعل اقتصادنا يتحرك بصورة جيدة ). إنتهى

يعلم رئيس لجنة المال والإقتصاد أنَّ الحصار الأمريكي المستمر منذ عام 1997 قد بلغ مرحلة حرجة حيث إمتنعت البنوك الأمريكية والأوروبية ومؤخراً البنوك العربية عن التعامل مع نظيراتها السودانية خصوصاً بعد أن قامت السلطات الأمريكية في يوليو الماضي بتغريم بنك ” بي ان بي باريبا” الفرنسي مبلغ 8.9 مليار دولار لمخالفته الحظر الأميركي المفروض على كوبا وايران والسودان.

أدى وقف تعامل البنوك الخارجية مع البنوك التجارية السودانية إلى خفض الطلب الداخلي على الدولار من قبل الشركات والأفراد, وهذا هو أحد الأسباب المُهِّمة التي أدَّت للإنخفاض الطفيف والمؤقت في قيمة الدولار.

يُضاف للسبب أعلاه الحملة الأمنية الواسعة التي شنتها السلطات الأمنية على المتعاملين في السوق الموازي.

ولذلك فإنَّ أية حديث حكومي عن إنخفاض الدولار لمستويات دُنيا ( قدرَّها بعضهم بخمسة جنيهات ) لا يخرج من إطار “الأماني العذبة” غير المسنودة بالحقائق و الأرقام الإقتصادية.

مُشكلة سعر الصرف ليست سوى أحدى تمظهرات الأزمة العميقة التي يُعاني منها الإقتصاد السوداني, وهى أزمة “سياسية” بإمتياز, فالسياسة والإقتصاد وجهان لعملة واحدة, وتتمثل الأبعاد السياسية للأزمة الإقتصادية في الحصار الخارجي و الإنحسار الكبير للمنح والقروض والإستثمارات الأجنبية, وهروب رؤوس الأموال, والصرف الحكومي الكبير على الحساب الجاري وليس الإنتاج و التنمية, والفساد المؤسسي.

حل هذه المُشكلات يتطلب تحسين العلاقات السودانية مع المُجتمع الدولي ووقف الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق, وإعمال مبدأ الشفافية والمحاسبة, وخفض الصرف على جهاز الحُكم المتضخم.

يبدو أنَّ “أمنية” السيد حجر برفع الحصار الخارجي حتى يتحرك الإقتصاد بصورة جيدة ستكون بعيدة المنال, على الأقل في الوقت الراهن, فهاهي إدارة الرئيس أوباما تُمدِّد العقوبات الإقتصادية لعام إضافي, وهاهو الإتحاد الأوروبي في بيانه الأسبوع الماضي يربط تحسين العلاقات الإقتصادية وإعفاء ديون السودان الخارجية  بوقوع الإصلاح الديموقراطي وإحلال السلام الداخلي.

 إنَّ الدُّعاء بلا عمل ليس حلاً وإنما دليل عجز,وقد كان الفاروق رضى الله عنه قال لمن لزم المسجد وترك العمل : إنَّ السماء لا تُمطرُ ذهباً ولا فضة, وقد جاء في الأثر أيضاً أنَّ الإمام على بن أبي طالب مرَّ على رُجلٍ يدعو لناقته المريضة بالشفاء ، فنهرهُ وقال له أمزج دُعاؤك بقليل من الزيت فإنَّ الدعاء وحدهُ لايكفي.

دحين يا حجير أخوي أخْلِتْ دُعاك ( عامية مقصودة ) بنزول سعر الدولار ل “جنيه واحد” بشوية زيت.