عبد الله الشيخ السودانيون صرحاء في أحاديث السياسة على نحوٍ خاص..هذه الصراحة أو تلك العفوية فى تعبيرهم عن رؤاهم، هي مثار استغراب لدي كثيرين.. سمعت تفسيراً طريفاً لذلك، 

من الدكتورة أماني الطويل، خلال حديث لها، بمركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة،، فهي تُعلِّل عفويتنا فى انتقاد النظام السياسي ورموزه، دون رهبة أو اكتراث، للالقاب والمقامات، بأنه سلوك ناتج، عن “عدم رسوخ فكرة الدولة” داخل الوعي الجمعي لدى السودانيين!..
هذا القول، على حِدّته، فيه الكثير من الصواب، فالأنظمة السياسية الشمولية التى تعاقبت على الحكم في بلادنا ، لم تستطع الغاء “ديمقراطيتنا الشعبيةالسائدة !..و يمكنك القول أيضاً، أن ديمقراطيتنا الشعبية تلك، والتى نُفاخِر بها أمام الآخرين، لها نقاط ضعف بائنة منها ،أنّها تأخذ مظهرية “طق الحنّك”، من حيث كونها “مغروسة فى ألسنتنا”،

لكن عروقها ضاربة فى البيئة الطبيعية والاجتماعية التى شكلت عاصماً للسودانيين من الانضواء تحت لواء مؤسسة دولة عميقة،أو الارتهان لقبضة حاكم أونظام، يسيطر على كافة تفاصيل حياتهم..و لا يمكن لأي نظام أن يتمكن من تلك السيطرة، فى مجتمعنا إذا كان نحو 80 بالمائة من اقتصادنا، خارج النظام المصرفي!.. من هذا البراح تميز اهل السودان، بالطّلاقة أو عدم الاكتراث،لدى التعبير عن مواقفهم السياسية.. فهم ــ غالباً ــ لا يترددون، فى الافصاح عن رفضهم ،أو فى توجيه النقد العنيف لما يسمى بالرموز والقيادات..

هذه الميزة قد يراها الآخرون “بداوة، لكن ما من شك، أنها تنم عن حالة صدقٍ، في جوفها كثير من الحقائق..خلال زيارتنا كصحفيين، الى مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة عام 2008م، كنا نتحدث، بهذه النبرة الصريحة، عن تحالف نظام مبارك مع الاخوان، وكان لي رأي بأن تلك العلاقة ستكون تمهيداً لمجي الاخوان الى الحكم.. وكسودانيين مُجرِّبين لطبائع الاخوان، كنّا نقول لمحاضرينا فى المركز، وبينهم الدكتورة أماني الطويل،أنّ “الكارثة ستحل بأرضكم قريباً، حين يستولي الاخوان على السلطة”!.. لم يلقوا لنا بالاً، إذ كانوا يتفرجون على مأساتنا فى جنوب الوادي، ولأنّها كانت أيام هناء بالنسبة لهم، و لرئيسهم “المؤمن”!.. فى ذلك الوقت،كان ذلك “الاحتمال” مستحيلاً وخرافياً فى أذهان تلك النخبة..أكثر من ذلك، فقد كانوا يعتقدون أنّ كشف غطاء اُخوان السودان، سيدفع بمصر نحو معارك لا تعنيها، ولا شأن لهم بها!..كانت الدكتورة أماني الطويل تقول بكل تأكيد : “ده مش حيحصل هنا خالص”!، وكان رفاقها فى المركز “حازمون ، جازمون” في استبعاد مجيئ الاسلاميين الى السلطة فى مصر، حتى أنّ الدكتورة أماني، كاد أن يُوحَى إليها، بالايقونة الرئاسية للربيع العربي، فتقول لنا: “أن مصر ليست كالسودان”!.. وأقبلت تلك النخبة على قمعنا ديمقراطياً بالقول:” لو الانتخابات حتجيبهم ،خلّونا نجرَّبهم، ونشوف بعد كِدا حيحصل أيه“!..
مرِّت الايام،على حد رأي السِّت!..دارت الايام، فكان نصيب المصريين من التجريب، هو الابشع على مدار التاريخ، إذ حاق بهم ما هو أبشع من انقلابنا، لأن مرسي ومرشده وجماعته، يعتقدون في “شرعيتهم الانتخابية” التى حصلوا عليها من نافذة “حُسن الظن، وسوء التقدير”!..من أجل استعادة تلك الشرعية يقتلون ويتظاهرون و لن يتوقف “جهادهم” حتى يدرك سكان الاحياء ، لِم كان الاخوان ينصبون الشّاشات “الدِّعوية” فى شوارعهم، وحتى يُدرك أهل الوجه القِبلي والبحري، أنّ الاخوان هم رأس الرُمح فى مخطط تفتيت دول المنطقة، ومن بينها مصر..نحن معنيّون جداً بأحوال مصر، لأن السيّد مرسي ــ ولا مؤاخذة ــ لو كان متواجداً فى قصر الاتحادية الى يومنا هذا،”الجماعة ديل” كانوا رقّصونا، حاجة إسمها الـ “عَشَرة بَلَدي“!..