عيسى إبراهيم * عن كتاب: (الاسلام والدولة – مقاربة منهجية): ** أهداني الأخ المهندس عبدالمنعم مصطفى نسخة من كتابه الموسوم بـ "الاسلام والدولة  - مقاربة منهجية"، الصادر في أكتوبر 2012 

من “مركز القارئ للدراسات والنشر – سلسلة القرطبي – دراسات منهجية رقم 2 “، والكتاب من القطع الكبير في 68 صفحة بمقدمة ومدخل وديباجة وستة مقالات عالجت قضايا:

1/ “الشورى – الكيفية والآليات”،

2/ “التأسيس لتداول السلطة”،

3/ “الحاكمية لمن؟”،

4/ “القرآن والمنهج”،

5/ “استقراء المنهج لأصول الحكم”،

6/ وأخيراً “المواطنة”.

** أخبرني العزيز عبد المنعم أن ابننا المرحوم عبد الكريم حسن العوض (وهما مقترنان نسبا بشقيقتين)، كان قد رشحني له لاعطائي نسخة من كتابه المشار إليه، فلهما الشكر، لابننا في برزخه العامر بإذن الله، وللمؤلف على ثقته!.

** قال لي عبد المنعم (في اجابة على سؤال لي) أنه لم ينتمِ عقائدياً لأيٍ من التيارات السياسية أو العقائدية التي كانت تتنازع الولاء في جامعة الخرطوم، بل حدث (لمداومته على أداء شعائره الدينية في الجامعة آنذاك) أن طلب منه التيار الاسلامي أن يقبل ترشيحه لاتحاد الطلاب عن كلية الهندسة فوافق، ومن جهة أخرى طلب منه الحزب الشيوعي (لأنه في نقاشه في أركان الجامعة كان حر التفكير وغير مقيدٍ بمذهبٍ معين) أن يوافق على الترشح ممثلاً لليسار في الجامعة فوافق، وكانت النتيجة حينما رأى الفرقاء المتشاكسون في الجامعة أنه مرشح عند الفسطاطين، سحب كلاهما ترشيحه له!!.

 

نقاط في التقديم:

 

قدم للكتاب الأستاذ “حيدر التوم خليفة”، رئيس تحرير سلسلة الاصدارات، وأهمية التقديم تأتي من أنه يوضح خط سير المركز في دراساته المنشورة، ويعبر عن هدفه من النشر، والمعالجات التي يرتئيها للقضايا التي يتناولها، ويتركز كل ذلك في أهدافه المطلوبة ووسائله للوصول إلى تحقيق هذه الأهداف.

يطالعك من الوهلة الأولى (في التقديم) نفسٌ ثائرٌ، مرتبُ الحيثيات، مطَّلِعٌ على الخفايا في القضايا المختلفة موضع الدراسة، وقد تُسر لذلك، وتتهيأ لوجبة فكرية شهية، تكون زاداً لك وأنت تسير في دروب قضايا مجتمعنا الشرق أوسطي عموماً، والعروبي خصوصا،ً والاسلامي بوجه أكثر خصوصية!.

من ذلك مثلاً قول صاحب المقدمة:

•    الاسلام ليس مجموعة شعائر تعبدية فحسب انما هو منظومة قيمية ذات بعد روحي تأملي تعمل على خلق الشخصية السوية السمحة المنضبطة سلوكياً،

•    المنكر في معناه الأشمل هو كل ما ضاد الفطرة السليمة من قول أو فعل،

•    الاسلام دين الوسطية،

•    اعتقال السياسة ضمن اطار الفقه أدى إلى تأخر تطورها إلى علم وفكر سياسي منفصل،

•    كان الفقه السياسي يحاسب بموازين الحلال والحرام بدون أي مساحة اجتهادية جمعية، في مفارقة لمحتوى الشورى نفسها، لأن الشورى هي آراء اجتهادية جمعية، وهو الأمر الذي أسقط مستجدات الواقع وضرورات تعدد الخيارات،

•    تظهر هذه الاسقاطات جلية في التعسف الواضح في تفسير آيات الحكم والحاكمية “ومن لم يحكم بما أنزل الله”، بابتسارها من سياقها العام من غير تحديد دقيق لطبيعة الحكم أهو في القطعيات من النصوص أم في الظنيات التي تتطلب التكيف مع ما يحقق منافع الناس؟!،

•    هناك آراء فقهية تعتمد على أحاديث ظنية تنسف أهم عطية ربانية وأعظم قيمة انسانية ألا وهي الحرية!،

•    هذه الآراء الفقهية كرست الخنوع وأنتجت حكاماً متألهين يمارسون الظلم استناداً على الحق الالهي المدعى لديهم،

•    الفقهاء الذين لا يجوزون الخروج على الحاكم الظالم، بدعوى حفظ وحدة المسلمين، انما هي كلمة حق أريد بها باطل،

•    الاجماع الشعبي على الحاكم اختياراً وليس قهراً، هو الضمان الحقيقي لاقامة العدل،

•    الشورى حق أصيل في الاختيار وفي ابداء الرأي، وهي اصطلاحاً تعني التداول الحر في الشأن الخاص والعام، ومنتجاتها ملزمة للحاكم والرعية،

•    الشورى في حق النبي (صلى الله عليه وسلم) “معلمة” وليست “ملزمة” لأنها مقيدة بـ “فاذا عزمت فتوكل على الله”،

•    الشورى بحكمها الالزامي (بالفهم المقدم من صاحب تقديم الكتاب) تتقاطع مع مفهوم الديمقراطية، فالاسلام ذو نزعة ديمقراطية في تجاربه الانسانية،

•    السياسة الشرعية هي من الأمور الاجتهادية غير المقطوع فيها، والتي تساير مصالح العباد،

•    المنادون بنقل تجربة السلف الصالح في صدر الدولة الاسلامية وتطبيقها حرفياً دون مراعاة للتبدل والتغير في مستجدات الواقع هو ظلم للدين وللسلف الصالح،

•    عالمية الاسلام لا تعني وحدته السياسية، بقدر ما تعني عالمية الاسلام روحاً وفكراً وليس سلطة، ومطلوب من المسلم أن يكون قدوة فكراً وسلوكاً، وسوق العالم لمعرفة الله لا سوقه إلى تطبيق شرع الله،

•    قوة الاسلام في سلطته الروحية لا سلطته الزمنية، وفي قوة أفراده السائرين بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، لا الجهاد الأصغر!،

•    الاسلام لم يفرض على المسلمين شكلاً نمطياً من أشكال الدولة، وانما ترك ذلك وفقاً لمصالح الناس،

•    على علماء السياسة ألا تكون مرجعيتهم في الفقه السياسي صحيفة المدينة وحدها، بل مجمل التجربة الانسانية،

•    ينبغي أن نحاكم، حين نلجأ لمحاكمة التاريخ وشخوصه، أن نحاكمهم بواقعهم ومعطياتهم، لا بواقعنا ومعطياتنا!،

 

كاتب التقديم بين الثورة والتمرد

 

ما استحسناه من كاتب التقديم في ما تقدم من سطور، حين عرضه على واقع التجربة الاسلامية التاريخية، أو الماثلة الآن، نجده يصادم (في بعضه) ما كان عليه السلف، وفي بعضه الآخر لا يملك من الزاد الفكري ما يقوى على حل قضايا الواقع، فالكاتب ليس ثائراً وانما هو متمرد، لا أكثر، فالثائر هو الذي يملك المقدرة على نقد الواقع الماثل، ويملك المنهج الذي يفرز صالح الواقع من طالحه، ويستطيع أن يقدم من الحلول ما يتماشى مع المعاصرة ولا يصادم التراث، ونرجو ألا نكون قد ظلمنا الكاتب حين وصفناه بالتمرد، وهو مقدرٌ عندنا، لأنه كشف عن تناقض كبير بين واقعنا المعاصر، وتراثنا المقدر، والمتمرد هو الذي يخرج على واقعه المزري (في نظره)، دون أن يكون محقاً في خروجه بكامله، أليس من حقه أن يتمرد على واقعه بالكيفية التي يراها؟!، ونقول نعم، ولكن في حدود!، أي أنه حين يخرج عن القيد عليه أن يقدم مبررات خروجه بمناقشة القيد نفسه، هل استنفد غرضه أم لا، وما هي مبررات الخروج عن القيد، وما هو السراح الذي خرج إليه من القيد السابق!.

 

الكاتب وقيد الترابي

 

يقول الكاتب: “المتتبع لحركة تطور الفقه السياسي يجد أن الكتابات في هذا الشأن هي من الضآلة بمكان”، الكتابة من الكاتب هنا هي صورة من رأي الترابي الذي قال: ” يقول الدكتور الترابي: ( إن القضايا التي تجابهنا في مجتمع المسلمين اليوم إنما هي قضايا سياسية شرعية عامة، أكثر منها قضايا خاصة والذي عُطِّل من الدين – في رأي الترابي – أكثره يتصل بالقضايا العامة والواجبات الكفائية، أما قضايا العبادات الشعائرية والأحوال الشخصية، فالفقه فيها كثير والذي يحفظه المسلمون في هذه القضايا متوفر بصورة كبيرة ومتداول بينهم”، يقول الترابي: “أما قضايا (الحكم ) والاقتصاد وقضايا العلاقات الخارجية مثلاً فهي معطلة لديهم ومغفول عنها، وإلى مثل تلك المشكلات ينبغي أن يتجه همنا الأكبر في تصور الأصول الفقهية واستنباط الأحكام الفرعية، ففي مجالها تواجهنا المشكلات والتحديات والأساليب المحرجة” (المصدر: عبد الحليم عويس – دكتور – الفقه الإسلامي بين التطور والثبات – ص 116)”.

ومعلوم أن الترابي سعى للحل في اتجاه القياس الواسع، وخرج من قيود الشريعة هنا بفقه الضرورة المستند على حديث: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، فأسرف على الناس برأيه في العصمة النبوية حيث فرق بين الأمور التشريعية (وأثبت فيها العصمة) والأمور غير التشريعية (حيث نفى عنها العصمة)..ونحن لا نريد أن نتهم الكاتب برأي الترابي ولكن من حقنا أن نتساءل: ماذا قدم الكاتب من حل في هذا الشأن؟!.

 

الشورى بين الإعلام والإلزام

 

في هذه النقطة نجد الكاتب يجعل الشورى “معلمة” للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وملزمة لغيره في اتجاه السياسة التي هي اجتهادية حسب رأي الكاتب!، من غير أن يقدم لنا معياراً يوضح لنا كيف نحا هذا النحو، والشورى من حيث هي جاءت وفق نص في القرآن الكريم “فبما رحمة من الله لنت لهم…”، ووفق أعمال للنبي (صلى الله عليه وسلم) الموثقة في سيرته، فمن أين له أن يتجه إلى جعلها “ملزمة” للجمهور والحاكمين، خاصة وهو يتحفظ (رغم رأيه الطيب في الديمقراطية) على الديمقراطية باعتبار أن الاسلام يتفق معها في دعوته للحرية ومحاربته للظلم والاستبداد والانفراد باتخاذ القرار…، ويختلف معها في المنطلقات الفلسفية، من غير أن يبين لنا أوجه هذه الاختلافات في منطلقاتها الفلسفية!.

والكاتب في اتجاهه هذا يتفق مع منطلقات الحركة الاسلامية (الموحدة آنذاك قبل انقسامها إلى قصر ومنشية وتوالي انقساماتها لاحقاً) التي جعلت الشورى “ملزمة”، يقول أمين حسن عمر: “فقد نشأت الحركة الاسلامية بالسودان ومنذ المبتدأ حركة شورية، الشورى فيها ملزمة، فهي ليست جماعة تابعة لمرشد متفوق يأمرها فتطيع وينهاها فتزدجر…”، (المصدر: أمين حسن عمر – أصول فقه الحركة – سلسلة رسائل الحركة الاسلامية الطلابية 3 – مطبوعات الحركة ابريل 1995 صفحة 24).

 

الكاتب واسقاط الآني على الماضي

 

المتتبع لكثير من كتابة الكتاب المعاصرين، أنهم يحملون المصطلح الآني، ويسقطونه على الماضي بلا تدبر ولا روية، من ذلك ما حدث من كاتب المقدمة الذي نحن بصدده الآن، يقول الكاتب ويعني الشورى: “وبالتالي فهي المشاركة في اتخاذ القرار الملزم للحاكم والرعية، خاصة في الأمور الاجتهادية على رأي أكثر الفقهاء”، لا شك أن الكاتب هنا متأثر بالمنهج الديمقراطي لا الشوري، فمن هم أكثر الفقهاء هؤلاء الذين يعنيهم الكاتب، لقد سبق في كتاب لنا آخر، أننا تعرضنا لأمر الشورى وفندنا الرأي الذي يقول أن الشورى “ملزمة” لا معلمة باعتباره لا يعبر عن رأي جمهور السلف وانما يعبر عن رأي بعض الكتاب والفقهاء المعاصرين لا السلف:

“وأول ما يجابهنا في هذا المشكل السياسي، هو الاختلاف في فهم النص والوقائع المحيطة به، فالنص الذي يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكومين في الشريعة الإسلامية هو آية الشورى “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين”(1) وقد تركز الاختلاف حول مدى إلزامية الشورى للخليفة أو الحاكم أو عدم إلزاميتها، يقول الدكتور مهدي فضل الله : “ليس هنالك جواب حاسم بهذا الصدد”:

  * فبعضهم مثلاً ومنهم بعض السلف وجمهور المعاصرين يرى أن الإمام ملزم برأي أهل الشورى وعليه واجب تنفيذ ما يرونه حقاً وإذن فهي ملزمة.

* والبعض الآخر وهم جمهور علماء السلف وبعض المعاصرين فيرى أن الإمام مخير في الأخذ بنتيجة الشورى أو رفضها وذلك لأن الشورى ما هي الا للاستنارة فقط بآراء الغير وعلى الأمة واجب السمع والطاعة له مادام يعمل وفق رأيه واجتهاده وإذن فهي غير ملزمة وإنما “معلمة” بلغة الفقهاء.

* والبعض الثالث وهم بعض العلماء المعاصرين فيرى رأياً آخر يقوم على أن الأمر يعود للأمة في الزام الحاكم أو الإمام بالانصياع إلى شورى الأكثرية أو عدم الانصياع  (مهدي فضل الله – دكتور – الشورى طبيعة الحاكمية في الإسلام – الطبعة الأولى – 1984م ص 1223)..

وبإمعان النظر في هذه ثلاثة الآراء نكتشف أنها رأيان فقط فيمكن – تبسيطاً للأمور – الحاق الرأي الثالث بالرأي الأول وهو إلزامية الشورى للإمام إما عن طريق أهل الشورى كما هو في الرأي الأول، أو عن طريق الأكثرية – الأغلبية المطلقة – كما هو في الرأي الثالث، وبتمديد النظر أكثر نكتشف أن الرأي الأول يعتمد على بعض السلف وجمهور المعاصرين أو هو قاصر فقط على بعض العلماء المعاصرين (الخطوط تحت الكلمات من وضع الكاتب). كما هو في الرأي الأخير، ونعتقد أن الإشكالية نتجت عند بعض علماء السلف للوهم الذي قادهم اليه ظاهر أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) من موافقته لبعض من أشاروا عليه كما في تحديد موقع الجيش في غزوة بدر واستحسانه رأيهم وأمور اخرى كثيرة لا نقف عندها الآن فقد ناقشناها في موضعها من الكتاب، أما جمهور المعاصرين أو العلماء المعاصرون، فلا نحتاج إلى كثير جدل لنعلم أن تأثرهم ناتج عن الآراء السياسية المحدثة في الديمقراطية وكلمة الشعب وإجماع الأمة واعتقادهم أن الشوري هي الديمقراطية وأن الديمقراطية هي الشورى، ورغبتهم في التوفيق بين التراث والمعاصرة، خاصة وهم يعلمون أن الإسلام هو خاتم الديانات، فدخلوا من باب الفقه وتفسير النصوص يلتفون حول النص ويتمسكون بأوهى الأدلة يطورونها ويحيون مواتها، أما نحن فنمضي مع جمهور علماء السلف وبعض المعاصرين لأنه الرأي القاطع في تفسير النص، قطعي الدلالة بأن الإمام مخير في الأخذ بنتيجة الشورى أورفضها (المصدر: مخطوط كتاب النبي المصطفى المعصوم بين دعاوى التجديد ودواعي التطوير – عيسى إبراهيم)..

 

بين الشورى والديمقراطية

 

الشورى كنظام حكم تفترق بصورة كاملة عن الديمقراطية، فالشورى تعمل على تأهيل المحكومين ليكونوا أهلاً للمسؤولية، فهي نظام وصاية من رشيد كامل الرشد على قُصَّر، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”، ويقول عنه القرآن الكريم: “هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتابة والحكمة وإن كانوا من قبلُ لفي ضلال مبين”، فالكلمات “بعث وتلا وزكَّى وعلَّم” كلها لها مدلولات في التربية والتأهيل والزيادة في المعرفة، وحينما طلبت الآية من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يشاورهم في الأمر لاعطائهم الثقة في أنفسهم، طلبت منه قبل ذلك أن يعفو عنهم وأن يستغفر لهم “وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون”، وأشاد به حين قال عنه: “فبما رحمةٍ من الله لنت لهم” ونفى عنه غلظة القلب فقال: “ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك”، هذه هي الشورى تدريج للمؤمنين وتأهيل لهم نحو المسؤولية، من الموصول بالله بلا انقطاع، وهو الذي “بالمؤمنين رؤوف رحيم”، وهناك خصيصة أخرى تجعل الشورى موقوتة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبمتبعيه من صحابته الأكرمين خلفائه الراشدين المهديين للتقارب بين زمنه وزمنهم “الخلافة بعدي ثلاثون عاماً ثم تصير ملكاً عضوضاً”، تلك الخصيصة هي أنه معصوم من الخطأ، باعتبار أنه لا يُقر على خطأ أبداً، فاذا أخطأ صححه الوحي، فمن من الناس يمكن أن يكون على الشورى الآن ويملك أن يشاورنا وحين يعزم على رأيه يمضي – وإن خالفنا – متوكلاً على الله وهو ليس معصوماً من الخطأ؟!.

هناك تجربتان معاصرتان سلفيتان حينما وقع الخلاف بين فئتيهم، كلٍ على حدة، فشلتا في الالتزام بمقتضيات الشورى، الأولى تجربة المؤتمر الوطني الخلافية بين ما يسمى بالقصر وما يسمى بالمنشية حتى استعان البعض باستقدام مجموعة تكونت من “القرضاوي وفتحي يكن والزنداني” رجعت دون أن يكشف عن فحوى رأيها، والثانية تجربة الخلاف بين جماعة أنصار السنة، المتمثلة في خلاف الشيخ الهدية مع شيخ أبو زيد محمد همزة، والتي كانت تستوجب حسب الترتيب بين الفرقاء أن ينصاع أبو زيد لرأي الهدية ولكنه مضى في طريقه ولم ينصع لرأي شيخه الذي كان على رأس الجماعة!!، وفي الأولى كان على الترابي أن ينصاع لرأي البشير طالما جعله رئيساً: “أذهب للسجن حبيساً، وتذهب للقصر رئيساً”!..

والديمقراطية تجربة انسانية تراكمية، حرمت في بداياتها النساء والعبيد من المشاركة فيها، ثم سمحت بعد طول زمن، بعد الغاء العبودية وتحريمها دولياً فصارت في حكم المعدومة، وسمحت للنساء بالمشاركة فيها ترشيحاً وانتخاباً، والديمقراطية في تعريفها هي “حكم الشعب بواسطة الشعب لمصلحة الشعب” وتعني حكم الأغلبية مع مراعاة حقوق الأقلية، وفي بعض الأقوال مع تقديس حقوق الأقلية، وهي تعني في ما تعني عدم تغول الأغلبية على حقوق الأقلية المصانة وفق النظام الديمقراطي..

 

كاتب المقدمة والديمقراطية

 

لعلنا في كتابتنا النقدية للذين يريدون زحزحة نظام الشورى ليكون ملزماً للحاكمين والمحكومين، أثبتنا أن ذلك غير ممكن، وهو تعسف لا يستقيم مع هذا النظام بأبعاده المحددة، وهو نظام وصاية رشيدة على أمة قاصرة، وفي حياتنا المعاصرة نجد أن رأي المستشار غير ملزم – في كل الأحوال – لمن شاور، فهو يستهدي بآراء مستشاريه، وله الحق أن يستهدي بآرائهم فان وجد في رأي أيٍّ منهم ما يستحسن أخذ به، وإلا فان رأيه (بعد فرز آراء مستشاريه وتبين أوجهها لديه) أولى بأن يتبعه.

ورغم أن كاتب التقديم أقر أن أمر السياسة “هي من الأمور الاجتهادية غير المقطوع فيها، والتي تساير مصالح العباد” وقال في جرأة محمودة على كل حال: “على علماء السياسة ألا تكون مرجعيتهم في الفقه السياسي صحيفة المدينة وحدها، بل مجمل التجربة الانسانية”، إلا أننا نجده يكبل نفسه بمصطلح الشورى، ليحوله ويطوره بغير وجه حق ليكون “ملزماً”، وفي الديمقراطية براح أوسع وتجارب متراكمة تحميها من الانزلاق نحو الدكتاتورية وحكم الفرد، ولعل قول كاتب التقديم “لأننا لا نستطيع (رغم حساسية البعض من استعمال مصطلح الديمقراطية) أن ننكر أن الاسلام ذو نزعة ديمقراطية في تجاربه الانسانية، ويتضح ذلك في مقاصده العليا من دعوته للحرية ومحاربته للظلم والاستبداد والانفراد باتخاذ القرار وفي سعيه لاقامة العدل ونبذه للعنصرية والجهوية والقبلية ورفضه لاستعباد الانسان وهضم حقوقه، وفي دعوته لـ … مراقبة الحاكم ومحاسبته على أفعاله وعزله”، ويواصل الكاتب ليقول: “وهي كلها معان سامية وأهداف نبيلة ومقاصد عليا يتفق الاسلام مع الديمقراطية فيها”، ولكنه وهو مكبل بقيود العقيدة رغم قوله أن سياسة الناس من الأمور الاجتهادية التي تساير مصالح العباد يركن إلى قيده ويقرر أن الاسلام يختلف مع الديمقراطية في منطلقاتها الفلسفية، من غير أن يوضح لنا أوجه هذا الاختلاف!..

* نقف هنا في نقد التقديم وكان من الممكن أن نواصل، ولكننا نرجئ وجهة نظرنا في باقي موضوعات التقديم، مثل موضوع المواطنة، والآخر المختلف في ظل الدولة المرتقبة عند كاتب المقاربة المنهجية، لنتوسع أكثر في نقد المتن، فلربما يتيح لنا فرصة أكبر في تقويم المؤلَّف الذي نحن بصدده..

** أمر آخر نؤجل تناوله الآن حتى نفرغ أولاً من نقد متن الكتاب، ثم نعود لاحقاً لمناقشة كلمات وردت في التقديم تقول: “كما أنه ينفي (يعني القلب الخاشع في الصلاة) تفريط المنكرين والداعين لاسقاط الحركات بأي حجة كانت، لأن تحقيق علم الظاهر شرط لنيل علم الباطن، وان الوصول إلى الحقيقة يستوجب حفظ الشريعة” (المصدر: صفحتا 5 و6 من التقديم)..

 

*eisay@hotmail.com

* eisay1947@gmail.com