زهير السراج * رغم الابتهاج العالمى بفوز حزب (نداء تونس) الديمقراطى العلمانى فى الانتخابات التونسية البرلمانية على حزب (حركة النهضة الاسلامية) الذى يضم جماعة الاخوان المسلمين التونسيين،

إلا إننى ابتهجت لسبب مختلف تماما وإن كان ووثيق الصلة بالانتخابات التونسية، وهو نجاح الدولة التونسية فى امتحان الديمقراطية بامتياز كبير كأول دولة عربية على الاطلاق منذ وقت بعيد تنجح فى هذا الامتحان الصعب وتتجاوزه بدون مشاكل او عقبات تذكر رغم ما يبديه البعض من مخاوف من أن يثير هذا النجاح بعض الحركات الاسلاموية المتطرفة فتجنح الى العنف وممارسة الارهاب وتغرق تونس فى الدم !!

* ولا بد هنا أن نعترف أن (حركة النهضة  الاسلامية) ــ رغم الاتهامات التى يكيلها اليها البعض بأنها رفضت النداءات المتكررة لتكوين حكومة وحدو وطنية، واحتكارها للسلطة وحدها مسنودة بأغلبيتها البرلمانية ، كما أنها لم تتخذ مواقف حازمة تجاه بعض مظاهر العنف والاغتيالات السياسية التى شهدتها تونس خلال عهدها ضد بعض العلمانيين من الحركات المتطرفة التى تعمل فى الخفاء والعلن لتحويل تونس الى دولة خلافة متطرفة تراق فى ميادينها دماء الابرياء وتستباح العروض ــ كانت ولا شك جزءا ن هذا النجاح بتمسكها بالديمقراطية كمنهج للحكم وعدم التضييق على خصومها فى الفكر والرأى وتنظيم انتخابات نزيهة واعترافها بهزيمتها فى هذه الانتخابات ودعوتها للاتفاق على حكومة وحدة وطنية تعبر بتونس الى آفاق أرحب من الديمقراطية والتنمية والتقدم .. ويا ليت الحزب الفائز وبقية القوى السياسية والتونسية يوافقون على هذا الاقتراح لما فيه من خير تونس ومن تأثير ايجابى على بقية دول المنطقة للحذو حذو الدولة التونسية الرشيدة بدلا من اللجوء الى العنف والاقتتال وتعليق المشانق لأصحاب الرأى الآخر ..!!

* وليتنا فى السودان على وجه الخصوص نستلهم هذه التجربة التونسية الرشيدة ونترك الكيد لبعضنا البعض، ويتخلى النظام عن سياساته التعسفية واغتصاب الحريات العامة والفردية وعزل الخصوم وممارسة العنف الشديد ضد كل من يخالفه الرأى، وينتهج الجدية والصدق فى نداءات الحوار التى يوجهها كل فترة لخصومه وهو يقصد منها المراوغة لا أكثر ولا أقل .. وفى المقابل لا بد ان يلجأ الخصوم الى السلم والحوار بقلب مفتوح ونية صادقة، وذلك لانقاذ الوطن مما يعانيه من أزمات ومخاطر وحروب، وما ينتظره من مصير حالك السواد ملئ بالحروب الضارية وسفك الدماء والتشرذم والانقسامات .. وهو أمر يظنه البعض مستحيل  أو بعيد الحدوث، ولكنهم لو نظروا الى حال السودان الآن وما حدث حوله من اضطرابات وقلاقل وانتفاضات سلمية ومسلحة، لاستيقنوا ان السودان فى آخر الطريق المفضى للاحتراب والتمزق .. وهو الآن يعانى منهما فى كثير من أرجائه ولم يبق الا أقل القليل ..!!

* يجب علينا أن نفهم بسرعة وقبل أن يفوت الوقت .. ان أمامنا خيارين لا ثالث لهما، ولقد اقتربنا منهما واقتربا منا كثيرا ولم تعد تفصلنا منهما سوى شعرة رقيقة .. إما الحرب والتشرذم وسفك الدماء، وإما تقديم التنازلات من كافة الاطراف واللجوء الى الحكمة والعمل بصدق من اجل اشاعة السلام والديمقراطية واحترام الحريات والحقوق !!

* لم يعد هناك سادتى سوى مصيرين .. إما التونسة، أو الليببة .. فأيهما نختار ؟!