عبد العزيز بركة ساكن مَدِينةُ خَشَّمْ القِرَبَةْ، تلك الحسناء الراقدة علي ضفاف نهر بَاسَلام، او سيتيت، او نهر عطبرة، وهي بعض اسماء اعظم نهر في شرق السودان حيثُ ينبع من الهضبة الاثيوبية ويصب في نهر النيل عند مدينة الدأمر،      

ويأخذ اسمه وفقا للغة القوم الذين يمر بأرضهم. يتوسد رأسُ المدينةِ منطقة “الرميلة” وتفرد شعَرها الاخضر إلي “الشقراب” وقريباً من “الشواك” وسطها في مُشْرَعْ السقايين ورجليها في متنزه الصفصاف. تلك المدينة الصغيرة الساحرة الاستراتيجية، التي عُرفت في الحرب العالمية الثانية بمعارك طاحنة بين الايطاليين والانجليز. وكانت مقابر الجند القتلى الى وقت قريب ظاهرة علي سطح الأرض قريبا من “وابور الدونكي” وبيت الشياطين. الان يقع هذا المكان شرق معسكر اللاجئين الارتريين.  وقد غنت الفنانة السودانية الشهيرة، عائشة الفلاتية، اغنية تخلد تلك الحرب والمدينة متمنية الخروج الآمن للجنود منها:

 “ودوه خشم القربة

 يا رب عودة سلامة للعاصمة.”

اجمل ذكريات طفولتي فيها مرتبطة بالشيخ يُوسف أبشرا وبالنهر. واعترف دائماً بحبي لذلك النهر وخوفي منه. وكتبتُ اولى رواياتي وأنا طفلا يافعاً لم ابلغ الحلم بعد “بعنوان تحت النهر” وهي حكاية عنه وفيه. ونهر سيتيت  عبارة عن مصرف مائي طبيعي  دائم الجريان في معظم شهور العام وعند الصيف يتحول الي خُويرات كثيرة توفر المياه للرعاة وتحتفظ بالحياةِ المائية البرية الي مَوَسم الخَرِيفِ. بعد بناء خزانٍ للمياه علي مجرى النهر في أوائل ستينيات القرن الماضي تشكلت بُحيرةٌ كبيرةٌ غرب السد منها يُسْتَسَقَى مشروع خشم القربة الذي بُنِي لاستيطان النُوبة المهجرين من أراضيهم في حلفا القديمة من أجل بناء السد العالي واستيطان العرب الرُحَّلْ.

وهذه المرة سوف لا اتحدث عن موسم “دَقْ السمك”، وهو مَوَسِم كما تعلمون شهي. حيث تخرج الاسماك من النهر في اغسطس ويلتقطها الناسُ بالأيدي التقاطا. ولكنني سأكتب عن السيد يُوسف أبشرا وهو من الآباء المؤسسين للطريقة القادرية العركية، كما انه جَد الشيخ والسياسي أزرق طيبة. والشيخ يوسف أبشرا من الذين شملهم قول السيد الحسن لتلامذته ومريديه:

(يا أبنائي من لم يستطع منكم زيارة الحجاز فليزر “أبوحراز” )

 وهو يشير الي مراقد شيوخ القادرية بابي حراز. وقد كُتبت فيه قصائد تتحدث عن كراماته مثل تلك التي مطلعها:

حباب يوسف أُحباب شرق

البيدرك للمضيق في لمحة برق

 وكان هذا الفقيه محبوباً وله شعبية كبيرة، لدرجة ان النساء ما زلن الي يومنا هذا يذكرنه في اغنيات البنات والسيرة، مثل:

“جاياك، جاياك يا ابشرا.

 جاياك، جايا (أفتو) معاك يا ابشرا.”

وطبعا كلمة “أفتو”، تعني ان اقول لك اسراري كلها، واستريح منها. فلقد بَيَّنَ الشيخ يوسف ابشرا وحَلَّمَ في مدينة خشم القربة. هنالك أغنية سودانية مشحونة بتلك المصطلحات الصوفية، قد تسعفنا في خطف معني حَلَّمْ وبَيَّنْ:

سِيدي الحَسَن حَلَّمْ ….. بخشمو ما اتْكَّلمْ

وفعل يحَلٍّم او يبيَّن يعني ان يَحْلمَ احدُ الصالحين او المريدين او الأحباب  بالمدينة بان الشيخ جاءه في المنام وقال له كذا وكذا وانه يريد مزارا في الموقع الفُلاني من المدينة. او ان مكانا محددا في المدينة يظهر فيه ضوءُ اخضر. ومن ثم يأتي في المنام لأحدهم ويخبره بان ذلك الموقع هو ايضا احد مراقده ويقوم الناس بوضع الاعلام الخضراء والبيضاء ويحيطون المكان بسياج من الحجارة ويعتبر موقعا مقدسا من يومها ويُزار بل يُستخدم تُرابه من اجل نَيل البَرَكَةِ وعلاج الامراض المستعصية وتحتفظ ربات البيوت بصُرة منه في قماش من الدمور الطاهر، حتى يبعد عن بيتها شرور الدنيا من عين وحسد وجن وأبالسة.

يقع هذا المكان قرب نهر سيتيت عند مدخل مُشْرَع السقايين قريباً من شجرة “اللالوب” العجوز. وكانت النسوة يزرنه كل يوم اثنين علي -ما اظن وجمعة- ويتقربن اليه ببعض النُذر من مال وذبائح وبلح وزلابية كل حسب حاجتها، وكلما كبُر الطلب كبُر النذر. وجميع من تزوج في المدينة لابد ان تذهب بهم لواري السَيرة التي تستقدمها عربة تاكسي_ يقودها المرحُوم العم حسن كوكريب او المرحوم العم النيل، حيث لا تُوجد بالمنطقة غير اللواري وهذين “التكسيين”_  إلي مزار الشيخ أبشرا ليباركهم ومن ثم الي النهر لنيل بَرَكةٍ اخرى من الماء وهي عادة ورثها الناسُ من عبادات نوبية قديمة وطقوس نيلية. والنساء اللائي لم يرزقن بمولود ايضا ينلن منه حاجتهن. كما ان مظاليم المدينة من المريدين وغيرهم يأتون اليه في حالة صفاء ويسرون اليه بما لا يَنْقال لغير حبيب وصديق حميم. وكانت هذه الزيارات يقوم بها المسلمون جنبا الي جنب مع المسيحيين من الاحباش والجنوبيين. وعلي الرقم من اقامته في الدار الآخرة، إلا ان الشيخ يوسف ابشرا ادخل الكثيرين من الناس في الاسلام عندما تحققت بكراماته حاجاتهم المستعصية، وأجاب كل ذي سؤالْ. اذا كان الشيخ يوسف ابشرا في مدينتنا سُلطة روحية  واجتماعيه بحب وطيب خاطر وجمال: علي الرغم من وجوده الرمزي في تلك البُقعة المزيِنة بالأعلام الملونة عند شاطئِ نهرٍ مُهملٍ.

اما نحن الاطفال – في ذلك الوقت – بالنسبة لنا كان مزار الشيخ يوسف ابشرا “سوبر ماركت” في اوقات الزيارات وبنكا صغيرا جميلا مُدهشا وكريماً في اوقات اخرى وكنا نستمتع بكراماته النقدية بصورة خاصة. حيث اننا نرتاده في الصباح الباكر جدا مع ورود “السقايين” الي المُشْرع. او قُبيل المغرب عندما تنقطع الارجل من الزيارات يومي الجمعة والاثنين. ونقوم بتقليب الحجارة وتنقيب الأرض حول المزار في التربه الهشة الرطبة وعند وسطه، وتحت قواعد البيارق والأعلام، لنجد نقوداً من فئة الشلن والقرش والتعريفة  بوفرة وكان ذلك يفرحنا جدا ويجعلنا نجري في مجموعات نحو دكان عم النعيم عليه الرحمة  لنشتري الحلوى والبسكويت والأنابيب ونحن نحكي لبعض كيف كان ملمس القرش وكيف تمت مشاهدته وهل كان لامعا ام به بعض الصدى ام انه كان بين حجرين او تحت كومة كبيرة من التراب. وبعض ذوي الخيال الثر يتحدثون عن صوت الشيخ يوسف  ابشرا وهو يدلهم علي مكان الشلن او الريال وهي عملات كبيرة. بالتأكيد قد تحدث لي كثيراً ودلني علي نقود ليست في مزاره فقط بل في النهر قُرب مورد الماء في مُشرع السقايين. علي كلٍ، كنت في طفولتي ثَريا خاصة طفولتي المُبكرة، حيث تأتي اليَّ الاشلانُ والقُروش النُحاسية الجميلة اللامعة في اوقات ضيقٍ كثيرةٍ. أما من لَدُنِّ بنوك الاولياء الصالحين مثل يوسف ابشرا او الجن والأبالسة : وتلك قصصٍ وأحاجي اخرىْ.

                                            عبد العزيز بركة ساكن