د-عبدالسلام نورالدين -14 – لقد حدث  ذلك في تلك الايام الناضرة  من سني عمرنا الغض  أن قد كان ابوالقاسم الشابي وايليا ابوماضي وفاتن حمامة ونعيمة عاكف وانور وجدي واحسان عبدالقدوس واحمد بهاءالدين  و"الان لاد" وجاري كوبر وجين رسل ومارلين مونرو يمتون الينا ونمت اليهم  بوشائج  غير تقليدية  

اذ وقعت  عبر  الورق  المصقول المطبوع اللامع  أو بلور الصور المتحركة  الناطقة الاقرب الى  عالم ما فوق الحواس  في “مثل” افلاطون أما التيجاني يوسف بشير الذي تعرفنا على شعره في تلك الفترة الباكرة من عمرنا الصغير فقد كان جد مختلف -اذ درس  مثلنا بالمعهد العلمي  ونحن على نهجة نتلقى ذات الدروس والمقررات العتيقة  مع نفس الشيوخ ونلقى ايضا ذات العنت ( ولقيت من عنت الزيود مشاكلا وبكيت من عمرو ومن اعرابه) مع مراعاة فروق والامكنة  والازمنة والفرجيات بالمعهد العلمي بالنهود وأم درمان  ونلقى بحق عسرا في اعراب الشواهد في الحوشي والجنف من الشواهد والتعرف على  مواقع المنصوب بالمجاورة ( فقلت له لا تبك عينك انما-نحاول ملكا أو نموت فنعذرا) -ورغم المشاق  التي كانت تواجهنا في ادراك كنة  العذاب  الذي خالج شك “الصوفي  المعذب”  في “يؤلمني شكي” حول الذات الالهية ولكنا  مع التيجاني  في “القمر المجنون” “وقلب الفيلسوف”  و”فجر في صحراء”  كمن يزور لاول مرة مع اخيه الاكبر  ذي  المعارف والتجاريب  حاضرة كبرى سمع  منه كثيرا عن عجائبها  وغرائب مخلوقاتها فتبدو له كحلم طاف كثيرا بذهنه  الغائم فانقلب الى حقيقة تدرك ويشق التعبير عنها بوضوح  على  أما الشاعر الاخر الذي كان  بالنسبة لنا اكثر واقعية في تمثله وتجسده والتعرف عليه  والتماهي معه من التيجاني يوسف بشير فهو تاج السر الحسن الحسين  الذي تلقي دروس شذور الذهب وقطر الندى وبل الصدى والعزية واقرب المسالك في مذهب الامام مالك وخريدة راجي رحمة القدير لاحمد المشهور بالدرديري على ايدي الفكي محمد كرسي- وعباس الفكي علي-واحمد عبدالجبار-في ذات المكان قبلنا بأكثر من عقد من الزمان  وسرنا على منواله باضافات  لزوم ما يلزمه الوقت من مستجدات العلوم الحديثة  وتيسر لتاج السر الحسن  ما تعسر للتيجاني يوسف بشير فهاجر دون تضحيات الى مصر والتحق بالازهر   وجاب مدينة البعوث تماما كاقرانه ابوحمد حسب ا للة -وصالح ادم بيلو واحمد التيجاني عمر الذين يمموا وجوههم  شطر انور المعداوي وسيد قطب وعباس محمود العقاد والاخوان المسلمين ولكن شاعرنا  تاج الصوفي المجذوب الهائم فقد اجتاح مصر من بوابة اخرى  يقف على مدخلها  عبدالرحمن الشرقاوي وعبدالرحمن الخميسي واحمد رشدي صالح  وكمال عبدالحليم وزكريا الحجاوي ومحمود امين العالم  ومبارك عبدة فضل  ونجيب سرور-أما الذي رفع  في ناظرنا تاج السر الحسن  درجات فوق زملائه  من ابناء النهود  أن نرى اسمه مطبوعا في ديوان قصائد من السودان -من دار الفكر بمصر بتقديم كمال عبدالحليم  ونسمع ونعرف انه يقف  كتفا الى كتف مشاهير  الشعر والادب في مصر وسوريا والعراق  كعبدالوهاب البياتي  وبدر شاكر السياب ونزار قباني وشوقي بغدادي-نجما متألقا كممثلي السينما وكبار رجالات الصحافة الذين نشاهدهم في عروض الاخبار المصورة قبل بداية  كل فيلم في سينما كركاب- ونقلب عناوين وصفحات كتبهم في مكتبة البلدية  بالنهود أو نراها بعيدة المنال على ايدي طلاب  خورطقت  او طلاب كلية الخرطوم الجامعية أو القسم العالي من المعهد الفني  في زيارتهم  الموسمية  اذ يملاون   دنيانا  بصور المستقبل الزاهي البعيد ويشغلون  عيون  وقلوب  جميلات النهود بوصفهم  فرسانهن في المستقبل القريب  وفوق  كل ذلك فان تاج  قد خرج من هذه الارض التي يقتلها الظمأ والماء فوق ظهر السحاب يرعد كثيرا ولا يمطر الا نادرا ,وذا فعل اسرف  وخرب.

قد تطرق الشاعر كمال عبدالحليم في مقدمته  لقصائد من السودان الى التربية الدينية والى استغراق تاج السر في الغربة الى حد الذهول الكامل  عن الوجود” وكان تاج السر اكثر تأثرا بالتربية الدينية,بل ان جده ولي له “قبة “في السودان …وفي السابعة عشرة انتابه ذهول  صار غيبوبة كاملة وهو في التاسعةعشرة لم تنقذه منها الا الصدمات الكهربائية.

ثم جاء الى مصر ليدرس ويخلص من هذا الذهول! واستغرق في احساس  بالغربة والحنين الى السودان. وكان في مرحلة الحنين الصوفي يشعر بالغربة عن الكون جميعه.

أي طين جبلت من ذراته ——وتغشيت في ردى ظلماته

كلما شمت في الحياة جمالا…….. دنست حمأة الثرى اياته

ثم تركز الاحساس بالغربة عنده حول وطنه وشعبه فيقول في عيد الغريب

واخوتي يا عيد هل عانقوا ……..فرحة اضوائك عند الصباح

أم ذكروني فبكى قلبهم ……….لغربتي واستسلموا للنواح

الى ان يقول

والغربة الحمقاء هذه العجوز …..ترتع في الوادي وفي ارضنا

ساحرة تمتص معنى الحياة……. معنى بقائي في بلادي أنا

واشعار الغربة عند تاج كثيرة منها” في ظلال الامس” و”عرف الغربة” من الشعر الذي لم يتسع له الديوان والذي يفيض بصور الحياة في السودان…وهذه الغربة في نفس تاج عامل من أهم العوامل المؤثرة في شعره وفي حياته وهي ستتلاشى في يوم من الايام

وندفن الغربة لا لن تكون…….في الارض هذه الغربة الشاحبة

نشعلها في النار نلقي بها……تذرها العاصفة الصاخبة”*

لم يك من الميسور للشاعر المصري  أن يغوص في تشاعيب الملابسات  التي غرق تاج السر في متاهه امواهها  وقد كشف تاج بعض حجبها في وقت لاحق ولو كان الشاعر المصري  على بعض الدراية بتجربة  ونصوص ديوان اشراقه للشاعر السوداني التيجاني يوسف بشير  لتوقف طويلا في  التربية الدينية والمعجم اللغوي والمصطلح الشعري والرؤية الصوفية والغربة الروحية  والعلائق بين الشاعرين*

ومهما يكن من امر فلم تكن الاشارة الى غربة تاج السر تعني الكثير لنا وقت صدور الديوان ولكنا في شغف بالغ ان نمتلك اجابة شافية للسؤال التالي:

ماذا حدث اذن حتى يعثر ابن المدينة غرب الجبيل -النهود -تاج السر الحسن  الحسين الصديق الصدوق لمحمد ابراهيم دبوجة  ودقيس (محمد أحمد جحا )  وشني واحمد حسب اللة   الذي طالما غاصت في الرمال ارجله  وجلس لاربع  سنوات القرفصاء على حصير المعهد العلمي تحت ظلال الشجر  من اقاصي غرب كردفان أن  يعثر على نفسه محل حفاوة  وتقدير اصيل من الشاعر كمال عبدالحليم  وشقيقه الكاتب ابراهيم عبدالحليم  ومن الناقد  عبداللطيف السحرتي السحرتي والروائي والمفكر  محمود امين العالم  وزكريا الحجاوي  وعبدالرحمن الشرقاوي في قلب  قاهرة المعز لدين الله الفاطمي؟

**

د-عبد السلام نورالدين