عبد الله الشيخ  خط الاستواء المشكلة ليست فى الزّوال، فالزّوال أكيد لأن لكل بداية نهاية..المشكلة ليست فى سقوط النظام، بل فى عقابيل السقوط..المشكلة في "الدّعشنة" التى سيخلّفها وراءه!..

المشكلة أننا نتفاخر باستباقنا الربيع العربي، بثورتين شعبيتين، وفي نفس الوقت  لا نعترف بأننا “ملوك الدّعشنة”، وأنّ الدّعشنة هي منتوجنا، قبل أن يأتي بها الشّوام!.. من يغالط في هذه “الحيثية” عليه أن يعود لقراءة وثائق المهدية، التى قام بتحقيقها البروفسير محمد ابراهيم ابو سليم ، فضلاً عن تتبُع “طرائف ونوادر” جهادية خليفة المهدي، فهي طريفة ، و تُنبيك بأن أولئك، كانوا كيزاناً اقحاحاً جداً، فى زمانهم!.. نحن “أهلُ دّعشنة”، هذه حقيقة لا مِراء فيها..هذه حقيقة لا يحتاج اثباتها الى كثير عناء.. وماهي الدّعشنة، إن لم تتمثل فى هذه “الابتلاءات” الاخوانية!؟.. ماهي الدّعشنة إن لم تكن هي ذاك “التّحلُل الرسمي” الذي ابتدعه الوالي، للخمش من المال العام!؟.. و ماهي الدّعشنة، إن لم تكن هي هذا النظام السياسي،الذي نتوارثه ويتوارثنا منذ عشرات السنين!؟..

وما هي الدّعشنة، إن لم تكن ممثلة فى هذه الجهادية الانقاذية المُعاصرة، فهي تكاد تتطابق مع  فعاليات الخليفة ، التى كانت تتحرك فى الحيِّز الذي تقوم عليه، عضوية الوطني والشّعبي، مع مراعاة فروق الوقت، ومع رد شيئ من الاعتبار، لجهادية حاضرنا، والاعتراف بأنّهم أكثر ألقاً من الدّراويش، بدليل أنهم: “ما عِندهم قشّة مُرة”، ليست لديهم ملاوزة فقهية ابداً،عند الولوج الى عوالم الاستيراد والاستثمار.. هؤلاء ــ تبارك الله ــ لديهم شجاعة فائقة فى المتاجرة بـ  “المهدئات”!! هذا هو الفرق بينهم وبين من كانوا يعتمدون التمباكي كافراً، فقد كان جهادية الخليفة، يعتقدون فى أن التّمبكة تعادل الكفر!..يُحكى فى زمان الخليفة، أن نفراً من السودانيين استوى داخل إحدى المراكب النيلية، بصحبة اثنين من الجهادية.. وعندما جاوز المركب شاطئ “بُقعة أم درمان”، إستشعر السوداني نسائم الحرية، فأخرج من جيبه حُقّة ود عماري، وقام مطمئناً بفعل التّمبكة ،على اعتبار بُعده الجغرافي عن دائرة الدّعشنة!..

لكن لا .. لقد قفز نحوه أحد الجهادية وقام بخنقه، ووقع به فى النيل، وهو يقول لرفيقه،أن يُبلِّغ خليفة المهدي، أنه دخل الجنّة بذلك التمباكي الكافر!..هذه بسيطة من بسائط دعشنتنا التى لا نعترف بها، ومثلها كثير .. هناك ما هو أخطر من هذه وتلك ، مما تجدونه مدوّناً فى صحائف المهدية نفسها..إذن، المشكلة ليست فى ازاحة النظام، فالنظام سيزول مثله مثل كل الانظمة التى تلاشت فى لمح البصر.. النظام يمكن أن يسقط ، فى آية لحظة، مثلما سقط النظام فى بوركينافاسو، لكن المشكلة دائماً فى عقابيل السقوط، وفى ما سيتبقى من دّعشنة ، تعبّر عن نفسها غداً، فى شكل “ابتلاءات”!.. لقد وقع الكثير من ذلك، ونحوه، بعد معركة كرري، إذ لم تتحرر أم درمان، عشية خروج ود تورشين عنها، بل بقيت  بعض لواعج الدّعشنة الجهادية حتى يومنا هذا، وقد كان زحف السُّمار  نحو المدينة بطيئاً و ثقيلاً ، وكانت بقايا المُتدعشنين ترى أم درمان ، عاصمةً للخلافة ،وأنّها بُقعة طاهرة ومدينة فاضلة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!..

يحكى عن حكاوي ذلك الزّمان  أنّ أحد الطمبّارة، كان يمشي الهوينى في أزقة أم درمان، بهيجاً بالحُباب.. فرآه أحد المُتدعشِنين، فاستوقفه قائلاً : وكمان تشرب المريسة فى بقعة المهدى!؟.. ذاك الرجل، كان طمبّارياً من عمق التاريخ، وكان مُدركاً، أن أبلغ الردود ،يأتي على منسوج السؤال…. فهل بيننا اليوم، من يتحسس خدوش ذلك الماضي!؟..