نبيل أديب عقب حضوره الجلسة الافتتاحية لدورة المجلس الوطني العاشرة، سئل الشيخ الترابي حول التقارب بين حزبي المؤتمر الوطني والشعبي فرد متسائلاً "ألا يتقارب الآخرون؟"

وعليه فلك أن تستنتج أيها القارئ أن هنالك بالفعل تقارباً بين الحزبين، إذا لم تكن قد إستنتجت ذلك بالفعل من مجرد حضور الشيخ لذلك الإفتتاح. ولكن السؤال الذي لم يتم الرد عليه هو على ماذا تم التقارب؟ الإشارة لتقارب الآخرين كسبب لتقارب الحزبين، يعني أنه تقارب إختصامي لمواجهة تقارب آخر، وهذا يضع شيخ الترابي في حلف مع أعداء الأمس، في مواجهة حلفاء ذلك الزمن. وليس في ذلك غضاضة، فليس في السياسة كما يقولون صداقة دائمة، ولا عداء دائم. وهذا ما يؤكده أن حلفاء الأمس هم أعداء أمس الأول، والعكس أيضاً صحيح. ولكن ما يجعل الأمر مربكاً هو أن الشيخ توقع للدورة التي حضر إفتتاحها فوراً، أنها ستكون معلماً من معالم تاريخ السودان لأنها ستنجز تكاليف تشريعية كبيرة تؤدي لتهيئة المناخ للحوار الوطني، الذي تقتضي تهيئته تعديل الدستور، وبعض القوانين. ومصدر الإرباك هنا هو أن شيخ الترابي ذكر ذلك بعد حضوره الجلسة، وليس قبله، فالجلسة لم تكن توحي بذلك بل بعكسه. القوانين المطلوب تعديلها لتهيئة المناخ للحوار الوطني، هي القوانين المقيدة للحريات. هذا ما ذكره وطالب به الشيخ حسن الترابي في عديد من المناسبات، وهو أيضاً ما طالبت به كل الأحزاب غير المشاركة في السلطة، من لحق بالحوار منهم، ومن نأى بنفسه عنه. ولكن ما جاء في خطاب الرئيس في إفتتاح الدورة، يوضح أن القوانين المعنية بالتعديل والمراجعة ليست هي القوانين المقيدة للحريات، والتي تعوق الحوار الوطني كقانون الأمن الوطني، وقانون الصحافة والمطبوعات، والقانون الجنائي، وغيرها من القوانين التي تقيد حريتي التعبير، والتنظيم، ولكنها قوانين أخرى ذُكِرت بالإسم، وهي قوانين المواصفات، والجمارك، ومنع الإغراق، والإحتكار، ومنظومة القوانين المالية والإقتصادية. و أهمية تلك القوانين بالنسبة للإقتصاد، ولحياة المواطنين عموما، يجعلها أحد مواضيع الحوار، ولكنها ليست من متطلباته لأنها لا تدخل في عداد القوانين التي يؤدي تعديلها لتهيئة المناخ للحوار الوطني. وكون أن القوانين المذكورة هي أحد مواضيع الحوار يجعل تعديلها إستباقا لنتائجه، معوقا للحوار لا مهيئاً له. ما يزيد الأمر إرباكاً ما أعلنه الثلاثاء الماضي رئيس المجلس الوطنى الفاتح عز الدين، وهو أن الدورة الحالية للمجلس ستناقش مشروعات تعديل للدستور لمزيد من إحكام العلاقة بين المركز والولايات. وهذا التعبير الأخير، إستخدمه في مؤتمر الحزب الحاكم الأخير، الداعون لتقوية سلطة المركز على حساب الأطراف. خطاب الرئيس في إفتتاح الدورة أيد ذلك، بشكل غير مباشر، حين تحدث عن مراجعة تجربة الحكم اللامركزي بغرض التخلص من سلبياتها.عموماً التعديلات على الدستور التي أودعت منضدة المجلس،  حسبما ذكر عزالدين، تتعلق بتعيين الولاة، بدلاً من إنتخابهم. مسألة تعيين الولاة تصيب الفيدرالية في مقتل، والفيدرالية هي أحد ركائز الدستور، التي لا يجوز للسلطة أن تقرر فيه بمفردها، إذا كانت جادة في طرح المسائل التي تهم البلاد لحوار وطني. ولكن إغفال الشيخ الترابي لذلك، على وجه الخصوص، يثير الدهشة، لأن مسألة  تعيين الولاة بالتحديد كانت السبب المباشرللمفاصلة. لم يكن المطروح آنذاك أن يعين الرئيس الولاة، بل فقط أن يرشح ثلاثة ينتخب من بينهم المجلس التشريعي الوالي، وكان رفض الشيخ لأن يكون ذلك بديلاً لإنتخابهم مباشرة بواسطة شعب الولاية هو سبب المفاصلة. كون أن هنالك تقارب بين الحزبين لم يعد موضع تساؤل، ولكن ما يثير التساؤل هنا هو لصالح أجندة أي حزب تم ذلك التقارب ؟