خالد فضل عقد   حزب المؤتمر الوطني في السودان مؤتمره العام الرابع , وحشد أناسا كثيرين من الجنسين في تظاهرة سياسية ضخمة , ووفق تنظيم دقيق ينم عن امكانات مهولة متاحة لهذه الجماعة 

وكل الهيلمانة التي شغلت الساحة خلال الاسبوع الماضي تعد مظهرا من مظاهر الديمقراطية دون شك , فعقد مؤتمر عام لحزب سياسي وانتخاب هيئاته القيادية وتوصيات وتحديد مرشحيه للمناصب في الدولة كل هذه الأمور من ناحية شكلانية لا غبار عليها , ولو كانت هذه المسائل قد حدثت في بلد بعيد ليس لنا به خبرة ومعرفة لقلنا أو ظننا أن ذاك البلد يرفل في نعماء الديمقراطية , أما وقد جرت تلك الوقائع في بلادنا التي نعيش فيها ونعرف دروبها ونفهم الديمقراطية وجربناها من قبل فإنه من العسير والحال كذلك أن نعد ما جرى سوى مظهر بينما المخبر شئ آخر مناقض تماما لكل أسس الديمقراطية , وفي بلد يقف في صدر قاعات كبرى جامعاتها دكتور ومدرس جامعي ليلقي على طلبته دروسا مقررة في منهج تخرجهم تقول  بتحريم الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية والشيوعية باعتبارها افكار هدامة وذات هذا الاستاذ تفتح له المنابر الاعلامية وتخصص له براحات من زمن البث التلفزيوني في القناة الرسمية للدولة والتي يفترض أن تمويلها كاملا بما في ذلك اجر الدكتور المعني عن برامجه تسدد من الخزانة العامة التي يفترض نظريا أنها ممولة من ريع موارد البلد ومن الضرائب والرسوم على كل النشاط البشري بما في ذلك الانشطة التي يؤديها الديمقراطيون والليبراليون والاشتراكيون والشيوعيون فكيف يستقيم عقلا أن يسدد اصحاب الافكار الهدامة قيمة ذمهم وشتمهم ومحاربتهم أو على الأقل جزءا من تلك التكلفة ؟

   ثم , لا يوجد في السودان من لا يعرف كنه حزب المؤتمر الوطني فهو ليس بحزب طبعي في الواقع , لم ينشأ كما تنشأ الأحزاب العادية ليعبر عن مصالح طبقية لفئات في المجتمع , إنما هو حزب تأسس كجهاز حكومي   قوامه الرئيس الأفراد الذين سيطروا على السلطة بكل مفاصلها وبكامل مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والاعلامية , وهم عندما يحضرون الى جلسات مؤتمرهم العام هذا تتبعهم سمات ومميزات المنصب السلطوي الحكومي الذي يحوزون , وتبعا لذلك تكون مناقشاتهم وتوصياتهم , فهم لا يتحدثون بلسان الطموح والمستقبل وبفرضية إذا الشرطية إذ لا شرطية واردة في أذهانهم , إنهم يقودون الاصلاح كما يقول شعارهم ويستكملون النهضة , ولا حاجة لهم بفحص هذا الشعار أو مطابقته للواقع , فرئيس المؤتمر ليس بالضرورة أن يمتلك الكفاءة والكاريزما وسمات الرئاسة من سعة أفق وخيال خصب ووعي انساني رفيع بمطلوبات حياة الناس , ولكن يكفي أن تكون الرئاسة بالنسبة له مسألة حماية من الملاحقات الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وابادة جماعية وتطهير عرقي لمجموعات من أبناء ذات الوطن الافتراضي الذي يقول الشعار أنهم يريدون قيادة اصلاحه واستكمال نهضته ,ويكفي أن يكون انجازه التاريخي الوحيد هو فصل ثلث بلده , تطبيقا لفكرة قديمة ظلت تلازمه منذ أن كان ضابطا بالقوات المسلحة فحواها ببساطة شديدة أن الجنوبيين لا يمكنهم العيش مع بعضهم عليه يجب فصل الجنوب فورا وسيقتتلون فيما بينهم وسيطلب فريق منهم يشكل الأغلبية القبلية هناك مساعدة حكومة الشمال حينها ستتدخل حكومة الشمال لصالح تلك القبيلة بعد أن تملي عليها شروطها وتنصرها على بقية القبائل . هذا هو التفكير الاستراتيجي للقائد الفذ الذي لم يجد حزب المؤتمر الوطني عوضا عنه فتأمل ولا تعجب أن كانت خطبه بعد ظهور نتائج الاستفتاء وانفصال الجنوب (أنه , أي الجنوب كان عبئا على الشمال) , وقد نسب لدكتور الترابي  رأيا في المؤتمر الوطني عقب طرده منه مفاده أن الاتحاد الاشتراكي أيام مايو كان يضم حتى فقرا الخلاوي ( كنا نذهب لدارفور فنجد شيوخ وفقرا الخلاوي اتحاد اشتراكي ولكنه تبخر عقب انتفاضة رجب المباركة )  وفي اشارة الترابي تلك يكمن جوهر ما يسمى بالمؤتمر الوطني فهو من أسسه ويعرفه طوبة طوبة و يكفي أن يكون القادة المحليون في القرى والفرقان وشيوخ الطرق الصوفية وزعماء القبائل قد انضموا لهذا التشكيل السلطوي المسمى حزبا وما هو بحزب  وحتى هولاء انضموا وبايعوا لمصالح ذاتية محضة , وبعضهم( تقية )كما في مذب الشيعة كما انضم  انضم اليه بعض الذين يتوقون لوجاهة اجتماعية أو كسب دراهم دون حساب , أو وعود بالتوظيف في شركات النفط وطلق اليد في مؤسسات التمويل من بنوك وأموال الزكاة وحتى أموال المانحين لمنظمات المجتمع المدني ومشروعات الخدمات , مع الضمان والأمان من أي محاسبة أو مساءلة فتلك المحاسبات والمساءلات لا تتم باعتبارها جزءا من نظام العمل ولكنها تجري كوسائل تأديب تنظيمي , هذا هو قوام ما يسمى بالحزب المخيف كما وصفه رئيسه وهو بالحق مخيف كالغول وفي رواية د. حيدر ابراهيم عن طبع الضباع , فهي من لؤمها لا تفترس جائعة فحسب بل تفترس لتخرب ولذلك يمكن للضبع أن يقتل كل القطيع ويكتفي بأكل جزء من حمل صغير , تماما كما يفعل السلطويون الذي يتسمون باسم حزب , ومن ضمن المنتمين اليه قيادات ومعظم إن لم يكن كل أفراد جهاز الأمن (الوطني) ولابد من وضع الوطني بين قوسين للتفريق بينها وبين النسبة للوطن , فقد امحت المسافة الفاصلة بين ما للوطن وما للوطني , فتراهم في لغتهم وأدبياتهم يلغون فاصلة الوطن وهم يحددون (سنسمح لهذا بهذا ولن نسمح بهذا لذاك) وما يسمحون به وما لا يسمحون هو من صميم حقوق أي مواطن في الوطن , ولكنهم ما عادوا يتذكرون أنهم جزء من كل بل قر في دواخلهم أن ليس هناك كل بل هم الكل وكل ما عداهم جزء ! وهنا وجه من أبرز مفارقة الديمقراطية , فالديمقراطي نسبي في حكمه على الأشياء وكل من يحتكر الكل لا يمت للديمقراطية بصلة وإنْ عقد مؤتمراته واحتكر الاعلام وتضليل الرأي العام . ولأن الكذب والتضليل هو السلاح الفتاك الوحيد المستخدم لدى هولاء الحكوميين فلا مناص من تلفيق الأكاذيب ومواصلة التضليل ولي عنق الحقائق واطلاق الشعارات ورصّ التراكيب والجمل الانشائية الفارغة المضمون , فكيف يكون حزبا قائدا لوطن رائد وكل المؤشرات العلمية والدراسات والاحصاءات في مختلف مجالات الحياة تؤكد الخيبة , ف65مليار دولار تنفق على الأجهزة الأمنية, بيما كل أمراض العصور السحيقة تنهش في أجساد الآف المواطنين , وتتزايد معدلات السرطانات والفشل الكلوي بصورة مخيفة في ولاية الجزيرة , التي جاء وفدها الحاكم ليحضر الجلسات المؤتمرية في أرض المعارض بالخرطوم مكون من كل ذي ملفحة وعمامة بيضاء وجلابية مكوية وشال وغرة صلاة !وصاحبة ساعد (يكشكش) بدهيبات , تعتمر خمارا وثوبا غاليا آخر صيحة موضة في سعد قشرة , وفي النيل الأزرق دوي المدافع وأزيز الأنتينوف يحصد كما في جبال النوبة ودارفور أرواح المواطنين في البلد الرائد بقيادة الحزب لقائد ليستكمل النهضة ويقود الاصلاح في ترديد ببغاوي للكذب والتضليل , ثم تأتي ما تسمى بانتخابات المجلس القيادي وقبلها ترشيحات رئاسة الحزب وتقديم مرشح الرئاسة العامة لتبصم على نوعية الحزب القائد وعنصريته وهيمنة الجهة والعرق على مفاصله , وفي سيناريو بائس تتم الترضيات بكبشور كوكو قمبيل رئيسا لمجلس لا يشاور اسمه (مجلس الشورى ) وبجانبه كاشا الذي قاد من قبل مجلس ولايته التشريعي ليعلن على الملأ (أن المال العام للنهضة الزراعية تحتكره جهة محددة )بينما الجهات التي تفيض بالامكانات الزراعية تنهض فيها المليشيات القبلية وهو ما لم يقله كاشا ولكنه الواقع الذي يتحاشى ذكره لأن هناك شك معقول بأن لكاشا نفسه يد واسهام فيما يجري من مأساة الدم المراق في دارفور  . أي حزب هذا وخططه للحكم , حرق المحاصيل الزراعية واستخدام سلاح التجويع ضد قطاعات معينة من الشعب كما في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور ؟ هل هذا حزب أم عصابة ؟ ومقابلة الاحتجاجات السلمية , والتي تعتبر من مظاهر الديمقراطية  مقابلتها بالرصاص في قلب المدن وسوح الجامعات , هل هذا حزب أم أخطبوط ذاك الذي يستخدم الاجراءات الأمنية وأساليب التجسس وسؤ الظن والشعور بالذنب في كل خطوة يخطوها , وقد تمكن ببراعة الخبثاء أن يجرد كل الفضائل من محمولاتها الايجابية وجعلها مسخا مشوها , ولدرجة اقامة الاحتفالات فرحا بنزاهة (راعي غنم سوداني في السعودية رفض التفريط فيما أؤتمن عليه من أغنام ) وكأنه حقق اعجازا غير مسبوق , وبالفعل فإن لذاك الراعي انجاز اسمه الأمانة في ظل سلطة أعدى أعدائها النزاهة والأمانة! هذه هي سمات ديمقراطية الحفل والمهرجان , كم بلغت التكلفة المالية لذاك المحفل الكذوب ؟ ما هي الشركات ال500 التي مولته , فيما تعمل وما هو انجازها وأين ؟ في سوق المواسير أم شركة الأقطان أم مكتب والي الخرطوم أم عارف والفيحاء وخط هيثرو أم في الحج والعمرة ؟ اجيبوا واحكموا بعد ذلك بأنفسكم سادتي القراء .