محمّد جلال أحمد هاشم* الحدود الجزائيّة دعونا الآن نواصل استعراضنا للعقوبات الحدّيّة حسبما يذكرها الفقهاء، استشهاداً بسيّد سابق، ذلك لنرى كيف لم تتحدّد عقوبة بعينها لشرب الخمر، مقابل عقوبات واضحة نزلت بشأنها آيات إزاء ما يعرف بجرائم الحدود التي عُدّت الخمر واحدة منها:

«… وعقوبة جريمة القذف ثمانون جلدة. يقول الله سبحانه: ﴿والذين يرمون المحصناتِ، ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدةً، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون﴾ [النّور: 4]. وعقوبة جريمة السّرقة، قطع اليد. يقول الله تعالى: ﴿والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديَهما، جزاءً بما كسبا نكالاً من الله، والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: 38]. وعقوبة جريمة الفساد في الأرض: القتل، أو الصّلب، أو النّفي، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف. يقول الله سبحانه: ﴿إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسولَه ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا، أو يصلّبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ، أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزيٌ في الدّنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [المائدة: 33]. وعقوبة جريمة السكر، ثمانون جلدة، أو أربعون على ما سيأتي مفصلا في موضعه. وعقوبة الردة القتل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من بدّل دينه فاقتلوه”. وعقوبة جريمة البغي: القتل لقوله سبحانه: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلتا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فاقتلوا التي تبغي حتّى تفيءَ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل، واقسطوا إنّ الله يحبُّ المقسطين﴾ [الحجرات: 9]».

بخصوص عقوبة الرّدّة، هناك آية السّيف في سورة براءة، وهي أقوى أثراً وأوضح حكماً من الحديث؛ فإذا وجب القتل في جميع من لا يؤمنون بالإسلام، كان أوجب فيمن ارتدّ عن دين الإسلام. ولكن قد يُقدح في هذا بأنّ قتل المرتدّ أسبق لآية السّيف. ولكنّها هكذا وردت في موطّأ الإمام مالك، حيث يحكي:

2161 – حدّثنا يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم: أنّ رسول اللَّه (ص) قال: « من غيَر دينه فاضربوا عُنُقَه»؛ 2162 – ومعنى قول النّبيّ (ص) فيما نرى واللَّه أعلم «من غيّر دينه فاضربوا عُنُقَه». أنّه من خرج من الإسلام إلى غيره، مثل الزَنادقة وأشباههم، فإنّ أولئك إذا ظُهِر عليهم قُتِلُوا، ولم يُستتابوا لأَنّه لا تُعرف توبتهم، وأنّهم كانوا يُسرُون الكفر ويعلنون الإسلام، فلا أرى أن يستتاب هؤلاء، ولا يقبل منهم قولهم، وأمّا من خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك، فإنّه يستتاب، فإن تاب، وإلاّ قُتل، وذلك لو أنّ قوماً كانوا على ذلك، رأيت أن يدعوا إلى الإسلام ويستتابوا، فإن تابوا قُبِل ذلك منهم، وإن لم يتوبوا قُتلوا، ولم يعن بذلك فيما نُرى واللَّه أعلم من خرج من اليهوديَة إلى النَصرانيّة، ولا من النَصرانيّة إلى اليهوديّة، ولا من يُغَيّر دينه من أهل الأديان كلّها إلاّ الإسلام، فمن خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك، فذلك الّذي عُني به، واللَّه أعلم.

وجاء في مالك عن الرّجم وآيته المنسوخة قراءةً:

2405 – حدّثني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، أنّه سمعه يقول: لمّا صدر عُمر بن الخطّاب من مِنىً أناخ بالأبْطح، ثُمّ كوّم كومة بطحاء، ثمّ طرح عليها رداءه واستلقى، ثمّ مدّ يديْهِ إلى السّماء فقال: اللَهمّ كبرت سنّي وضعفت قوّتي وانتشرت رعيّتي فاقبضني إليك غير مُضَيّع ولَا مُفَرِّط، ثمّ قدم المدينة فخطب النَاسَ فقال: أيّها النّاسُ قد سُنّت لكم السُّنن، وفرضت لكم الفرائض، وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ، إِلاَّ أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِيناً وَشِمَالاً. وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: لاَ نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَرَجَمْنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكَتَبْتُهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ. فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا.

وأصل الرّجم من اليهوديّة، إذ وردت في التّوراة. ويحكي عن ذلك الإمام مالك في موطّئه:

2396 – ’حدّثنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنّه قال: جاءت اليهود إلى رسول الله (ص)، فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأةً زنيا، فقال لهم رسول الله (ص): “ما تجدون في التّوراة في شأن الرّجم؟” فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: “كذبتم، إنّ فيها الرّجم”. فأتَوْا بالتّوراة فنشروها، فوضع أحدُهُم يدَهُ على آية الرّجم، ثُمّ قرأ ما قبلَها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: “ارفعْ يدَك، فرفع يدَه، فإذا فيها آية الرّجم، فقالوا: “صدق يا محمّد، فيها آية الرَجم”. فأمر بهما رسول الله (ص) فرُجما‘.

جاء الخبر عن الرّجم في زمن الرّسول وصحابته في الموطّأ في المداخل من 2396 إلى 2406.

 ومعالجتُنا لهذه المعضلة في الفقه الحداثوي تقوم على أنّه في ظلّ قيام دولة المدينة الإسلاميّة في عصرها ذاك التبس الدّين بالوطنيّة، وبهذا أصبحت الرّدّة موازية للخيانة الوطنيّة. وعلى هذا جاء الحكم بإعدام المرتدّ كما ظلّ يُعدم خونة الأوطان منذ قديم الزّمان وإلى يومنا الحاضر (سوف نتعرّض لهذا لاحقاً).

بالعودة لموضوعة الخمر نلاحظ أنّه لا يتحدّد لها شكل عقوبة معيّنة، لا في سيرة الصّحابة ولا في السّنّة، دع عنك القرآن. وممّا يؤكّد هذا ما جاء في الموطّأ للإمام مالك عن تذبذب العقوبة وتأخّرها:

2464 – «وحدّثني عن مالك، عن ثَوْر بن زيد الدِّيلِيِّ أنّ عُمر بن الخطّاب استشار في الخمر يشربُها الرّجل، فقال له عليّ بن أبي طالب: “نرى أن تجلده ثمانين، فإنّه إذا شرِب، سكِر، وإذا سكِر هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى”، أو كما قال، فجلد عمر في الخمر ثمانين‘؛ 2465 ’وحدّثني عن مالك، عن ابن شهاب أنّه سُئل عن حدّ العبد في الخمر، فقال: “بلغنى أنّ عليه نصف حدّ الحرّ في الخمر”، وأنّ عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وعبد الله بن عمر قد جلدوا عبيدهم نصف حدّ الحرّ في الخمر». 

تُشير جميع هذه الأحاديث إلى شيء خطير، ألا وهو عدم وضوح عقوبة نظر إليها الفقهاء على أنّها ليست فقط من الحدود، بل وصفوها بأنّها أمُّ الكبائر، وأنّ من يشربها يصبح غير قادر على أن يميّز هل الشّخص الذي يقف أمامه ذكرٌ أم أنثى، وأنّه قد يقع على أمّه ظنّاً منه أنّها امرأة أخرى، وأنّه لا يفرّق بين الليل والنّهار، ولا يعرف هل الشّمس طالعةٌ رأد الضّحى، أم أنّها مالت إلى الغروب، أم أنّها القمر … إلخ. وكلّ هذا إمّا نابع من خيال أناس لا يعرفون الخمر، فتجوّزا في وصفها بما قدح به خيالهم الجامح، أو أناسٍ أرادوا المبالغة في تخويف النّاس من الخمر. وفي كلا الحالين يقود الأمر إلى صناعة محرّم (تابوه) بإزاء الخمر وشربها، وهو ما حدث للمسلمين. فمنهم من يأكلون أموال النّاس بالباطل، لا يجدون في هذا حرجاً، بينما تصطكّ مسامعُهم إذا ما نما إلى علمهم أنّ شخصاً ما قد اكترع له كؤوساً من الرّاح. ولا غرو أن أصبح غاية هم الحكّام الإسلاميّين من قبل هؤلاء الأصوليّين فيما جرت بهم تجربتهم في السّودان (وغيره افتراضاً) تسخير أجهزة الدّولة لضبط شاربي الخمر، بينما هم يأكلون مال السّحت نهاراً جهارا.

جاء في سيّد سابق (1971: 312) قوله بخصوص تحريم الخمر:

«وقد كان النّاس يشربون الخمر حتّى هاجر الرسول [ص] من مكّة إلى المدينة، فكثر سؤال المسلمين عنها وعن لعب الميسر، لما كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما، فأنزل الله عز وجل: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة: 219] أي أنّ في تعاطيهما ذنباً كبيراً لما فيهما من الأضرار والمفاسد المادّيّة والدّينيّة. وأنّ فيهما كذلك منافع للنّاس. وهذه المنافع مادّيّة. وهي الرّبح بالاتّجار في الخمر، وكسب المال دون عناء في الميسر. ومع ذلك فإنّ الإثم أرجح من المنافع فيهما، وفي هذا ترجيح لجانب التحريم، وليس تحريماً قاطعاً. ثم نزل بعد ذلك التّحريم أثناء الصّلاة تدرّجاً مع النّاس الذين ألفوها وعدّوها جزءاً من حياتهم: قال الله سبحانه: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون . . . ﴾ [النّساء:43]. وكان سبب نزول هذه الآية أنّ رجلاً صلّى وهو سكران، فقرأ: ﴿قل يا أيّها الكافرون. أعبد ما تعبدون﴾ [الكافرون: 1-2] إلى آخر السّورة ـ بدون ذكر النفي. وكان ذلك تمهيداً لتحريمها نهائيّاً. ثم نزل حكم الله بتحريمها نهائيّاً. قال الله تعالى: ﴿يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمرُ والميسرُ والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلحون. إنّما يريد الشّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدُّكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: 90-91]. وظاهر من هذا أنّ الله سبحانه عطف على الخمر، الميسر والأنصاب والأزلام. وحكم على هذه الأشياء كلّها بأنّها … رجسٌ … ومن عمل الشيطان … وأنّ ذلك كلّه يوجب الانتهاء عن تعاطي شئ من ذلك. وهذه الآية آخر ما نزل في حكم الخمر، وهي قاضية بتحريمها تحريماً قاطعاً».

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة