عيسى إبراهيم * في المدخل والديباجة أورد الكاتب (المهندس) عبد المنعم في صدر كتابه مدخلاً وديباجة قدمتا في إيجاز وفي جرأة محمودة نقاطاً توضح أبعاد المشكلة المنظورة، 

المتمثلة في أنظمة استبدادية فرضت نفسها على الجماهير بالقوة والغلبة والقهر الممنهج، وتبعها فقهاء سلطان تقيدوا بالسلاطين والملوك وكانت فتاويهم لصالح هؤلاء الحاكمين لا لصالح المحكومين ولم يتجرد نظرهم من التبعية والأنانية بفعل المطمع والخوف والضعف والوهن، يقول الكاتب أن كتابات الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية: “في معظمها بررت لأنظمة استبدادية كانت تعايشها وأصبحت أشبه بالنصائح للملوك والسلاطين منه للبحث المعرفي عن القواعد والأسس”، وفي مقابل ما وصلنا من حالٍ مزري في راهننا المعاش نجد مزايا نسبية تعتمد التداول الدوري للسلطة وتطالعنا في أنظمة حاكمة غربية انتهجت التعددية السياسية عبر انتخابات مع مفهوم مصاحب لمواطنة تجمع بين الجماهير ولا تفرق بينهم بسبب اللون أو الجنس أو المعتقد أو العرق، فالناس سواسية في المواطنة..

تحدث الكاتب أيضاً عن شرط “القرشية” في الحاكم، وقال أنه غير قابل للتطبيق الآن، وعن المفهوم الغامض لأهل الحل والعقد المحصور لديهم في بطانة وعصبة الحاكم، وتحدث عن الشورى باعتبارها شورى للخاصة لا للعامة..

 وهي في الحقيقة (في رأينا) كانت كذلك لأن أهل الحل والعقد (إذا جردنا المفهوم وحررناه من ما أورده الكاتب عبد المنعم من أنها عصبة الحاكم المستبد وبطانته) هم من أصحاب الرأي آنذاك، تحت إمرة وصاية رشيدة تعلم ما تفعل، وتستشير أهل الرأي والمشورة للاستهداء بآرائهم غير الملزمة للمستشير، وحين تعزم (سواء استصحبت رأي البعض أو قطعت برأيها) تمضي متوكلة على الله، ومن هنا يتضح أن قول الكاتب وتزمره من أن الشورى صارت “شورى خاصة ” أو أنها “هي شورى معلمة وليست ملزمة عند معظم المدارس”، وتستدرك حسرة الكاتب وتأسفه أن هذه الشورى لم تكن ملزمة لتتوافق مع الممارسة الديمقراطية الآنية، ومحاولة الكاتب أن يوائم (كما جرى من مقدم الكتاب) بين التراث والمعاصرة بنقل الشورى لتكون ملزمة، ونكون متفردين عن الغرب الذي انتهج الديمقراطية!، ولا نريد أن نعود إلى مناقشة أمر الشورى الذي أوسعناه حفراً وتنقيباً وترسية، ولكننا نتساءل ونعيد طرح السؤال بلا ملل:  طالما أن أمر السياسة أمراً اجتهادياً بحتاً تحكمه مصلحة الناس، فلماذا لا ننتهج الديمقرطية منهجاً في حياتنا العامة بضوابطها وارثها المدون والمحفوظ في تراثها وتجاربها، طالما أننا لا يمكننا أن نقفز بالشورى من ضوابطها المحددة، إلى ضوابط لا تشبهها وغير مجمع عليها، كما بينا أن من خالفها هم حُداتها، وهي قفزة – على كل حال – غير مضمونة العواقب!.

 

علي عبد الرازق وأصول الحكم

 

وصف الكاتب مساهمة الشيخ علي عبد الرازق في كتابه “الاسلام وأصول الحكم” بانه فجَّر أسئلة السلطة ونظام الحكم بأقوى ما يكون، وذكر أن نتائج بحثه خرجت بأن منصب الخلافة ليس منصباً دينيا،ً بل هو منصب زمني، يتبدل وتتغير شروطه وضوابطه بتغير الأزمان وفق مصلحة المسلمين، والصحيح فعلاً أن علي عبد الرازق كان فجَّر وهز عرش التراث الفقهي وزلزله، وهو الخارج من بين رصفائه الأزهريين في مؤسسة الأزهر في ذلك الوقت ومن هنا كانت خطورة الكتاب والكاتب والطرح الأكثر جرأة والذي لم يجر على مألوف الناس وسيرهم على الدروب المعبدة التي تخلو من الحفر والـ “دقداق”، ومن هذه النقطة الحرجة تصدى له عدد من الكتاب أكثرهم شهرة الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر آنذاك بكتاب “نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم”، ثم توالت الردود على الكتاب، فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: “نقض الإسلام وأصول الحكم”، وكتب الطاهر بن عاشور: “نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم”، وأرَّخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس (أستاذنا بكلية دار العلوم وصاحب كتاب النظريات السياسية الاسلامية) للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالته: “الإسلام والخلافة”.

” يُعد كتاب الإسلام وأصول الحكم استكمالا لمسيرة تحرير فكري بدأها الإمام محمد عبده في كتابه “الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية” وقاسم أمين، والشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد” وتبعهم عبد الوهاب المسيري في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة” وأخيرا راشد الغنوشي في مؤلفاته مثل “مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني” (ويكيبيديا الموسوعة الحرة)

يرى البعض أنه (أي الكتاب) يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، بينما يرى البعض الآخر أنه أثبت بالشرع وصحيح الدين عدم وجود دليل على شكل معيّن للدولة في الإسلام، بل ترك الله الحرية في كتابه للمسلمين في إقامة هيكل الدولة، على أن تلتزم بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة، والكتاب أثار ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من “الخلافة” حيث نُشَر الكتاب في نفس فترة سقوط الخلافة العثمانية وبداية الدولة الاتاتركية، بينما كان يتصارع ملوك العرب على لقب “الخليفة” (المصدر السابق).

سحب الأزهر شهادة العالمية من مؤلف الكتاب، ودافع عن الكتاب الكثير من المفكرين، منهم الدكتور محمد حسين هيكل حيث كتب مقالاً شديد السخرية في جريدة السياسة يسخر من القرار، واستقال عبد العزيز فهمي من وزارة الحقانية في وزارة زيور باشا في 13 مارس 1925 م، ووقف إلى جوار علي عبد الرازق حتى ترك الوزارة احتجاجًا على الظلم، وكذلك دافع عباس محمود العقاد عن عبد الرازق في مقال في صحيفة البلاغ، وكتب سلامة موسى مقالاً في جريدة المقتطف دافع فيه عن حرية الفكر والإبداع ورفض الرقابة الفكرية. (المصدر السابق).

يقول الكاتب (المهندس) عبد المنعم: “أورد المحامي خليفة السمري في مقالاته أن مصادرة الكتاب والأمر بحرقه ومنع نسخه من التداول مثالاً واضحاً على الحجر الفكري الذي فرضه أهل السياسة على الفقهاء وعطلوا به نمو الفكر السياسي وتطوره ووصف بحق ما أسماه أدواء الانقسام النفسي والفكري في غياب الرؤية والتفكير الخلاق فيما يخص الدولة عند الناشطين والمفكرين المسلمين”

مما تقدم يتضح أن الكاتب يركن إلى ما أورد من كتابات السمري في اتجاه تقويم كتاب “الاسلام وأصول الحكم” لعلي عبدالرازق وتعضيده، وما أوردنا من كتابات الشيخ علي عبدالرازق الذي أكد في جوهر تناوله أن الاسلام دين لا دولة، وجرى فحوى رأيه في اتجاه تأكيد أن الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام، بل هي مسألة دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية، ولم يرد بيانٌ في القرآن – حسب رأيه – ولا في الأحاديث النبوية ما يؤكد وجوب تنصيب الخليفة أو اختياره. وكان من الممكن أن يكون الكاتب حر التفكير، طالما أنه قرر أن أمر السياسة من الأمور الاجتهادية المرتبطة فحسب بمصالح الناس!.

 

الشورى عودٌ على بدء

 

يصر الكاتب على اعادتنا إلى موضوع الشورى مرة أخرى في عنوانه “اشكالية الشورى: الكيفية والآليات”، ويقدم افادة بلا سند واضح في أن الشورى “ملزمة”، يقول الكاتب: “وقد جاء معنى العزم الوارد في الآية (يعني: “فاذا عزمت فتوكل على الله”)، في الحديث، أنه استشارة أهل الرأي ثم اتباعهم”، ولم يورد حديثاً بهذا المعنى، ولا مصدراً لحديث بهذا الشكل، والبداهة تقرر أن لو كان هناك حديث متفق عليه بهذا الشكل – كما ادعى الكاتب – لقلب موازين أمر الشورى رأساً على عقب، ولما كان موقف جمهور المسلمين على أن الشورى “معلمة” وليست “ملزمة” كما جرى الأمر في أحاديثنا السابقة!.

والحديث الذي يعنيه الكاتب ورد في مرجعين الأول كالآتي: ” وقال (ص) : (الحزم مشاورة ذويّ الرأي و اتّباعهم)(1).

المصدر (1) المحاسن ص 600 – 601“، وفي المرجع الآخر جاء كالآتي: “ عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) قال: قيل لرسول الله (صلى الله عليه  وآله وسلم) ما الحزم ؟ قال: (مشاورة ذوي الرأي واتباعهم)(139).

139 – وسائل الشيعة: ج 8، ص 424، ح 1. (المصدر على الرابط: http://www.alshirazi.com/compilations/patg/alshora/part.6/1.htm)”.. ولا نريد التعليق على الروايتين ولا مصدريهما، ونكتفي بتعليقنا الذي ورد في معرض حديثنا عن ما جاء ضمن قول “الكاتب عبدالمنعم”.

 

** يسير الكاتب عبدالمنعم في طريق الذين يعتبرون أن الشورى من خصائص المجتمع المسلم، فقد أورد في صفحة 30 من كتابه الذي نحن بصدده الآن، ما يؤكد ذلك حيث قال: “جعل القرآن من الشورى خصيصة من خصائص المجتمع المسلم، وذكر الآية “وأمرهم شورى بينهم” استتباعاً لبعض المصادر (المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب (الرابط: http://www.taghrib.org/pages/content.php?tid=84)، التي تناقش أمر الشورى، والتي قالت أن الكلمة جاءت في ثلاثة مواضع، الموضع الأول في سورة البقرة واختصت بشؤون الأسرة في الآية 233: “…فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور فلا جناح عليهما…”، والثانية خاطبت النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أسلوب تعامله مع أصحابه ووردت في الآية 159 من آل عمران: “…وشاورهم في الأمر…”، والثالثة في سورة الشورى الآيات 37، 38: “… والذين استجابوا لربّهم و أقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون  …”، وقالت المصادر: “والشورى في الآيات الثلاثة كانت ممدوحة من قبل الله تعالى، ابتداءً من الأسرة كأصغر وحدة اجتماعية، ومروراً بالعلاقة بين الحاكم الاسلامي وأصحابه ورعيته، وانتهاءً بعلاقات المؤمنين فيما بينهم والخصائص المميزة لهم“، وتريد المصادر أن تخرج من خلال هذا الايراد إلى أنه يمكن أن تكون الآية الأخيرة “وأمرهم شورى بينهم” هي عمدة العمل بين المسلمين بعد انتقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ومجابهتهم بأن الشورى معلمة في حق النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) وهو مسنود بالوحي يصححه إذا أخطأ، وهم يفعلون ذلك ولا يدركون أن الشورى في ثلاثة المواضع؛ سواء كانت بين الزوج وزوجته، أو بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته، أو بين المسلمين فيما بينهم، تقع كلها تحت الوصاية، وصاية الرشيد على القاصر، ففي حق الزوج يأتي أمر القوامة: “الرجال قوامون على النساء…”، وفي حق الحاكم والمحكومين عموماً ترد الآية الفاصلة: “…فإذا عزمت فتوكل على الله…”، وحديث وجوب الأمارة واضح “عَنْ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏: ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏: ‏إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ . رواه أبو داود (2708)“، وفي كل الأحوال يأتي القول بأن رأي المستشار ليس ملزماً للذي يشاور وهو في موضع المشاورة، ولم يبق غير الخروج – في كل الأحوال – من قيد الوصاية، إلى سراح المسؤولية عن القول والفعل، وفق قانون دستوري يوفق بين حاجة الفرد للحرية وحاجة الجماعة للعدالة، وهو ما يمكن أن يتوفر تحت ظل حكومة قومية تنتهج الديمقراطية!!..

    

بين دولة المدينة والدولة القومية

 

تحدث “حيدر الخليفة” في تقديمه الكتاب عن دولة المدينة وقال: “دولة المدينة بدأت كدولة صغيرة تتميز بالانسجام بين مكونها البشري وبشبه وحدة ثقافية وهي تخلو من التعقيدات الادارية ويسهل جمع سكانها للنقاش والاستشارة وأخذ الرأي ويمكن الوصول إلى معظمهم” وقال عنها أيضاً: “يجب الأخذ في الاعتبار الفارق الكبير بين دولة المدينة البسيطة التكوين والدولة الحديثة المعقدة”.

وللحديث عن الدولة القومية في حيز الواقع الآني يمكن استعراض ثلاثة نماذج بالغة التعقيد والتناقض في مكوناتها البشرية وأبعادها اللونية (العرقية) إلى آخر هذه التمايزات المتباعدة:

1/ الدولة الأمريكية: وهي دولة خليط من أعراق مختلفة وديانات متباينة وألوان (قوس قزح) تتمدد من أقصى البياض مروراً باللون الأصفر وانتهاء بأقصى السواد بتدرجاته المختلفة، وثقافات خليط متعايشة في ما بينها ومحافظة على محدداتها ومتفاعلة مع محيطها تتجاذبها تيارات الاندماج من جهة وتيارات التنافر من جهة أخرى ومجموعة من اللغات المحلية والاقليمية والقومية ومع ذلك هي تتعايش تحت ظل نظام فدرالي قومي في شكل ولايات تحافظ على خصوصياتها وتفتح خطوطها نحو القومية وتزاوج بين المركزية والولائية، وتنتهج الديمقراطية في السياسة.

2/ الدولة الهندية: وهي مثال حي في التعايش بين مكوناتها المتناقضة من حيث المعتقدات الهندوسية والبوذية والسيخ والاسلامية (فهي رغم انفصال الباكستان والبنقلاديش عنها على أساس ديني ما زالت تحتفظ بمجموعات مقدرة من المسلمين يتجاوز عددهم المائة مليون نسمة) والمسيحية واليهودية وغيرها من الاتجاهات الدينية (ويكفي لتحديد التباين أنها دولة فيها من يعبد البقر وفيها من يأكله)، ومن حيث اللون فهي خليط متباين، وتتمتع الهند بثقافات متعددة، وهي تدير التباين بين مكوناتها بكفاءة واقتدار، تخفق أحياناً وتنجح كثيراً، بأسلوب ديمقراطي في السياسة، وتعتمد المواطنة معياراً مقبولاً بلا تفرقة بسبب المعتقد أو العرق أو الجنس، وفيها مجموعة من اللغات المحلية والقومية!.

3/ الدولة السودانية: انفصال جنوب السودان عن طريق الاستفتاء لم يكن عاملا يدلل على انسجام القطر وتماثله عرقاً ولوناً ومعتقداً وجنساً كما يدعي البعض (يقول مؤلف الكتاب في صفحة 43 من كتابه: “في دولة الشمال سيقل التباين العقدي وإن لم يختفِ تماماً – حوالي 96% مسلمين – ولكن التباين الاثني بين ما هو عربي – أفريقي في الهوية سيظل محل أخذ ورد”) وانما كان دليلاً ظاهراً بالغاً على فشل السودانيين في ادارة التنوع، فالسودان من حيث اللون والمعتقد والثقافات لا يختلف عن الدولتين المشار إليهما “الأمريكية والهندية” إلا في زيادة تخلفه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فالسودان من حيث اللغات به أكثر من سبعين لغة وليس لهجة، والمعتقدات تبدأ من الديانات الافريقية المحلية الموقلة في القدم وتمر بالمسيحية وتنتهي إلى الاسلام، وفي الاثنيات حدث ولا حرج. والسؤال المنطقي المزمن هو: كيف يحكم السودان لا من يحكمه؟!.

 

التناقض بين نتائج عبدالمنعم ومقدمات حيدر

لقد أبرزت مقدمة حيدر للكتاب روحاً متسامحة متفهمة للتباين ودعت إلى تمثل روح الدين حالاً ومقالاً واتجهت إلى القول بأهمية ابراز تميز الاسلام لا حاكميته، يقول حيدر في تقديمه: “إن عالمية الاسلام تعني سيادة الاسلام روحاً وفكراً وليس سلطة لأن الاسلام جاء لاعمار النفوس واعادة بناء هياكلها الروحية وليس بناء هياكل الدولة فقط”، وقال أيضاً: “ليس المطلوب من المسلمين اليوم… تأسيس دولة جامعة…ولكن المطلوب منهم تقديم الاسلام للآخرين بصورة مقنعة وبقدوة حسنة تغريهم للايمان به واتخاذه ديناً”، هذا ما ورد في تقديم مقدم الكتاب فماذا جاء في متن الكتاب متناقضاً مع هذا الطرح الموضوعي المقبول في اطار دولة قومية شديدة التباين والاختلاف.

يقول (المهندس) عبدالمنعم في كتابه “الاسلام والدولة”: “أورد دستور 2005 مصطلح “الحاكمية لله” وهو مصطلح صكه أبو الأعلى المودودي وتوسع فيه سيد قطب في كتاباته ونال بذلك انتشاراً واسعا، المصطلح دار حوله الجدل وشابه الالتباس، فقد فهم البعض منه نوعاً من التفويض الالهي، لفئة أو جماعة، في السلطة، وحقيقة الأمر أن الحكمية في اطلاقها لله…” ثم يدلف الكاتب ليقول عن الحاكمية: “وبما أن ما أنزل الله هو الكتاب والكتاب هو نص…فإنه كنص يتوسل إليه بأدوات ومحددات ومنهج للفهم والاستيعاب وهذا هو الذي نحتكم إليه، فالحاكمية هي حاكمية كتاب”!. عبد المنعم هنا يدعو في غير مواربة إلى قيام دولة دينية في دولة قومية متباينة وهو هنا لا يتناقض فحسب مع أقوال كاتب التقديم الذي أوردناه، وانما هو يتناقض مع كثير من قادة الفكر الاسلامي المعاصر، فهاهو دكتور يوسف الخليفة أبوبكر وزير الأوقاف السوداني الأسبق يقول في تحقيق صحفي معه : “لن نتجه إطلاقا لأي حكم ديني لأن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية“، (المصدر على الرابط: http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-66222.htm). كما أن جماعة الأخوان المسلمين في أدبياتها الحديثة المنشورة قالت بالدولة “المدنية” لا “الدينية”!.

الانسان بين وهم الارادة وحقيقتها

أورد المؤلف عبدالمنعم في فصل “الحاكمية لمن؟” كثيراً من الآيات التي قال عنها حيدر كاتب التقديم في صفحة (7) من الكتاب: “فقد كان الفقه السياسي يُحاسب بموازين الحلال القطعي والحرام القطعي، بدون أي مساحة اجتهادية، وذلك في مفارقة لمحتوى الشورى نفسها، لأن الشورى هي آراء اجتهادية جمعية، وهو الأمر الذي أسقط مستجدات الواقع وضرورات تعدد الخيارات وافرازات تطور المجتمعات، ويظهر هذا جلياً في التعسف الواضح في تفسير آيات الحكم والحاكمية”ومن لم يحكم بما أنزل الله”، “إن الحكم إلا لله”، وذلك بابتسارها عن السياق العام، ومن دون أي تحديد دقيق متخصص لطبيعة الحكم المراد…”!.

أورد عبد المنعم الآيات: “…إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين” الأنعام 57، و”…إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه…” يوسف 40، و”…إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون” يوسف 67، وآيات “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم…”، (الكافرون، الظالمون، الفاسقون)، المائدة 44، 45، 47، وغيرها كثر، ومن هنا يقرر الكاتب أن الحكمية هي حاكمية كتاب!. فهل تعني هذه الآيات في مجملها حكم الدولة؟!. أو الحكم بمعناه السياسي؟!.

** ونقول بقصد الاجابة في معنى الحاكمية المقصودة الواردة في الآيات المذكورة: خلق الله الانسان وعرض عليه الأمانة “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوماً جهولا”، والأمانة هي الارادة، وهي عند الانسان متوهمة، وعند الله متفردة، والتكليف في الدين فردي وليس جماعي، والمسؤولية – يوم تنصب الموازين – فردية وليست جماعية، “كل نفسٍ بما كسبت رهينة”، والحكم في حقيقته للارادة المتفردة “إرادة الله”، وأرسل الله الرسل وزودهم بالآيات ليسوقوا الناس من ارادتهم المتوهمة (الانسان مسير تسييراً مطلقاً) إلى ارادة الله المتفردة، وعلى رأس الأنبياء؛ سيدهم وخاتمهم النبي الأمي محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم)، وجعل اتباعه في طريقه (طريق محمد عبادة وهي علاقة رأسية بالله، ومعاملة وهي علاقة أفقية بعيال الله ) واجباً يخرج الناس من الظلمات إلى النور،  وجعله (جعل محمداً عليه الصلاة والسلام) مفتاحاً لمغاليق القرآن، فقال: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”، هذه الآيات التي أوردها الكاتب عبدالمنعم هي آيات حقيقة تحكي عن الارادة المتفردة بالفعل في السماوات والأرض القائدة للانسان في طريق رجعاه إلى ربه، ولا يبلغ الانسان ذلك الموضع إلا بالتوسل بالنبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) واتباع طريقه عبادة ومعاملة، حتى يعلم العبد حساً ومعنًى أنه “لا حول ولا قوة إلا بالله”، فيسلم ارادته المتوهمة إلى المريد الواحد المتفرد، ويؤدي الأمانة إلى أهلها: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها”!.

** المطلوب حقيقة من المؤمنين أن يكونوا في سلوكهم ومعاملتهم وأدائهم التواصلي بين الناس وسائر أعمالهم البينية في بعديها الرأسي (بين العبد والرب) والأفقي (بين العبد والعبد) متدينين لا حكاماً دينيين!.

 

 

*eisay@hotmail.com  

* eisay1947@gmail.com