بابكر فيصل بابكر كشفت فترة حكم الإنقاذ الممتدة منذ ربع قرن من الزمان عن الأزمة العميقة التي يعاني منها تيَّار "الإسلام السياسي" الذي طالما بذل الوعود بتحويل المُجتمع إلى مدينة فاضلة بمُجرَّد إستلامه السلطة وتطبيقه للشريعة الإسلامية كما صورَّها في شعاراته "الإسلام هو الحل" و "القرآن دستور الأمة" وغيرها من الشعارات.

وقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالاً للشك – بلغة القانونيين – مدى سذاجة وسطحية تلك الشعارات عندما تم إختبارها في محك السلطة, فقد إتضح أنَّ أصحابها لا يمتلكون رؤىً وبرامج وخُطط  للحكم تتخطى مخاطبة عواطف عامة الناس ومشاعرهم الصادقة تجاه الدين.

وكان من أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة أنَّ أهل الإسلام السياسي يولون عنايتهم الفائقة “للشكليات” دون التركيز على معالجة أمهات القضايا و جذور المشاكل والأزمات التي تواجهها البلاد, وكان أقصى ما جادت به قريحة عرَّاب النظام – الدكتور الترابي عندما سئل عن إنجازات حكم الإنقاذ قوله : الحركة الإسلامية وهي في الحكم أورثت السودانيين تقوى كانت تنقصهم فزادت صلاتهم وقلَّ سكرهم.

وكأنما مُشكلة البلاد كانت تتمثل في كثرة أعداد شاربي الخمر وقلة المُصلين ! إنهُ النهج السطحى الذي لا يأبهُ بالتصدي للمشاكل الحقيقية : غياب الحُرية, الفقر, الأميَّة, الحرب الأهلية, الأمراض, البطالة, وغيرها ضمن قائمة المشاكل الكثيرة التي تعاني منها البلاد.

الإهتمام بالشكليات ينعكسُ في الإكثار من بناء المساجد بينما الفساد والرشوة والمحاباة تزداد في المجتمع, وفي إزدياد إرتداء الحجاب والنقاب وإطلاق اللحى بينما الكذب والنفاق وتدهور الأخلاق يتنامى, وفي أداء الناس لفريضة الحج كل عام بينما هم يمارسون الموبقات دون وجل, وغير ذلك من الأشياء التي تُحوِّل الدين إلى مجرد مظاهر خارجية دون الإنشغال بجوهره الداعي للحرية والعدل والسمو الاخلاقي.

في هذا الإطار أوردت صحيفة “آخر لحظة” تصريحاً لرجل عرَّفتهُ بأنه “الداعية الشيخ الدكتور” أحمد مالك رئيس إتحاد قوى المسلمين طالب فيه الحكومة ( بإصدار قرار فوري يقضي بفك الاختلاط في الجامعات السودانية أسوة بجامعة القرآن الكريم وجامعة أم درمان الإسلامية ) وقال إنَّ ( الإختلاط له مخاطر مدمرة للتعليم والأخلاق والدين، و أن الأفضل ثقافياً وفكرياً وأخلاقياً أن تكون غير مختلطة ).

الحديث أعلاهُ يعكسُ نظرة سطحية تُوحي بأنَّ التعليم المُختلط يتسببُ في تدمير الأخلاق والدين, وهو حديث يجافي حقائق الواقع حيثُ ظلَّ هذا النوع من التعليم موجوداً في السودان لعشرات السنين, ومع ذلك لم يقل أحدٌ أنهُ تسبب في تدهور الأخلاق وإنحطاط المُجتمع.

تخرج مئات الآلاف من الطلاب والطالبات في جامعة الخرطوم والقاهرة الفرع والجزيرة ومعهد الكليات التكنلوجية وجوبا – وهى الجامعات الأقدم – وأصبحوا أرباباً وربَّات لأسرٍ كريمة رفدت المجتمع السوداني ببنين وبنات صالحات في مُختلف المجالات.

كان التعليمُ والتحصيلُ هو همَّهم الأول, وقد ساهم وجودهم سوياً في ساحات الجامعات في خلق الإنسجام الطبيعي بين الرجال والنساء في إطار من الخلق الكريم والقوانين المُحكمة والأعراف التي تنظم تلك العلاقة بسلاسة ويُسر, فلم نسمع بجرائم إغتصاب أو تحرش جنسي أو غيرها من الأمور والممارسات التي تشكل نوعاً من الإنحراف الأخلاقي.

كان الطلاب ينظرون لزميلاتهم في الجامعة نظرتهم لأخواتهم في المنزل, ولم يكن أحدهم يتجرأ على تجاوز حدوده في العلاقة – ليس بسبب القوانين الرادعة فحسب – ولكن بسبب التربية والأخلاق التي نشأ وتربى عليها في أسرته وبين إخوانه وأخواته.

أمَّا وقد حلَّت بالمُجتمع بأكمله منذ ربع قرن من الزمن مصائب غير مسبوقة : الإستبداد الطويل, الأزمات الإقتصادية العميقة, الفوراق الطبقية الحادة, الفساد المستشري, التدهور الأخلاقي, التفكك الأسري , فقد كان للجامعات نصيبها من تلك المصائب, فهي ليست جزراً معزولة عن محيطها الخارجي.

وما أصاب الجامعات من مشاكل لم يقتصر على الجامعات المُختلطة, بل إمتدَّ لجميع الجامعات – بما فيها غير المختلطة – ذلك أنَّ أسباب تلك المشاكل أسباب مُجتمعية, وبالتالي فإنَّ أية رؤية علمية جادة لحلها لا بدَّ أن تخاطب جذور المشاكل, فالإختلاط في الجامعة ليس مسؤولاً عن إنتشار المخدرات, وهو كذلك ليس مسئولاً عن المشاكل الاخلاقية الأخرى.

فعلى سبيل المثال, من هو المسؤول عن إنتشار ظاهرة إغتصاب الأطفال التي لم يكن المُجتمع السوداني يعرفها في الماضي ؟ هل هو الإختلاط الجامعي ؟ وهل إمتلاء دور الرعاية الإجتماعية بالأطفال اللقطاء هو نتيجة للإختلاط الجامعي ؟ وهل إنتشار المخدرات ظاهرة مرتبطة بأسباب مُجتمعية مثل البطالة وإنعدام الفرص والكبت والتفكك الأسري أم هو نتيجة للإختلاط الجامعي ؟

بالطبع لا يملك (عُلماء) الدين هؤلاء إجابات على هذه الأسئلة – جهلاً أو خوفاً أو تعمداً – بل يلجأون دوماً إلى تشغيل الأسطوانة المشروخة التي ملَّ الناس من سماعها وأضحت سبباً رئيسياً من أسباب التواكل وعدم السعي لحل المشاكل التي نتسبب فيها نحنُ, وهي أسطوانة “المؤامرة” والإستهداف الخارجي.

الشماعة الجاهزة التي علق عليها “الداعية الشيخ الدكتور” أسباب مشاكلنا في نفس التصريح هى كالعادة : ( الغزو الكنسي واليهودي والصهيوني والإمبريالي ) أي والله قالها بهذا الترتيب, ولا أدري لماذا لم يُضف إليها “الماسوني” حتى تكتمل الصورة !

هؤلاء (العلماء) بزعمهم متخصصون في صرف الناس عن مُخاطبة قضاياهم الحيوية ومشاكلهم, فهاهو عبد الحي يوسف يفتي في موضوع “رقيص العروس”, وهاهو رئيس هيئتهم محمد عثمان صالح يُخبر “بالحكم الشرعي للمساج”, أمَّا (الوقور) سعد احمد سعد فلم يجد بداً من إطلاق العنان لخيالاته كي يخبرنا بأنَّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد تم الإشارة إليها في القرآن الكريم ! 

أمَّا الحل الذي يطرحهُ “الداعية الشيخ الدكتور” لجميع هذه المشاكل فيتمثل في : ( ضرورة أن تتبنى الدولة نظاماً اجتماعياً إسلامياً يحفظ الأسرة والمجتمع والتحرك لمواجهة الغزو الغربي ). إنتهى

بالطبع هو يرى أنَّ الإختلاط الجامعي نوع من انواع الغزو الغربي, ولكنه – شأنه شأن جميع أهل الإسلام السياسي – لا يستطيع أن يقول لنا ماهو “النظام الإجتماعي الإسلامي” الذي يرغب في تطبيقه حتى يتحول المجتمع لمدينة فاضلة, فهؤلاء القوم يهرفون بما لا يعرفون, هكذا علمتنا التجربة الممتدة منذ ربع قرن.

ولنا كذلك أن نسأل “الداعية الشيخ الدكتور” لماذا فشلت حكومتنا “الإسلامية” في إقامة هذا النظام الإجتماعي الإسلامي طيلة السنوات الماضية ؟ ولماذا إلتزمتم الصمت تجاه التدهور الكبير الذي أصاب المُجتمع حتى وصلنا لهذا الدرك الذي جعل أحد الكتاب المنتمين بشدة للحكومة يقول أنها أضاعت “الدين والدنيا” معا ً ؟

وما هى الضمانات التي تحمينا ضد كل شخص ياتي يقول لنا أنا من سيطبق النظام الإجتماعي الإسلامي ؟

وفوق هذا وذاك, من الذي قال لكم أنَّ النظام الإجتماعي الذي كان سائداً في بلادنا قبل إطلالتكم البهيَّة يخالف الإسلام أصلاً ؟ انا زعيمٌ بأنَّ إسلام أهل السودان كان لا يضاهى بأى مجتمع آخر : إسلام التكافل ونجدة الملهوف, ومساندة الفقير والضعيف, إسلام العدل الإجتماعي, إسلام التسامح والحرية.

من قال لكم أننا بحاجة لإسلامكم “المستورد” الغريب عن طبيعة هذه البلاد وهذا الشعب, فنحن قومٌ لم ننس الله في يوم من الأيام, نحنث قومٌ  قال عنهم الأديب الراحل الطيب صالح ( حين يضحكون ، يقولون : “أستغفر الله” . وحين يبكون ، يقولون : “أستغفر الله” ).

ختاماً : لا أملك سوى أن أردد الكلمات التي جادت بها عقيرة شاعر البطانة ومطربها المقدَّم “الفرجوني” :

ﻗﻮﻝ ﻳﺎ ﻛﺎﻓﻲ ﻣﻦ ﺯﻣﻨﺎً ﻧﺼﻴﺤﺘﻮ ﺗِﻤِّﻠﺲ                                                                                         قول يا كافي من زمناً غنيهو مفلس                                                                                           قول يا كافي من زمناً فكيهو مدلس                                                                                             نحن هلكنا يا رب المساكين خلس

    

ولا حول ولا قوة إلا بالله