عيسى أبراهيم * جون فول: انحسار العلمانية والمستقبل للدين لعل تخوف بعض (*) الاسلاميين السياسيين من اعتناق الديمقراطية في المجال السياسي، هو اطلاعهم على التجارب الغربية التي انتهجت العلمانية في حركتها السياسية، 

وقد نتج ذلك من التجارب المريرة التي افرزها استغلال رجال الدين للدين في المجال السياسي، وتقييد التجارب السياسية بمفاهيم دينية لا تقوى على الثبات أمام المنطق المادي التجريبي في الحياة المعاصرة، ولعل عقد رجال الدين محاكم التفتيش لكثير من علماء العصر في منتجاتهم العلمية التجريبية علاوة على استغلال الدين في ابتزاز معتنقيه ببيعهم منازل في الجنة بمقابل مادي، حتى قال ماركس قولته المشهورة: “الدين أفيون الشعوب” هو ما جعل الغرب يسعى بصمامة إلى فصل الدين عن الدولة.

يقول عبد المنعم: “مع الاستقلال في 1956 أخذنا بالنظام البرلماني على نهج “وستمنستر” وهي تركة الوجود البريطاني بالسودان والذي أدخلنا للتأثير الغربي بارتباطاته المعاصرة، لم تمضِ سنتان حتى جاء انقلاب 17 نوفمبربقيادة كبار ضباط الجيش…ذهب نظام عبود بثورة أكتوبر في 1964 وعدنا مرة أخرى للنظام البرلماني وفي أقل من خمس سنين جاء انقلاب مايو 1969،…ثم عاد النظام البرلماني في 1986 ولم يعمر كثيراً وذلك بحدوث انقلاب يونيو 1989″

يلمح الكاتب عبد المنعم بهذا الاستعراض لأنظمة الحكم المتعاقبة على السودان إلى أن السبب في تعاقب الأنظمة البرلمانية القصيرة والأنظمة العسكرية الطويلة نسبياً هو انتهاجنا للديمقراطية التي لم تتح لنا استقراراً سياسياً مستمراً، لأن الديمقراطية (في رأي الكاتب) تتباين مع إرثنا التاريخي والثقافي لمجتمعنا يقول الكاتب في ذلك: “إن استقرار النظام السياسي واستمراره يستمد بقاءه من القناعة العامة به وتعمقه الفكري والوجداني والشعوري عند الشعب المعين ومن ثم خضوعه للإرث التاريخي، الثقافي للمجتمع”، وهو بذلك يقفز على كثير من المقدمات والنتائج في تاريخنا السياسي المعاصر منذ 56 إلى يومنا هذا، فذهاب الأنظمة البرلمانية لم يكن بسبب انتهاج النظام الديمقراطي، ومجيء الأنظمة العسكرية لا يدل على استحسانها كنظام للحكم أكثر توفيقاً من الديمقراطية، والمطلع على تاريخنا السياسي طوال هذه الحقب يمكنه أن يأتي بالكثير المثير الذي لا علاقة له بالنظام السياسي المنتهج، وانما بقصور في الأنظمة الحزبية من ناحية الرؤية والبرنامج، وجاءت الأنظمة العسكرية لأسباب محلية بحتة لا صلة لها بالديمقراطية وانما لها صلة عضوية بالممارسة الديمقراطية، وفرق شاسع بين الممارسة الفعلية والديمقراطية من ناحية مفهومية وكمثال نقول: أن الكاتب لم يكن موفقاً في قوله عن نظام عبود (نوفمبر 58 أكتوبر 64) أنه انقلاب قام به كبار ضباط الجيش، وهو قول يتجافى عن الحقيقة المعاشة، وفي الحقيقة أن نظام عبود لم يكن انقلاباً وانما كان تسليماً وتسلماً من قائد النظام العسكري آنذاك “عبد الله خليل رئيس الوزراء” حين شعر بعد خوضه مجابهة قوية مع النظام المصري حول حلايب، انتصر فيها لفحولة السودانيين، مما جعل القيادة المصرية تنسحب من المواجهة وترجع قواتها إلى سكناتها، كانت الحكومة ائتلافية بين حزبي الأمة (عبدالله خليل) والشعب الديمقراطي (شيخ علي عبد الرحمن)، وقد سعى المصريون للتوفيق بين أزهري الذي كان في زيارة إلى القاهرة آنذاك وعلي عبد الرحمن وهو في القاهرة متزامناً مع وجود الأزهري، والتوفيق يقود بالضرورة إلى ائتلاف بين الحزب الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي لاسقاط الحكومة بقيادة عبدالله خليل، مما جعل الأخير يستشعر الخطر من النفوذ المصري المرتقب، فقام بتسليم السلطة لقيادة الجيش المتمثلة في الفريق عبود، وهو اجراء ديمقراطي طبيعي ومسنود بالدستور والقانون!.

من هنا يتضح أن تخوف الكاتب من الديمقراطية والعلمانية غير مبرر وغير منتتج فالعلمانية حسب التجربة المعاشة في الغرب العلماني إلى زوال والمستقبل للتدين الصادق لا للدولة الدينية:

يقول جون فول *:

“عند الحديث عن العوامل الإثنية والدينية في علم الاجتماع البشري اليوم، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل نحن سائرون إلى صراع أم إلى تصالح؟ ورغم أن مفكرين كمايكل فرانز يرون أن عنصر الدين يمثل مشكلة في عالم اليوم، فإنني أرى أن الدين يصلح أن يكون سبيلا للتصالح والوفاق مثلما يمكن أن يكون أداة للصراع. لذا سأطرح رؤيتي للدين باعتباره حلا وليس مشكلة”.

“إننا نشهد نهاية حقبة كانت تعتبر فيها العلمنة معطى لازما في تطور المجتمعات الحديثة. إننا نشهد نهاية العلمانية.

يمثل هذا الوضع بعدا هاما لما سمي في بعض الأحيان انبعاث أو إحياء الدين – أو الأديان – مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ومرة أخرى، فإن ما ننظر إليه وما نريد أن نركز عليه هو أن فكرة علمنة المجتمع وفكرة استحسان العلمنة المترافقة معها هي مجرد جزء من عالم الرؤى والأفكار المتنافسة، وليست ببساطة توصيفا سوسيولوجيا علميا لما يسمى بالحقيقة الواقعة”.

“ما يجب الإقرار به الآن هو أن الفكرة القائلة بضرورة فصل الدين عن الحياة العامة لأجل تحقيق التحديث قد دحضت من خلال حياة وخبرات وتجارب أناس كثيرين وبلاد عديدة، في شتى أنحاء العالم، وبصورة خاصة في العالم الإسلامي”.

(*) نقول بعض الاسلاميين لأن بينهم من اعتنق الديمقراطية بالكامل في منهجه السياسي (راشد الغنوشي مثالاً) وسيأتي شرح ذلك لاحقاً (أنظر عنوان الازورار عن الديمقراطية إلى متى؟!)

* (جون فول: أستاذ التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم في جامعة جورج تاون بواشنطن – موقع الجزيرة 2010)

الازورار عن الديمقراطية إلى متى؟!

تحدث عبد المنعم عن الديمقراطية الغربية، وقدم ثلاث تجارب لها في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، وأشار إلى اختلاف التجربة من قطر إلى آخر، باعتبار أن كل دولة لها خصائصها النوعية، كلٌ على حدة، (يقول عبد المنعم: لم تأتِ الأنظمة الديمقراطية على نموذج واحد فكل دولة ارتكزت على تاريخها وارثها الثقافي…فهنالك أنماط وأشكال للنظام الديمقراطي بعدد الدول التي تبنته داخل أوربا)، وهو أمر لا يطعن في كفاءة الديمقراطية كمنهج سياسي، بقدر ما يظهر كفاءتها في ادارة التنوع، فالديمقراطية من حيث الشكل العام واحدة، ومن حيث التطبيق تختلف من بلد إلى آخر حيث أن خصائص كل مجموعة تثري التجربة ولا تنقضها، كما أنه تناول بعض تاريخها الماضي غير الموجود راهناً، حيث قال أنها في ماضيها “الأثيني” كانت تقصر ممارستها حصراً على المواطنين الأحرار ذوي الأصل الأثيني، ولا تسمح للغرباء والنساء والعبيد بممارستها، ونقول للكاتب: العبرة الآن في راهنها وليس في ماضيها، واذا كان كبار فلاسفة اليونان ، مثل أرسطو، (حسب قول المؤلف عبدالمنعم)، كانت لهم مآخذ على النظام الديمقراطي، وإذا كنا الآن لنا مآخذ على التجربة الديمقراطية في الغرب، باعتبار أن الرأسمالية تقيد الناخب بفقره وتجعله عرضة للابتزاز من الرأسمالي الذي يحتكر المال، كل ذلك لا يطعن في كفاءة الديمقراطية كنظام أوحد ليس له بديل إلا من داخله!. فما هو السبب الذي يجعلنا نعطي الديمقراطية ظهورنا وهي تملك العلاج لأدوائنا في الماضي وكفيلة بعلاج راهننا المعاش، وفي امكاننا الاحتفاظ من خلالها بخصائصنا التاريخية وارثنا الثقافي في غير تضاد معها!. 

وما يثير الدهشة أن معتنقي الاسلام السياسي في راهن تجاربهم وأفكارهم ليسوا على اتفاق وانما هم في تباين شاسع، فبالرغم من أن الكاتب عبدالمنعم” ينزع نحو هجر الديمقراطية بحجج واهية غير منتجة اطلاقاً كما يطالعنا في كتابه، حيث يلجأ – في سذاجة – إلى استنباط معايير من داخل التراث، تتفق في نتائجها مع الديمقراطية الغربية، وتختلف في وسائلها ومقدماتها وحيثياتها، فهاهو راشد الغنوشي في تونس يقول نقلاً عن بابكر فيصل:

تختلفُ التيارات المنضوية تحت لواء الإسلام السياسي حول قضيَّة نظام الحُكم وطريقة إختيار الحاكم, فمنها من يُنادي بتطبيق “الشورى” كطريقة لإختيار الحاكم ولكنها لا تملك تصوُّراً واضحاً ومُفصلاً للكيفية التي يتمُّ بها تطبيق الشورى, وهل هى ملزمة أم غير ملزمة ؟ ومنها من يقول أنَّ الديموقراطيَّة كفر صراح, وبعضها يقبلها على مضض و لكنهُ يقول أنها تتضمَّن معنىً كفري. إلا انَّ الشيخ الغنوشي يُعلن إنحيازه الكامل للديموقراطيَّة نظاماً للحُكم, والإنتخابات وسيلة لإختيار الحاكم ويقول :

 “غير أنّنا إذا إحتجنا إلى سنِّ قانون في ظِلِّ هذا التعدُّد لا بدَّ لنا من آليّة, و لعلّ أفضل آليّة توصّل إليها البشر اليوم هي الآلية الديمقراطية والآليّة الإنتخابيّة التي تفرز مُمثِّلين للأمّة بما يجعل الإجتهاد اليوم ليس إجتهاداً فردياً و إنّما جماعياً يقوم به ممثلو الأمّة المنتخبون و ذلك في غيّاب كنيسة تمثل المقدّس فوق الأرض, و ليس هناك من ناطق بإسم القرآن والإرادة الإلهية. الإرادة الإلهية تجلّيها الوحيد في الأمّة التي تعبِّر عن الإرادة الإلهيّة من خلال تدافعها و ليس من خلال إحتكار إمام أو حزب أو دولة “. إنتهى

يؤكدُ الغنوشي – خلافاً لتياراتٍ داخل مُعسكر الإسلام السياسي – أنَّ مُهمَّة الدين لا تشملُ تعليمنا طرائق الحُكم ووسائلهِ, بل يُعطينا قيماً اخلاقيَّة توجِّهُ تفكيرنا, ويقول :

 “ليس من مهمة الدين تعليمنا أساليب الزراعة و أساليب الصناعة وحتى أساليب الحكم وكيف ندير الدولة لأنّ كل هذه تقنيّات, و العقل مؤهل فيها إلى أن يصل إلى الحقيقة من خلال تراكم التجارب. مهمّة الدين أن يجيبنا عن القضايا الكبرى التي تتعلّق بوجودنا, أصلنا, و مصيرنا و الغاية التي خُلقنا لأجلِها وأن يعطينا نظام القيم والمبادئ التي يمكن أن تمثل توجيهات لتفكيرنا و سلوكنا و لأنظمة الدولة التي نسعى إليها”.إنتهى

(المصدر بابكر فيصل: http://www.alrakoba.net/articles-action … -29558.htm)

 

* eisay@hotmail.com

* eisay1947@gmail.com