ريم عباس ترجمة الدكتور عمرو عباس في 30 اكتوبر 2014، اكملت "قرفنا" الخمس سنوات. قبل خمس اعوام اقدم ثلاث شبان جيران في ودنوباوي، امدرمان على تكوين منظمة سياسية لمقاومة انتخابات 2010.

لم يكونوا متأكدين من اسم المنظمة او آليات عملها، لكن احدهم جاء بالاسم…..قرفنا. كانوا يريدون اسما قصيراً وملفتاً، اسم يمكن تذكره بسهولة. تم اختيار اللون البرتقالي عشوائياً، عندما لفت نظرهم عندما كانوا يختارون ورقاً ملوناً في احد دكاكين بيع الاوراق.

ولدت قرفنا وهم يحتسون الشاي في منازلهم ويناقشون محتوى المنشور الذي سوف يأخذ طريقه إلى المطبعة. وفي الحقيقة تم اصدار اول منشور في ليلة ولادة الحركة. ومع تواصل نقاشاتهم حول مايريدون فعله، لم يكونوا يتوقعون ان تنمو الحركة وتحوي متطوعين من كل السودان، و من السودانيين خارج ارض الوطن….. لم يكونوا يعلمون التحديات التي سوف يواجهونها.

الانتخابات السودانية الاولى من نوعها في 21 عاماً، كانت عام 2010. كان السودان في مفترق طرق كما صرحت كافة القنوات العالمية، واستحقاقاً قبل انتهاء اتفاقية السلام الشامل. عادت كل الاحزاب، والقادة المعارضين للوطن، كما عاد إلى دائرة الضوء او الى العمل “الغير سري” الذين يعيشون ويعملون تحت الارض.

كانت الانتخابات سوف تسير بالتأكيد لتكون معيبة، وقع حزب المؤتمر الوطني اتفاق السلام الشامل ولكن لن يتخلى عن السلطة إلى أي طرف سياسي آخر. ومع ذلك، لم تكن هذه هي المشكلة الوحيدة ، كان الذين يركضون للانتخابات مشكلة أخرى. كانت وجوههم مألوفة جداً فقد شاركوا في اللعبة السياسية السودانية من الخمسينات أو على الأقل في الثمانينات. للشباب، كانت الانتخابات تقريبا نكتة، وكثير من سكان السودان هم الشباب ولم يروا أي انتخابات تجري في السودان من قبل، ولكن بالنظر إلى الناس الذين يركضون لتمثيل السودان، كانت الوجوه لا علاقة لها بالشباب.

بحلول شهر أكتوبر، والانتخابات قادمة كانت المعارضة بين الحملات الانتخابية للترويج لمرشحيها “القديمة ولكن الذهبية” اومقاطعة الانتخابات، لأن حزب المؤتمر الوطني لم يكن نزيهاً ومتجهاً لتزوير الانتخابات، ولم يقدم لهم المتفق عليها للضغط والفضاء الحملة.

ولدت قرفنا من الإحباط من الحكومة والمعارضة، استناداً إلى حقيقة أن الشباب كانوا “سئموا” من الحكومة والمعارضة، ولكن أيضا لخلق الأمل، وهو العنصر الذي كان في عداد المفقودين من السودان لسنوات.

بعد أيام فقط، تطرقت لها صحيفة الشرق الأوسط في احد المقالات…. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أحد الأصوات الرئيسية المعارضة في الانتخابات. وجاءت التبرعات يوما بعد يوم، من المواطنين العاديين الذين احبوا فكرة إبداعية جديدة، من الحركات والنشطاء السياسيين الذين رأوا في قرفنا ما تفتقر إليه أحزابهم، العمل الميداني الكثيف والنشاط في تنظيم واحد.

في ايام الذروة, وزعت الحركة 120,000 نشرة يومياً، واخذت طريقها على حافلات لمدني وبورتسودان وعبر طرق غير معروفة لمخيمات النازحين في دارفور ومعسكرات اللاجئين السودانيين في تشاد. ما ميز قرفنا من الحركات السياسية الأخرى في السودان العديد من جوانب وجودها ..

أولاً، ولد مؤسسوها وأعضائها الأوائل في الثمانينات والتسعينات، وشبوا خلال حكم حزب المؤتمر الوطني، رأوا السودان في أسوأ شكل كان عليه من أي وقت مضى، وتلقوا من المشروع الحضاري منهجه التعليمي مع غسل الدماغ. وعندما كانوا صغارا كانت “المعارضة الرسمية” في الدول المجاورة والخارج لبناء التحالفات المعارضة واحدا تلو الآخر، وعاجزة عن اخراج السودان لعقود طويلة من الجمود السياسي.

ثانياً، رأوا فجوة كبيرة بين الأحزاب السياسية التقليدية ودوائرهم. سوقت قرفنا على هذا من خلال تمثيل نفسها على أنها حركة الشارع. جندت الحركة عشرات المتطوعين لتوزيع منشورات في الأسواق ومحطات الحافلات، والجامعات وجميع المواقع المكتظة بالسكان. لم يمض وقت طويل بعد أن بدأت، بدأ متطوع يبلغ من العمر 17 عاماً وناشط اكبر سناً، في دفع الحركة لتنظيم مخاطبات عامة. بعدها، سوف تنظم الحركة مخاطبات علنية في الأسواق ومحطات الحافلات. كان للمخاطبات صدى مدوياً في الخرطوم، وخلقت ضجة حول الحركة على مستوى الحي وكذلك على الإنترنت عندما تم نشر الفيديو.

ثالثاً، الحركة التي اسسها الشباب، اعادت السلطة مرة أخرى إلى الشباب، وهو القطاع الذي يمثل غالبية السكان في البلاد ولكن عادة ما يتم تهميشهم داخل المؤسسات السياسية والمؤسسات الأخرى.

نمت قرفنا بسرعة كبيرة قبل عيد ميلادها الأول، وانتشرت في جميع أنحاء السودان، أنشات موقعاً على شبكة الانترنت، وجود مكثف على وسائل التواصل الاجتماعية، وأصبحت معروفة للجمهور والمجتمع الدولي.

مع التمدد جاءت المشاكل. بدأت الحركة تعاني من ضربة تلو الأخرى، كحركة رئيسية فعالة مناهضة لحزب المؤتمر الوطني خلال الانتخابات، ألقي القبض على أعضائها وارهبوا. في فترة مع كل منشور، سوف يتم اعتقال متطوع.

أخذت الحملات الأمنية تثقل كاهل الحركة، فجهاز الأمن الوطني وبموارده الجيدة ومجهزاً بقسم كامل للتعامل مع ما يسمى “حركة الشباب”. ومع ذلك، كان السبب الرئيسي بنية الحركة التي استمرت لتفشل مراراً وتكراراً.

فعلت الحركة الكثير من العمل وغيرت وجه النشاط في السودان، فعلت ما لم تتمكن أي مؤسسة سياسية من القيام به في السودان على مر السنين. جعلت الشباب مهتمين بالقضية الوطنية، ومهتمين بالسودان ومستقبله.

جعلت النشاط السياسي جذابا او ==“cool”.

من بدايتها، أنتجت قرفنا فيديو ساخراً سوف يستمر كمصدر إلهام للحركة لسنوات. كما وزعت الأساور البلاستيكية البرتقالية التي كانت جذابة، وخلقت العلامة التجارية للحركة، وبدأت حركة الأحداث البرتقالية حيث يتجمع الشباب في شارع النيل يرتدون ملابس برتقالية اللون، وهو اللون الذي تم وصفه بأنه لون المقاومة.

كان لقرفنا دور كبير في النشاط الإعلامي الاجتماعي، وتأسيس الثقافة الفرعية التي ولدت في فترة ما بعد 30 يناير 2011، من دعوات لمحاكمة النشطاء المعتقلين في الحملات السياسية، وتسجيل الفيديوهات مع عائلات المعتقلين ومع المعتقلين بعد الإفراج عنهم.

على صعيد آخر، لم تكن الحركة قادرة على الحفاظ على نفسها. جعل الهيكل اللامركزي وعملها كحركة مقرها الشارع، من المستحيل تأمين نفسها أو أعضائها وسط حملات أمنية مختلفة. في النهاية، اسست الحركة لتكون هناك، في الشوارع مع الجمهور، وهذا جعل أعضائها واضحين جداً ومعرضين للاعتقالات.

منذ البداية، لم تكن للحركة قيادة، والتي جعلت جميع الأعضاء على قدم المساواة والمشاركة على قدم المساواة في إجراءات العمل. نمت الحركة من خلال عملها، ولكن بقي أساسها ضعيفاً، غير موجوداً تقريبا.

رأت الحركة في نظام اللامركزية أنها من شأنها أن تبقي على العمل مقسماً بين خلاياه المختلفة وسيضمن امان أعضاء، ولكن كان للنظام عيوب. جعلت عدداً كبيراً من الأعضاء يواجهون خطر الاعتقال دون الأخذ بعين الاعتبار استعدادهم للقيام بذلك. كان العديد من أعضاء الحركة يفتقرون إلى الخبرة السياسية السابقة، وكانت قرفنا أول تجربة لهم، وهذا يعني أنها تفتقر إلى البرامج التدريبية السياسية التي تقدمها الحركات السياسية الرسمية للتامين والتعامل مع جهاز الأمن الوطني.

وعلاوة على ذلك، لم تستطع الحركة أن تفلت من نفس الأحزاب السياسية التقليدية التي تمردت عليها. منذ البداية، استهدفت قرفنا بشكل كبير من قبل الحكومة من خلال جهاز الأمن الوطني لأنه رأى فيها تهديدا وحركة قد تثير احتجاجات واسعة النطاق ضده، بل أكثر من ذلك من قبل المعارضة، التي تسعى للسيطرة على الحركة من خلال عدة طرق.

أولاً، رأت المعارضة في حركة قرفنا تهديداً وفرصة، تهديدا لأنها استطاعت استقطاب أعضاء من شبابهم الذين ضاقوا ذرعاً ببيروقراطية الأحزاب التقليدية وفرصة لأنها كانت حركة ناشطة ذات وجود حقيقي  في الشارع. وعلاوة على ذلك اعتقد كل طرف التمكن من تبني قرفنا من خلال دعمها لوجستياً وتشجيع أعضاء شبابهم لمواصلة التواجد في الجسم.

أخيراً، مع كل هذا الضغط المستمر واستنفاذ الكثير من طاقة الأعضاء في ابعاد قرفنا من أن يتم التحكم بها من قبل مؤسسة سياسية وجعلها تستمر مستقلة، بدأ الهيكل الضعيف للحركة ينكشف.

قرفنا مثل جميع الحركات الاجتماعية والسياسية المعاصرة في السودان، وقعت ضحية لكثير من أمراض المؤسسات السياسية التقليدية. وأبرزها، الاتهامات بأن بعض الناس حول الحركة هم عملاء لجهاز الامن، أو وكلاء لهيئات أخرى، استبعاد بعض الأعضاء في محاولة للحفاظ على حركة أكثر أمنا. هذا المرض المعين أثر على حركة من نمط “فصيلة الأسرة” واستمر لاضعافه.

مع كل تحدياتها، ستظل قرفنا واحدة من أقوى الحركات السياسية في التاريخ المعاصر من السودان ويومًاً ما سوف يكتب تاريخها مع كل عيوبها وانتصاراتها.

عيد ميلاد سعيد قرفنا، وارجو ان تعمر بصحة.