فيصل محمد صالح ينظر البرلمان السوداني، قريباً، في أول مشروع تعديل دستوري، منذ اعتماد الدستور الانتقالي الحالي في عام 2005، ويقضي بإعطاء رئيس الجمهورية حق تعيين الولاة (حكام الأقاليم) بدلاً من انتخابهم، كما ينص الدستور الحالي


وقد بدأ حزب المؤتمر الوطني حملة ترويجية ضخمة، لتمرير التعديل وتحقيق القبول به وسط الرأي العام باستخدام وسائل الإعلام والمنابر السياسية المختلفة، بحجة أن عملية انتخاب الولاة شجعت على انتشار روح القبلية والجهوية وتفشيها، وساهمت في خلق العصبيات وبث الفتنة وسط المجتمع السوداني. ولا يحتاج الحزب لأي جهد داخل البرلمان لتمرير التعديل، على الرغم من تصريحات نواب بمعارضة المقترح، باعتباره ردة عن سياسة اللامركزية والنهج الفيدرالي الذي ينص عليه الدستور، فهذا صار من السلوك المعتاد، والمعلوم بالضرورة. لكن، ثبت، أيضاً، أنه ما أن تحل لحظة التصويت على المشاريع التي تقدمها الحكومة، ومنها الميزانية العامة للدولة، إلا ويتم تمريرها بأغلبية كاسحة، حيث يمتلك الحزب الحاكم أغلبية تقارب 98% من البرلمان.

وقد لا يختلف الناس على مسألة أن عملية اختيار المرشحين وانتخاب الولاة، وحتى نواب البرلمان، صارت سوقاً للعصبية القبلية والعشائرية، لكن الغريب أن يرمي المؤتمر الوطني الناس بذلك، وهو المسؤول الأول عن انتشار الظاهرة، وعن استخدامها لمصلحته. تجاهل الحزب الدرس القديم حول مَن يخلق غولاً، ليخيف به الناس، ثم يكبر الغول، وتصعب السيطرة عليه، وينقلب على صاحبه.

شجّعت سلطة الإنقاذ الولاءات القبلية منذ يومها الأول، وأوكلت للدكتور علي الحاج، الذي اختلف معها، لاحقاً، وصار الساعد الأيمن للدكتور حسن الترابي، عملية خلخلة الولاءات التقليدية لحزب الأمة في ولايات الغرب، دارفور وكردفان. وأوفى علي الحاج بالتكليف، واعتمد على شراء الزعامات القبلية، ونشر الفتنة بين القبائل التي كان يجمعها الولاء لحزب الأمة وطائفة الأنصار، ودخل في صفقات لتعيين الأمراء وشيوخ القبائل على أساس سياسي. وانتقلت الممارسة إلى كل مناطق السودان، وإن بدرجات مختلفة، وصار طبيعياً الإعلان عبر وسائل الإعلام عن تأييد القبيلة الفلانية للرئيس ومبايعته، أو إعلان انضمام قبيلةٍ، بكاملها، لحزب المؤتمر الوطني.

وانتقلت العدوى من مؤسسات الأقاليم والولايات للحكومة المركزية، حيث صار تعيين واختيار الوزراء يتم عبر المحاصصات القبلية، بل يتم تحديد عدد الوزارات طبقاً لذلك، وكثيراً ما تم تفكيك بعض الوزارات لوزارتين وثلاث، حتى يتم تمثيل القبائل والعشائر في الحكومة.

في الأشهر القليلة الماضية، تم تقسيم وزارة النقل والطرق لوزارتين، لإيجاد موقع لوزير الداخلية السابق، عبد الواحد يوسف، في الحكومة، مراعاة لوزنه القبلي في ولاية غرب دارفور، الأمر الذي أغضب الوزير الدكتور أحمد بابكر نهار، وجعله يقاطع عمله الوزاري حتى اللحظة، بسبب أنه سمع بالتقسيم في أجهزة الإعلام. كما تم تقسيم وزارة العمل والتنمية البشرية لوزارتين، لإيجاد موقع لممثل إحدى حركات دارفور في الحكومة. هكذا يتم تشكيل الحكومة وتكوين الوزارات، لا على أساس الحاجة، ولا على أساس كفاءة الشخص ومؤهلاته، وإنما على أساس انتمائه القبلي.

وفي عملية اختيار الولاة للولايات المختلفة في انتخابات 2010، اعتمدت حكومة المؤتمر الوطني على لعبة التوازنات القبلية في اختيار مرشحيها، وفازت بكل مناصب الولاة في السودان. لكن سرعات ما تفجرت المشكلات، ومعظمها لأسباب قبلية وعنصرية، فاضطرت الحكومة للتحايل على الدستور الذي لا يعطي الرئيس سلطة عزل الولاة، إلا بإعلان حالة الطوارئ، فأقالت نحو سبعة ولاة، وخضعت للضغوط القبلية، فقامت بتفصيل ولايات جديدة، لإرضاء قبائل كبرى. وتم تقسيم ولاية جنوب كردفان لولايتين، وخرجت ولاية شرق دارفور من جنوب دارفور، وانقسمت غرب دارفور لولايتين.

أرهقت هذه المحاصصات القبلية خزانة الدولة، وأحدثت جهازاً تنفيذياً مترهّلاً، كما ساهمت في إبعاد الكفاءات، وجعل الانتماء القبلي هو المؤهل الوحيد الموصل إلى المواقع الحزبية والتنفيذية المتقدمة. وقد تفجرت المشكلة بشكل عنيف في المؤتمرات القاعدية لحزب المؤتمر الوطني، والتي عقدت في الشهرين الماضيين، وكان من مهامها اختيار مرشحي الحزب لموقع الولاة في الانتخابات المقبلة، حيث شهدت صراعاً قبلياً عنيفاً، وتهديدات بالانشقاق من الحزب، إن لم يتم اختيار المرشح من قبيلة بعينها. وبدا واضحاً أن خيارات المؤتمر الوطني صارت ضيقة، وأنه لن يستطيع إرضاء كل القبائل، وعليه أن يضحي ببعضها، فاتجه إلى الخيار الأسهل، وقرر التضحية بالعملية الانتخابية كلها، وببعض مواد الدستور، والاتجاه نحو تعيين الولاة.

القرار، إذن، يتجه إلى علاج مشكلة داخلية في حزب المؤتمر الوطني، أكثر منها مشكلة تؤرق السودان كله، وكان يمكن للحزب أن يقرر البُعد عن سياسة الاختيار على أساس قبلي، ووقف سياسة المحاصصة القبلية، علاجاً لهذه المشكلة، لكنه علاج سيكلفه، بالتأكيد، بعض المواقع والولاءات، وهو ما لا يريده، أو يرغب فيه ابتداءً.

ولا يبدو قرار تعديل الدستور صائباً، أو حلاً للمشكلة، لعدة أسباب. فهو أولاً يجعل من الدستور وثيقة هشة وضعيفة، يسهل تعديلها والقفز فوقها، كلما واجهت الحزب مشكلة، كما أنه يهدم ركناً أساسياً للحكم الفيدرالي اللامركزي في البلاد، وهو حق الناس في الولايات المختلفة في حكم أنفسهم واختيار حكامهم، وهو حق اكتسبه السودانيون بعد نضال عنيف، وتوافقت عليه كل القوى السياسية في المواثيق والاتفاقيات المختلفة. كان الحكم الفيدرالي/ اللامركزي من المطالب الدائمة للحركات المسلحة المتمردة في السودان منذ الخمسينات، وهو بند ثابت في كل اتفاقيات ومحاولات حل المشكلات السياسية المعقدة، سواء في جنوب السودان قبل الانفصال، أو في دارفور وشرق السودان وبقية المناطق الملتهبة. وبالتالي، سيتم النظر للقرار باعتباره ردة سياسية ودستورية عن مطلب عام، كان سبباً في الخلاف بين البشير والترابي عام 1999، وحدوث المفاصلة الشهيرة بينهما.

كذلك، السلطة التي عملت على تقديم مرشحي الحزب للانتخابات هي نفسها التي ستتولى تعيين الولاة، وبالتالي، ليست هناك ضمانات لعدم اعتمادها المعايير السابقة نفسها التي أثارت المشكلات. ومن المؤكد، استناداً لتجارب سابقة، أن كل الولاة المعينين سيأتون من صفوف الحزب الحاكم، ما يعني أنه سيحتكر مناصب الولاة بالتعيين، ولن تكون هناك فرصة للقوى السياسية الأخرى في المنافسة.

بالتأكيد، يمثل القرار ردة سياسية ودستورية، كما أنه يستبق عملية الحوار الوطني التي يفترض أنها ستناقش كل مشكلات السودان، ومنها تجربة الحكم الاتحادي، وقد تأتي برأي مخالف. لكن، الرسالة الأهم أن السلطة ماضية في تحقيق ما تراه، بغض النظر عن رأي شركائها في الحوار، دع عنك المعارضين الرافضين.

العربي