الواثق كمير الاستقطاب السياسي والصدام مع الحكومات الوطنية نقلت فترة الحُكم الذاتي وحكومات ما بعد الاستقلال (١٩٥٤-١٩٥٨)، العلاقات بين الدولة والنقابات إلى مرحلة جديدة تميَّزت بالمُواجهات والنزاعات. 

1-    فيبدو أن نفور القوى التقليديَّة من، أو على الأقل اللامبالاة تجاه الحركة العماليَّة خلال الفترة الاستعماريَّة، قد تمَّ ترحيلها لتَسِمَ هذه العلاقات في مرحلة ما بعد الاستعمار. فهكذا، تحوَّل حُلفاء الأمس، في النضال المُشترك ضد الاستعمار، إلى أشرس الأعداء في أعقاب استلام أوَّل حكومة وطنيَّة منتخبة للسُّلطة في عام ١٩٥٤. وأضحى التوتر والصدام طابعاً مميزاً للعلاقة بين الدولة والنقابات في ظِلِّ كل الحكومات المنتخبة حتى نوفمبر ١٩٥٨. فلم تكن للقوى التقليديَّة رغبة خالصة في إقحام نفسها في صراع العمال من أجل انتزاع حقوق التنظيم أو الاعتراف بتنظيماتهم. هذا قاد المراقبين إلى الاستنتاج بأن «سمةً أساسيَّةً للحُكم الاستعماري، وكذلك لحقبة ما بعد الاستقلال، تجلَّت في الاستقطاب السياسي للقوى السياسيَّة بالبلاد وانقسامها إلى مجموعتين متصادمتين. فمن جهة، العناصر التقليدية ممثلة في أحزابها (الأمَّة، الوطني الاتحادي، الشعب الديمقراطي)، وطوائفها الدينيَّة، ومن جهة أخرى، القوى غير التقليديَّة والتي شكَّلت تحالفاً سائباً بين الحزب الشيوعي، الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان، ومنظمات المهنيين والموظفين والفنيين واتحادات المزارعين» (مصطفي، ١٩٩٣).

 

2-    ومع أن هذا الاستقطاب، الذي يصور علاقة الدولة والنقابات كصراع بين القوى التقليدية والحديثة، يشخص السياسة السودانية جيداً، غير أنه ليس من الإنصاف في شيء أن نضع الحزب الوطني الاتحادي في سلة واحدة مع حزبي الأمَّة والشعب الديمقراطي، فيما يتصل بموقفهم العدائي من الحركة النقابية. ومن أجل فهم صحيح للعلاقات المتأزِّمة بين الدولة والنقابات، لا بُدَّ من التشديد علي ثلاث نقاط ومعالجتها تحليلياً. أولها، بالرغم من أن الشيوعيين، وحلفائهم، كانوا على قيادة الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان، إلاَّ أن علاقاتهم لم تكُن متوترة، على الأقل ظاهرياً، مع عضويتهم بسبب الانتماءات الطائفيَّة، بل أظهروا إدراكاً واضحاً بدور ووظيفة النقابة، وحاولوا إخفاء اتجاهاتهم الحزبيَّة والسياسيَّة اليساريَّة (علي، ١٩٩٦). وفوق ذلك، عملت قيادات الاتحاد العام بجديَّة لتفادي عزل أعضائها ذوي الولاءات الطائفيَّة، خاصة المنتسبين للطريقة الختميَّة. بل واتبعت منهجاً هدف إلى غرس الروح النقابيَّة وتعزيز انتماء العُمَّال لتنظيماتهم النقابيَّة، مِمَّا جعلهم أكثر وعياً بهذا الانتماء وإعلائه فوق الولاءات الطائفيَّة.. ثانياً، كان الوطني الاتحادي بمثابة حزب الوسط السياسي المدعوم من قبل المُتعلمين والمثقفين والتُجَّار، خاصة في المُدُن، وقطاعاتٍ كبيرة من العُمَّال والمزارعين. وهكذا، فإن طبيعة مناصري الحزب الوطني الاتحادي، خلافاً لعضوية حزبي الأمَّة والشعب الديمقراطي، دفعت الحزب للسَّعي من أجل النفوذ في الحركة النقابيَّة وكسب بعض المواقع في قيادة الحركة.. ثالثاً، شكَّلت طائفة الختميَّة، إلى حدٍ كبير، القاعدة الاجتماعيَّة لغالبيَّة العُمَّال، إذ كان التوجُّه السياسي العام للعُمَّال ذو طبيعة اتحادية.

 

3-    إذن، فالظروف التاريخيَّة والموضوعيَّة التي نشأت في سياقها الحركة العماليَّة، كانت مُؤاتية تماماً لبناء تحالُفٍ استراتيجي بين الوطني الاتحادي، والاتحاديون عموماً، وحركة العُمَّال الديمقراطيَّة. وكان من الممكن لهذا التحالف أن يكون قابلاً للتحقيق، خاصة والشيوعيون في قيادة الاتحاد العام للعُمَّال كانوا يعملون من خلال الهيكل التنظيمي لـالحركة السودانيَّة للتحرُّر الوطني حستو. ولم تكن حستو، التي تحوَّلت للحزب الشيوعي السُّوداني في ١٩٥٦، في ذلك الحين كياناً ماركسياً لينينياً على المستويين الأيديولوجي والتنظيمي، بل كانت مفتوحة للأحزاب السياسية الأخرى. وهكذا، كانت الأبواب مُشرعة للتفاعُل المتبادل بين العُمَّال وحركة المثقفين الاتحاديين. ومع ذلك، أضاعت القيادات الاتحاديَّة هذه الفرصة، وعوضاً عن ذلك، بحثت عن مصادر الدعم الجماهيري الجاهزة، ممثلة في قيادات الختميَّة، بينما نأوا بأنفسهم عن القوى الاجتماعيَّة الديمقراطيَّة الأكثر تأهيلاً تاريخياً وموضوعياً للوقوف بجانب المثقفين الاتحاديين في معركتهم ضدَّ القوى التقليديَّة الطائفيَّة. بمعنى آخر، استبدل مثقفو الوطني الاتحادي هذه المعادلة التاريخيَّة بتحالفٍ ظرفي مع الطائفيَّة على حساب التحالف مع القوى النقابيَّة الديمقراطيَّة (حاج حمد، 1996).

 

4-    ومع ذلك، فقد جاء هذا التحالُف غير المدروس بنتائج عكسيَّة على أصحابه. فمباشرة في أعقاب اجتماع السيدين الأوَّل (السيِّد علي الميرغني والسيِّد عبدالرحمن المهدي) في اكتوبر ١٩٥٥، تمَّ سحب البساط من تحت أرجُل المثقفين الاتحاديين. فالطريقة الختميَّة لم تعُد تحتمل هذا القدر من الاستقلاليَّة لهؤلاء المثقفين، فاتفق السيِّدان على إسقاط حكومة الوطني الاتحادي الوطنيَّة الأولى في نوفمبر ١٩٥٥. ولو أن النجاح لم يحالفهما في هذه الخطوة، إلا أنَّ السيِّدين، في اجتماعهما الثاني في ديسمبر من نفس العام، تمكَّنا من حِرمان الحزب الوطني الاتحادي من الحُكم بمفرده، وشكَّلا حكومة ائتلافيَّة في الثاني من فبراير ١٩٥٦. وكان هذا التحرُّك بمثابة تمهيدٍ لإزاحة الوطني الاتحادي تماماً من الحكومة، ومن ثمَّ الهيمنة الكاملة لتحالف الختميَّة والأنصار على حُكم السُّودان في ٥ يوليو ١٩٥٦، بعد أسبوع فقط من تأسيس حزب الشعب الديمقراطي كواجهةٍ سياسيَّة للختميَّة في ٢٨ يونيو ١٩٥٦.

 

5-    بانصرافه عن العُمَّال وقضاياهم، وولوجها في زواجٍ غير مقدَّس مع البرجوازيَّة الوليدة والقوى الطائفيَّة، اكتسب الحزب الوطني الاتحادي روحاً معادية للنقابات، بل عَمَدَ إلي خلق الانشقاقات في أوساطها. فالحزب، حتي قبل وصوله للسُّلطة، شرع في سياسة إعاقة فعاليَّة الاتحاد العام للعُمَّال وذلك باختراق قيادات النقابات المُؤثرة، خاصة نقابة عُمَّال السكك الحديديَّة. وفور توليه السُّلطة، أعلن الحزب سياسته الموسومة بـتحرير ولا تعمير، والتي قوبلت بمقاومة قوية من قبل اتحاد العُمَّال بحُجَّة أن التحرير لا يعني شيئاً بدون تنمية اقتصاديَّة واجتماعيَّة، وأنه لخطأ جسيم أن تُحرَمَ القوى التي ناضلت وقدَّمت التضحيات من ثمار التحرير. ومن جهة أخرى، شعر الشيوعيون، تحت مظلتي حستو والجبهة المعادية للاستعمار، بالخطر من مثقفي الوسط السياسي بحُكم أنهم يمثلون المنافس الوحيد المحتمل للسيطرة على الاتحاد العام للعُمَّال، وبالتالي استخدموا كل الوسائل السياسيَّة المتاحة لحرمان الوطني الاتحادي من أي قدرٍ من النفوذ النقابي عن طريق عزل عناصر الحزب من المواقع القياديَّة في النقابات المنتسبة للاتحاد العام للعُمَّال.

 

6-    من الجدير بالذكر، أن الموقف العدائي لحكومة الوطني الاتحادي نحو الحركة العماليَّة لم يقتصر على الحركة العماليَّة فحسب، بل سُرعان ما وجد اتحاد مزارعي مشروع الجزيرة نفسه في نزاعٍ مع الحكومة. وبعد صراعٍ طويل للاعتراف الرسمي بالاتحاد وحقوق المزارعين، جاءت القشة التي قصمت ظهر العلاقات بين الحكومة والمزارعين، علي وجه الخصوص، والحركة العماليَّة عموماً، عندما تمَّ اعتقال ٢٨١ مزارعاً من مشروع جودة (في التماس بين النيل الأبيض وأعالي النيل) وحبسهم في غرفة صغيرة في ثكنات الجيش بمدينة كوستي، مِمَّا أدَّى إلي مقتل ١٩٠ منهم اختناقاً. وقد قوبل الحادث بغضبٍ شعبي واستنكار وإدانة عبَّرت عنها سلسلة من التظاهُرات والإضرابات من قطاعاتٍ مختلفة من المجتمع السُّوداني (حاج حمد، ١٩٩٦).

 

7-    وفوق ذلك كله، أقدم الاتحاد العام لعُمَّال السُّودان علي التنسيق سوياً مع الجبهة المعادية للاستعمار، من جهةٍ، والقوى الطائفيَّة ممثلة في حزب الأمَّة، ولاحقاً حزب الشعب الديمقراطي، من جهة أخرى، بُغية الهجوم علي حكومة الوطني الاتحادي. وتمَّ ترفيع هذا التنسيق إلى مستوى أعلى، وذلك بتشكيل جبهة الاستقلال في ٢٩ يناير ١٩٥٥. وقصد الشيوعيون بالتحالف مع أكثر القوى تقليديَّة إلى توجيه ضربة قاضية إلى، واستباق أي تدخُّلٍ محتمل من جانب الحزب الوطني الاتحادي في الاتحاد العام للعُمَّال، وبالتالي خلق قاعدة اجتماعيَّة مستقلَّة، والحفاظ علي التحكُّم الكامل على الحركة العمالية. وقد أثبتت هذه الإستراتيجية أنها قصيرة النظر، فما أن آلت مقاليد الحُكم لهذه القوى، في يوليو ١٩٥٦، حتى تحوَّلت علاقات التحالف إلى مواجهاتٍ وصراعاتٍ أبديَّة.

 

تبدل التحالفات وتصاعُد المواجهات: سقوط النظام النيابي

1-    إذن، لم تدَّخِر القوى التقليديَّة أي جهدٍ لتجيير الانشقاق الذي وقع في صفوف الحركة العماليَّة، في أعقاب معارضة اتحاد العُمَّال لاتفاقيَّة 1953، لصالح إستراتيجيتها المحسوبة لإضعاف الاتحاد، الذي يُوفِّر له الشيوعيون القيادة والروح النقابيَّة. نجحت هذه الجهود في سعيها لإفشال الإضراب العام الذي دعا له اتحاد العمال في 27 أبريل 1956، احتجاجاً على سياسات وتوجُّهات الحكومة العدائيَّة. فقد عارضت نقابات العُمَّال الحكوميَّة المنشقة عن الاتحاد، بما في ذلك نقابة السكَّة حديد، الإضراب. وهي مناسبة لم تتردَّد الحكومة في استخدامها لتعميق الانشقاق وتجاوز الاتحاد، فأعلنت علي الفور استعدادها للتفاوض مع النقابات الحكوميَّة، كل على حده. وانسجاماً مع هذه الخطوة، دعت نقابات عُمَّال الحكومة المنشقة، بقيادة نقابة عُمَّال السِكَّة حديد إلى ما أطلقوا عليه المؤتمر العام للنقابات المتحدة، في أبريل 1956، للتداول حول ما أسموه خيانة اتحاد العُمَّال لأهداف الحركة النقابيَّة. وخرج المؤتمر بفكرة إنشاء ثلاثة اتحادات منفصلة، واحد لعُمَّال الحكومة، والثاني لعُمَّال القطاع الخاص، والثالث للحرفيين المستقلين وبقية قطاعات العُمَّال. هدف هذا الاقتراح، في جوهره، إلى الحل الفعلي للاتحاد العام للعُمَّال، مِمَّا جرَّده من قوَّته، ليُصبح منظمة سياسيَّة عاجزة تفتقر الى الأهليَّة. ومع ذلك، دعا مؤتمر لاحق للمجموعة المنشقة إلى إنشاء اتحاد نقابات عُمَّال الحكومة السودانيَّة، والذي شهدته 8 نقابات فقط من مُجمل 20 نقابة. وهكذا، لم يستطع الاتحاد حديث التكوين أن يصمُد، وفشل في تثبيت نفسه كتنظيم قابل للحياة (طه، 1970).

 

2-    ومن جانبها، عملت قيادة الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان بجد لاستعادة النقابات المنشقة وإعادة الوحدة في صفوف الحركة العماليَّة. وقد أعطى تهديد الحكومة، بتخفيض بدل غلاء المعيشة، ابتداءَّ من يناير 1957، دفعة قويَّة لجهود الاتحاد المتواصلة للحفاظ على وحدة العمال. وهذا ما حدا بالاتحاد للدعوة إلي إضرابٍ عام وجد استجابة واسعة من العمَّال، بما في ذلك نقابة عمَّال السكَّة الحديد المنشقة. وفي مواجهة حركة عماليَّة مُوحَّدة، سحبت الحكومة تهديدها (طه، 1970). انتهز اتحاد العمَّال الفرصة وأعلن عن استعداده، بهدف إعادة توحيد الحركة العمالية، لقبول تشكيل نقابة جديدة للعاملين بالحكومة ضمن هيكله التنظيمي (قسم السيد، 1979). وهكذا، حُكم بالفشل مرَّة أخرى على محاولات الحكومة الرامية لتوسيع الشرخ داخل الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان. وإن بدت غير مكترثة لانتصار اتحاد العمال، أدخلت الحكومة تعديلات علي قانون 1948، الذي سمح بتأسيس وتسجيل الاتحادات النقابية على غرار اقتراحات المؤتمر العام للنقابات المتحدة، السابق ذكره في أبريل 1956. وعلي الرغم من الموت المبكر لــاتحاد نقابات عُمَّال الحكومة السودانية، سعت الحكومة بشدَّة لتكوين اتحادٍ جديد، وان كان هذه المرَّة تحت مسمَّى اتحاد نقابات عمال الحكومة المركزية.

 

3-    وفي خِضَمِّ عداء الحكومة تجاه الحركة العماليَّة، نجح الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان في عقد مؤتمره العام الخامس، تحت شعار مؤتمر الوحدة، وإجازته  لدستور جديد عالج قضيَّة موقف الاتحاد بشأن السياسة الحزبيَّة وأمَّن على استقلاليَّة الحركة العماليَّة من أي شكلٍ من أشكال النفوذ السياسي الخارجي. وهكذا، استطاع الاتحاد العام للعُمَّال استعادة مصداقيَّته المفقودة والاحتفاظ بشعبيَّته، كما استأنف التفاوض الجماعي، حول مطالب العُمَّال، مع الحكومة (سلام، 1991). ذهبت الحكومة لأبعد من ذلك، بإعلانها الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان منظمة غير قانونيَّة، بينما رفضت تسجيل اتحاد نقابات عُمَّال الحكومة السودانيَّة (طه، 1970).

 

4-    تسبَّب إحباط الحكومة من نجاح الحركة العماليَّة في توحيد صفوفها، في تصعيدها لترهيب وتخويف الاتحاد العام للعمال، مستخدمة في كل يوم خدعة جديدة لإعادة فتح الجراح. ومن ناحية أخرى، كان الوضع الاقتصادي يتدهور بوتيرة متسارعة، بما في ذلك عدم القدرة على تسويق محصول القطن لموسم 1956-57، مع ارتفاع تكاليف المعيشة، في حين ظلت الأجور ثابتة. وقد تضاعفت هذه الأوضاع بالائتلاف الهش بين حزبي الأمَّة والشعب الديمقراطي، والنزاع المحتدم حول قضايا السياسة الخارجيَّة، والتصديق على اتفاقيَّة المعونة الأمريكيَّة. خلقت كل هذه الظروف بيئة مواتية للاتحاد العام للنقابات لتعبئة العُمَّال على أسُسٍ اقتصاديَّة وسياسيَّة، على حدٍ سواء.

 

5-    أفضت هذه التطوُّرات إلى منعطفٍ درامي في الأحداث بعد أن أعلن الاتحاد العام عن إضرابٍ عام في أكتوبر 1958. اكتسب قرار الإضراب تأييداً إجماعياً من نقابات العُمَّال والعديد من المجموعات المنظمة الأخرى وأحزاب المعارضة. فشكَّل الإضراب منصَّة التقاء للمعارضة لشنِّ الهجوم على الحكومة، مِمَّا أسفر عن تشكيل الجبهة الوطنيَّة، والتي ضمَّت: الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان، اتحادات المزارعين، الاتحادات الطلابيَّة، الحزب الشيوعي السُّوداني، الوطني الاتحادي وعناصر أخرى. وكانت الجبهة تسعى إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء، عبدالله خليل، بذريعة الفشل الذريع لسياسات الحكومة الداخليَّة والخارجيَّة، عل حدٍ سواء، في التخفيف من حدَّة المشاكل التي تواجهها البلاد. وإدراكاً منه لعدم القدرة على البقاء في حال طرحت المعارضة صوت الثقة في الحكومة، دعا رئيس الوزراء الجيش، تحت قيادة الفريق إبراهيم عبود، للاستيلاء على السُّلطة في 17 نوفمبر 1958.

 

6-    ومن المهم هنا أن نلاحظ، وللمفارقة، أن الحزب الوطني الاتحادي، بعد أن أضاع الفرصة التاريخيَّة لإقامة علاقات إستراتيجيَّة مع الحركة العماليَّة، قبل وأثناء تسنمه للسُّلطة، جاء في وقتٍ لاحق للتكاتُف مع الاتحاد العام للعُمَّال والحزب الشيوعي في المعركة ضد القوى الطائفيَّة التقليديَّة. وعلى قدم المساواة، ينطبق هذا على قيادة الاتحاد من الشيوعيين التي مدَّت يد العون لنفس القوى ضمن خُطتها لهزيمة حكومة الوطني الاتحادي. ويبدو أن هذا السلوك التكتيكي الانتهازي قد زرع بذور الشك والريبة في الحركة النقابيَّة، والعُمَّال على وجه الخصوص، من ناحية الأحزاب السياسيَّة.

 

 

الحكم العسكري الأول: التوجس من الحركة النقابيَّة

1-    دائماً ما تكون الأنظمة العسكريَّة المتشدِّدة، وبطبيعتها، منشغلة بأمور الأمن والنظام العام، لا تحتمل ولا تطيق تنظيمات المجتمع المدني، خصوصاً النقابات والتي تعدُّها هذه الأنظمة خطراً على هيمنتها الكاملة على السُّلطة. وهكذا، فالأمر الرئاسي الأوَّل الذي أصدره مجلس الثورة الذي كوَّنته قيادة القوَّات المسلَّحة عقب الانقلاب، في 17 نوفمبر 1958، مباشرة قضى بإعلان حالة الطوارئ في كل البلاد، وحرمان الأحزاب السياسيَّة من ممارسة نشاطها، وحَلِّ التنظيمات والاتحادات النقابيَّة وإلغاء قانون النقابات لسنة 1948. وأعلنت السُّلطة العسكريَّة أن قرار تعطيل العمل بهذا القانون أملته ضرورة مراجعته، بغرض تعديله بما يتفق مع الوضع الجديد. بينما في الواقع هدف هذا الإجراء أساساً، ولو أن ذلك لم يُعلن على الملأ، إلى خلق حركة نقابيَّة ضعيفة وتابعة تخضع تماماً لسُلطة الحكومة.

 

2-    لم يغِب هذا القصد الخفي على قيادة الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان والتي أعلنت على الفور مطالبتها بحق الاتحاد بمزاولة نشاطه كممثلٍ شرعي للعُمَّال والمشاركة في مراجعة القانون واحتفاظ العُمَّال بكافة الحقوق والامتيازات التي كفلها لهم ذات القانون. ولجأت الحركة العماليَّة، في ظِلِّ مناخ سياسي يبغض التعددية، إلى إتباع أساليب المقاومة والتحدي والدفاع حتى تستجمع قواها السياسيَّة في انتظار اللحظة المناسبة للمبادرة بالهجوم والمواجهة المفتوحة، التي اكتسبتها من خبرتها سيأسى التعامُل مع الحُكم الاستعماري وأنظمة الحكم الليبرالية معاً. بينما اعتبرت الحكومة العسكريَّة رد فعل الاتحاد تحدياً سافراً لسُلطتها، ولذا شرعت في حملة من الاعتقالات وإصدار الأحكام بالسجن في حق قيادات اتحاد العُمَّال، بما في ذلك السكرتير العام للاتحاد (طه، 1970).