د.الواثق كمير الانتقال من المقاومة السرية إلى المعارضة الصريحة والانتفاضة الشعبية ترهيب الحكومة وملاحقتها للقيادات العماليَّة بالاعتقال والمحاكمات، ضاعفت من تصميم العُمَّال على مقاومة وتحدِّي أوامر السُّلطات العسكريَّة التي هدفت إلى زرع الفتنة وسطهم، 

1-    وشق صفوفهم، وحرمانهم من حق التنظيم. فتقدَّم عدد من قيادات التنظيمات النقابيَّة في مختلف أرجاء البلاد بعرائض الاحتجاج إلى الحكومة، مطالبين بعودة الحركة النقابيَّة على أساس قانون 1948، والإطلاق الفوري لسراح كل زملائهم النقابيين المعتقلين والمسجونين. وقابلت الحكومة هذه العرائض بمزيدٍ من الاعتقالات في حق كل الذين تقدَّموا بها. ودفعت هذه الأحداث التي استمرَّت طوال عام 1959 عُمَّال سكك حديد السُّودان بالدخول في إضراب تعبيراً عن تأييدهم لهذه المطالب. ومع أن السُّلطة العسكريَّة نجحت في سحق الإضراب باستخدام كافة الوسائل البوليسيَّة، إلا أنه ترك أثراً سياسياً مباشراً. فقد مثل الإضراب تطوُّراً سياسياً لحشد طلاَّب الجامعات والحزب الشيوعي، إضافة إلى قطاعات كبيرة من المجتمع السُّوداني، مشعلاً الشرارة الأولى لمعارضة سياسيَّة واسعة النطاق ضدَّ الحُكم العسكري.

2-    وإدراكاً لتصميم اتحاد العُمَّال لمقاومة أي محاولة تهدف إلى إخضاعه للسُّلطات العسكريَّة، قرَّرت الحكومة في عام 1960 تقديم قانون جديد للعمل. ومع أن تعديل 1960 على قانون النقابات لسنة 1948 سَمَحَ من جديد بتكوين التنظيمات النقابيَّة، إلاَّ أنه فرض قيوداً متعدِّدة على حرية تنظيم العُمَّال لأنفسهم. أولاً، اقتصر القانون حق التنظيم على العُمَّال اليدويين فقط، مستثنياً كل قطاعات العُمَّال الأخرى، التي كانت تستمتع بهذا الحق في السابق، وذلك بقصد إضعاف الحركة العماليَّة عن طريق تقليل حجم عضويَّة اتحاد العُمَّال والانتقاص من فعاليته (سلام، 1974.. مصطفى، 1993). ثانياً، رفع التعديل الجديد عدد الحد الأدنى من العُمَّال الذين يحق لهم تنظيم أنفسهم سيأسى نقابة من 10 إلى 50.. ثالثاً، حرم العُمَّال من الانضمام إلى أي نقابة غير تلك التي يُكوِّنوها في مصلحة حكوميَّة أو مُؤسَّسة خاصة بعينها، خلافاً لما نصَّ عليه قانون 1948.. رابعاً، منع القانون الجديد تكوين الاتحادات النقابيَّة (سلام، 1974). خامساً، وضع قانون منازعات العمل لسنة 1960 قيوداً صارمة على حق العمال في الإضراب (طه، 1970).

 

3-    بالرغم من كل هذه القيود، وفي غياب الاتحادات النقابيَّة، لم تتحوَّل النقابات العماليَّة إلى تنظيماتٍ خاضعة كما كانت تتمناه السُّلطة العسكريَّة (مصطفى، 1993). فلم تُسفِر المكاتبات المتبادلة بين نقابة عُمَّال السكك الحديديَّة والحومة، وقد دامت لأكثر من عام، عن شيء، مِمَّا دفع النقابة للدخول في إضراب استمرَّ سبعة أيام في 17 يونيو 1962، ذلك مع أن الاتحاد كان قد تمَّ حله قبل ثلاثة أيام فقط من ذلك التاريخ. واتبعت الحكومة في أعقاب الانقلاب سياسة ذات حدَّين. فمن جهة، كثفت من ملاحقتها للنقابين الناشطين ضد الحكومة مع السعي إلى إقحام مكتب العُمَّال في الشئون النقابيَّة بأكبر قدرٍ ممكن، ومحاولة ترغيب العُمَّال بإظهارها الحماسة للنقابيَّة الاقتصاديَّة، من جهة أخرى. وتوقعت الحكومة النجاح لسياستها هذه مما جعل مدير مكتب العمل يدعو ممثلين لأكثر من أربعين نقابة لمؤتمر عام في 16 أغسطس 1963. وتركزت أجندة المؤتمر في: التماس تأييد العُمَّال للحكومة واتخاذ الإجراءات الضرورية لتكوين اتحادٍ جديد للعُمَّال، إضافة لمناقشة القضايا الأخرى ذات الصلة. ولكن خاب أمل الحكومة في المؤتمر ونتائجه المرجوَّة، إذ تحوَّل إلى منبرٍ شَجَبَ العُمَّال من خلاله سياسة الحكومة، وطالبوا بإلغاء قانون النقابات لعام 1960، وإبطال قرار حَلِّ نقابة عُمَّال السكك الحديديَّة، وتكوين الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان ورفع حالة الطوارئ المعلنة في كل البلاد (طه، 1970).

4-    على الرغم من هزيمة الحكومة في هذه المعركة، غير أنها لم تتخلَّ عن سياسة اللعب بالعصا والجزرة. ففي إيماءة لتهدئة العُمَّال، سمحت للنقابة العامة لعُمَّال السكك الحديديَّة بمزاولة نشاطها والتسجيل رسمياً، على أن تعمل الهيئة التي تمخَّضت عن مؤتمر أغسطس على الشروع في تكوين الاتحاد العام لنقابات العُمَّال. ومع ذلك، عاد وزير الإعلام والعمل لإصدار أمر جديد ألغى فيه هذا القرار بسبب مقاومة العُمَّال لمحاولات الحكومة لفرض قيود صارمة على دستور الاتحاد المُزمع إنشائه (طه، 1970). فشل سياسة الحكومة تجاه الحركة النقابيَّة، من جهة، وتصميم العُمَّال على مواصلة صراعهم ضدها، من جهة أخرى، قاد في نهاية الأمر إلى تحرير شهادة وفاة النظام عن طريق انتفاضة شعبيَّة في 21 أكتوبر 1969.

فورة الثورة

1-    بدأت الحركة التي قادت إلى سقوط النظام في جامعة الخرطوم. فبعد أن أصدرت وزارة التربية والتعليم أمراً بحظر التجمُّعات والاجتماعات العامَّة في داخل الحرم الجامعي، رفضت مجموعات من الطلاَّب والناشطين الانصياع لهذا الأمر، حتى انفجر الوضع في 19 أكتوبر، عندما نظم الطلاب ندوة لمناقشة الأوضاع السياسيَّة بالبلاد، خصوصاً تعامُل النظام مع الحرب الأهليَّة الدائرة في جنوب السُّودان. فتدخَّلت قوَّات الشرطة لفضِّها بالقوَّة، وأسفر ذلك الاصطدام عن مقتل أحد الطلاَّب برصاص البوليس. وفي أعقاب الحادث، خرج الطلاَّب في مظاهراتٍ عارمة تدين وتشجب الحكومة، والتي رغم إرسالها لقوَّات مكافحة الشغب للسيطرة على الوضع، إلاَّ أن حالة من الاضطراب سادت وسط المواطنين، خصوصاً في عاصمة البلاد. وفي غضون ذلك، تمَّ تكوين تنظيماً سياسياً فضفاضاً صار يُعرفُ بـجبهة الهيئات، والتي ضمَّت العُمَّال والطلاب والمعلمين والمحامين وأساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء، وسرعان ما توسَّعت عضويتها لتشمل كافة قطاعات المجتمع. وكانت قيادات اتحاد المزارعين والاتحاد العام لنقابات العُمَّال من الأعضاء البارزين في الجبهة. دعا المجلس التنفيذي للجبهة إلى إضرابٍ عام في الفترة بين 24 و31 أكتوبر 1964، والذي قاد في نهاية الأمر إلى استسلام النظام.

 

2-    وكما استنتج أحد الباحثين فإنه «يبدو من المعقول أن نخلُص إلى أن نجاح الإضراب،  وبالتالي ثورة أكتوبر لم يكُن من المُمكن أن يتمَّا دون التأييد النشط للحركة العماليَّة» (طه، 1970، ص 122). وهكذا، وجدت القوى الحديثة نفسها منتظمة تلقائياً في الجبهة القوميَّة للهيئات التي مثَّلت رأس الرُمح للانتفاضة الشعبيَّة ووفَّرت لها القيادة. وعكس تكوين الحكومة الانتقاليَّة التي تمَّ تشكيلها في 31 أكتوبر، وأوكلت لها مهمَّة التحضير للانتخابات العامَّة في موعدٍ لا يتجاوز مارس 1965، النفوذ الذي تمتعت به جبهة الهيئات. فقد كان نصيبها ثمانية مقاعد في مجلس الوزراء، وهي نسبة مثَّلت 50% من الحقائب الوزاريَّة، بينما تقاسمت الأحزاب السياسيَّة (الأمَّة، الشعب الديمقراطي، الوطني الاتحادي، الحزب الشيوعي والإخوان المسلمون) والقوى الأخرى باقي المقاعد.

 

3-    تمكَّنت الحركة العماليَّة في سياق هذه التطوُّرات السياسيَّة من تعزيز تماسُكها وروحها القتاليَّة، كما استطاعت أن تنال مكاسب جديدة، علاوة على تثبيت مكاسبها القديمة التي ظلت تصارع من أجلها منذ مطلع القرن. وبذا، حققت إنجازات ملحوظة في عدة جبهات. فقد تمَّ تعطيل العمل بقانون 1960 وإعادة تكوين الاتحاد العام لنقابات العُمَّال، والأهم من ذلك تمثيل العُمَّال والمزارعين في الحكومة الانتقاليَّة في شخصي السكرتير العام لاتحاد العُمَّال ورئيس اتحاد مزارعي الجزيرة. ولكن إعادة تكوين اتحاد العُمَّال لم تكن بالعمليَّة السهلة، إذ أثارت النقابات المعادية للاتحاد اعتراضاتٍ إجرائيَّة حول انتخابات المكتب التنفيذي للاتحاد، بحُجَّة أن المؤتمر العام للعُمَّال – وفقاً لدستور الاتحاد- هي الهيئة الوحيدة المُناط بها انتخاب القيادة. ومن جانب آخر، ردَّ الاتجاه السائد وسط النقابات بأن الاتحاد قد تمَّ حله منذ ست أعوام مضت، مِمَّا يُخوِّلُ حق انتخاب قيادته للجمعيَّة العموميَّة التي انعقدت في أغسطس 1963. وكان من المقرَّر أن تجتمع مرَّة أخرى في مايو 1964 لمناقشة دستور الاتحاد، إلاَّ أن ذلك الاجتماع لم يتم بسبب قيام السلطات العسكريَّة بحلِّ الاتحاد قبل ثلاثة أيام من التاريخ المحدَّد. وبعد صراع مرير بين المجموعتين، استطاع مؤيدو الاتجاه السائد كسب هذه الجولة، وتمَّ انتخاب المكتب التنفيذي بواسطة الجمعيَّة العموميَّة والتي أعادت السكرتير السابق للاتحاد إلى موقعه.

4-    شكَّلت المشاركة المباشرة للعمال في الحكومة، سوياً مع شرائح القوى الحديثة الأخرى، تحولاً درامياً في العلاقات بين الدولة والحركة النقابيَّة. فاعتبر اتحاد العُمَّال نفسه شريكاً في الحكومة التي كان هدفها الأساسي هو استعادة النظام البرلماني التعدُّدي، وتنفيذ برامج عمليَّة التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة بقصد تسكين الأزمة الاقتصاديَّة التي تعيشها البلاد، ولتوجيه اقتصادها في الطريق الصحيح. وارتفاعاً إلى مستوى المسئوليَّة، أعلن الاتحاد عن تعليقه كافة مطالب العُمَّال التي تُشكِّل عبئاً على المنصرفات العامة، والتبرُّع براتب يوم واحدٍ لكُلِّ عضوٍ مساهمةً في دعم خزينة الدولة، وانتهاج الطرق السلميَّة لمعالجة وحَلِّ كل النزاعات بين الحكومة وأصحاب العمل، من جهة، والمستخدمين، من جهة أخرى (طه، 1970).

5-    شكَّل اتحاد العُمَّال واتحاد مزارعي الجزيرة وعناصر القوى الحديثة الأخرى التحالف الاشتراكي الديمقراطي بعد أن أدركوا أن نتائج الانتخابات المرتقبة ستكون لصالح القُوى التقليدية وذلك في محاولة لتعضيد مكاسبهم الاقتصادية والسياسية والمحافظة على روح ثورة أكتوبر. كما أدركت الأحزاب التقليدية من جانبها قوَّة وحيوية الحركة العماليَّة، والخطر التي تشكِّله على هيمنتها على السُّلطة، فبادرت إلى إعادة تجميع قواها وتنظيمها في الجبهة الوطنيَّة المُتحدة. بدأت الجبهة هجومها بمطالبة الحكومة الانتقاليَّة بالاستقالة بحُجَّة أن تمثيل القوى السياسيَّة في تشكيله لا يعكس الوزن الحقيقي لها، ونجحت هذه القوى في إقالة الحكومة وتشكيل مجلس وزراء جديد، أبعد منه ممثلي جبهة الهيئات. قامت هذه الحكومة بالتحضير للانتخابات العامة في مايو 1965 وآلت مقاليد السُّلطة إلى تحالفٍ بين حزبي الأمَّة والوطني الاتحادي، مِمَّا أدخل العلاقات بين الدولة والحركة النقابيَّة في مرحلة جديدة.

العودة إلى الخصومات: الوهم وخيبة الأمل

1-    مدفوعاً بخيبة الظن في تحوُّل الأحداث والتكتيكات الخادعة التي اتبعتها القوى التقليديَّة، جاء رد فعل اتحاد العُمَّال متسرِّعاً، وتصرَّف بصورة متعجِّلة بإعلانه لإضرابٍ عام في 21 أكتوبر 1965. وضع هذا السلوك بداية النهاية لشهر العسل في العلاقات بين القوى التقليدية والنقابات الذي أعقب انتصار الانتفاضة الشعبيَّة على الحُكم العسكري، وتحوَّلت نشوة الأيام الأولى للثورة إلى وهمٍ وخيبة أمل. أما الإضراب، فلم يصادف نجاحاً يُذكر، بل ساهم في غرس بذور الانقسام في صفوف اتحاد العُمَّال أكثر من أن يكون له تأثير سياسي ذو معنى. فقد عارضت العديد من النقابات الإضراب ورفضت المشاركة فيه، بما في ذلك نقابة عُمَّال السكك الحديدية ذات النفوذ، والتي رأت أن الإضراب يهدف إلى فرض الأجندة السياسيَّة الحزبيَّة للحزب الشيوعي وحلفائه في جبهة الهيئات. ومن ناحية أخرى، وجدت الحكومة ضالتها في فشل الإضراب لتكثف حملتها ضد الحركة العماليَّة والقوى الحديثة عموماً. فبالإضافة إلى حظر نشاط الحزب الشيوعي وحرمان نُوَّابه من مقاعدهم النقابيَّة، كذلك، اتخذت الحكومة عدة تدابير أخرى لإضعاف اتحاد العمال إلى أبعد حد، وتعميق الانشقاق في صفوفه، كما شملت إجراءات تأديبية ضد الحركة العمالية وحلفائها السياسيين.

 

2-    وقادت تداعيات هذه الأحداث إلى أن يُصبح تبادُل الاتهامات والممارسات العدائيَّة بين الحكومة واتحاد العُمَّال أمراً مألوفاً، وعلى وجه الخصوص بعد وقوف اتحاد موظفي الحكومة، حديث التكوين، إلى جانب الاتحاد العام لنقابات العُمَّال. ورغماً عن تنظيم المظاهرات والمواكب وتقديم العديد من العرائض والمذكرات، إلاَّ أن الحكومة لم تحرِّك ساكناً. وفي خطوة لتصعيد الاحتجاج، أعلن اتحاد العمال لإضراب لمدَّة يوم واحد في 15 يونيو 1966، ولكن أيضاً سرعان ما أدركت قيادة الاتحاد أنها تعجَّلت ولم تحسب الأمر جيداً، خصوصاً عندما رفضت نقابة عُمَّال السكك الحديدية – والتي ظلت من أقوى معاقل الحزب الوطني الاتحادي- المشاركة في الإضراب المُعلن، بل وقفت إلى جانب الحكومة في شجبه كعمل سيأسى دبره الشيوعيون.

 

3-    ومن ناحية أخرى، لم تسلم الحركة النقابيَّة من الانقسامات السياسيَّة والاستقطاب على نحوٍ حزبي. فقد كانت كل الأحزاب، ولو بدرجات متفاوتة، تتنافس للحصول على قاعدة سياسيَّة داخل التنظيمات النقابيَّة، وبدأت تُبدي اهتماماً علنياً بانتخابات النقابات، وتحاول بجد أن تكسب مواقع قياديَّة في الحركة النقابيَّة. قادت هذه المنافسة، التي أخذت شكلاً سياسياً سافراً، إلى قيام العديد من المنظمات الحزبية والموازية للتنظيمات النقابيَّة القائمة، كرابطة الأطباء الإسلاميين ورابطة المعلمين الاشتراكيين، على وجه المثال، مِمَّا ألحق – في نظر الكثير من المراقبين- ضرراً بالغاً بالدور الوطني والقومي، وبطبيعة وتوجُّهات الحركة العماليَّة (علي، 1996). وبجانب تكوين التنظيمات النقابية الموازية على أسُسٍ سياسيَّة، فإن تشكيل مؤتمر النقابيين الوطنيين يقف شاهداً على محاولات استقطاب الحركة العماليَّة على نحوٍ حزبي. فقد قام النقابيون المنتسبون للإخوان المسلمون، بالتعاون مع عناصر الأحزاب السياسيَّة التقليديَّة الأخرى، بتنظيم المؤتمر في فبراير 1968 (قسم السيد، 1979). ولكن نسبة لقصور فهم منظمي المؤتمر لطبيعة العمل النقابي وتكتيكاته، فقد فشلوا في اختراق الحركة العماليَّة وكسب موطئ قدم فيها (على، 1996).

4-    وبذلك استطاعت الحركة العمالية الصمود في وجه كل محاولات الحكومة والقوى التقليدية على حدٍ سواء، لزرع الشقاق في صفوفها أو تقويض المكاسب السياسيَّة التي حققتها بعد ثورة أكتوبر 1964. فظلت النقابات تحتفظ بقوَّتها وحيويتها ولم تجد الحكومة بديلاً غير احترام سطوتها ونفوذها (مصطفى، 1993). وفي بدايات عام 1969، واصل الاتحاد العام للعمال ضغوطه على الحكومة لإجبارها على الالتزام باتفاقية يناير 1968، بالتزامُن مع الوقت الذي كان فيه المناخ السياسي مشحوناً بتصعيد الحملة العنيفة ضدَّ مشروع الدستور الإسلامي، وبانشغال القوى السياسيَّة في التحضير للانتخابات الرئاسيَّة المرتقبة. ففي ظِلِّ هذه الظروف، لم يكن في مقدور اتحاد العُمَّال النأي بنفسه عن المشاركة السياسيَّة المباشرة، بل أعلن عن دعمه لمرشح الجبهة الاشتراكيَّة، الذي كان يخوض الانتخابات ضد مُرشَّحين آخرين لحزبي الأمَّة والاتحادي الديمقراطي.

5-    ألقى هذا الوضع السياسي الكئيب بظلاله على كُلِّ أرجاء البلاد في وسط شجار سياسي متصاعد وتكثيف التنازُع في داخل الأحزاب، وفي ما بينها، معاً، على السُّلطة. وبالتالي هيأت كل هذه التطوُّرات الجو لمجموعة من صغار ضُبَّاط القوَّات المسلحة للاستيلاء على السُّلطة بانقلابٍ عسكري في 25 مايو 1969، واضعين بذلك النهاية للفترة الثانية من الحُكم البرلماني التعدُّدي. مثَّل نظام مايو – الذي تبنى البرنامج السياسي للقوى الحديثة– نقطة التحوُّل الأساسية الأولي في تاريخ السياسة السودانيَّة، إذ تمَّت خلال فترة حكمه إعادة هيكلة جذريَّة للعلاقات بين الدولة والنقابات، تغيَّرت بموجبها طبيعة الحركة النقابيَّة وأعيد ترتيب دور  ووضع الحركة بأكملها.

خاتمــة

1-    في حين تتكوَّن الحركة النقابيَّة السودانيَّة من العُمَّال والمزارعين والمهنيين والموظفين والفنيين، وقطاعات أخرى، يظلَّ العمال، تاريخيا، هُم من أنشأ الحركة. ومع أن الحركة لم تأخذ شكلاً تنظيمياً حتى نهاية الحرب العالميَّة الثانية، غير أن بدايتها ترجع إلى بداية القرن المنصرم. وهكذا، على الرغم من الاستياء  والمعارضة من قبل الدولة الاستعماريَّة، بادر العُمَّال من جانبٍ واحد بإعلان تأسيس الاتحاد العام لنقابات عُمَّال السُّودان في 1950، والذي انتزع في نهاية المطاف اعتراف الحكومة في 1966. وتدُلُّ هذه الخطوة علي تبلور وعي العمال بموقعهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعيَّة المشتركة في مرحلة مُبكِّرة جداً. وبنفس القدر، نظراً لوضع الدولة الاستعماريَّة بوصفها أكبر مُخدِّمٍ بالبلاد، اكتسبت الحركة العماليَّة طابعاً وطنياً معادياً للاستعمار، مِمَّا ساهم في الانتقال من النقابيَّة الاقتصاديَّة إلى النقابيَّة السياسيَّة.

2-    الصراع ضد الاستعمار، إلى جانب الأيديولوجيَّة الوطنيَّة، خلقت الظروف المواتية لتعزيز التحالف بين الحركة العماليَّة والنخب المتعلِّمة المتطلعة لحُكم البلاد بعد نيْلِ الاستقلال. غير أن النخب أهدرت هذه الفرصة التاريخيَّة، لا سيَّما ما يمكن أن نُطلق عليه وسط الطيف السياسي السُّوداني، واختارت التحالف المريح مع القوى التقليديَّة الطائفيَّة، والتي، بدورها، وفَّرت لهذه النُخب الدعم الجماهيري الطائفي الجاهز. وهكذا، سَعَت الحركة العمالية للتحالف مع قطاعات محدودة من المهنيين والأكاديميين والطلاب، والحزب الشيوعي السُّوداني، والتي اكتسبت وزناً سياسياً مقارنة بحجم عضويتها.

3-    وجاء التحالف بين الفصائل المختلفة للقوى التقليديَّة، القوى الطائفيَّة وزُعماء القبائل، مع الرأسماليَّة التجاريَّة والزراعيَّة الناشئة، ليُشكِّل قيادة الأحزاب السياسيَّة التي تسلَّمت مقاليد الحُكم في فترتي الحُكم الذاتي وما بعد الاستقلال في 1956. ويبدو أن توجُّس القوى التقليديَّة من، أو على الأقل لامبالاتها تجاه، الحركة النقابيَّة، خلال الحُكم الاستعماري، قد تمَّ نقلها لتسم العلاقات المستقبليَّة بين الدولة والنقابات. وهكذا، نقلت الفترة المُمتدَّة، من الحُكم الذاتي إلي الفترة التالية للاستقلال (1954-58)، علاقات الدولة والنقابات إلى مرحلة جديدة تميَّزت بالمُواجهات الساخنة، الناتجة عن الصراع المحتدم بين القوي التقليدية والقوى الحديثة. وبذلك، أصبح حُلفاء الأمس، في الكفاح المشترك ضد الاستعمار، أعداء اليوم في أعقاب نيل البلاد لاستقلالها.

 

4-    تظل الأنظمة العسكريَّة التسلطيَّة، بحُكم طبيعتها، قليلة الحساسيَّة وشديدة التعصُّب تجاه الحركة النقابيَّة، والتي، بحسب تصوُّر هذه الأنظمة، تُشكِّل تهديداً مباشراً لسُلطتها. وهكذا، قام النظام العسكري الاول (1958-64) بحلِّ النقابات والأحزاب السياسيَّة وإلغاء قانون النقابات لعام 1948، واعتقال قيادات الاتحاد العام للعُمَّال. ومع ذلك، فإن تراكُم نضالات الحركة العماليَّة من أجل استعادة حقوق التنظيم، وتكثيف المقاومة ضد النظام، أفضت إلى اندلاع انتفاضة أكتوبر الشعبيَّة في 21 أكتوبر 1964.

5-    جاءت المطالبة بمشاركة الحركة النقابيَّة، بما في ذلك اتحادات المزارعين، في حكومة أكتوبر الانتقاليَّة استناداً على وزنها الاقتصادي ودورها المفتاحي في إنجاح الثورة، ولتحقيق التوازُن السياسي في النظام الجديد لضمان استقراره واستدامته. وهذا ما دفع للمطالبة بدوائر الخرِّيجين، والتي سمحت لبعض ممثلي القوى الحديثة لدخول البرلمان. هنا نجد أنفسنا أمام سؤالٌ مُلِح يطرح نفسه: هل استيعاب القوى الحديثة في شكل تنظيماتها النقابيَّة يوفر ضمانة ضروريَّة لتثبيت دعائم النظام الديمقراطي السليم؟!  في اعتقادي أن لا، هي الإجابة الصحيحة. فغياب النظريَّة والرويَّة السياسيَّة المتعمِّقة دفعت قيادات الحركة النقابيَّة للتحصُّن في مواقعهم الإستراتيجيَّة في نظام الدولة الحديث ومُؤسَّساته والتمسُّك بالتنظيمات النقابيَّة، كأشكالٍ جاهزة وموجودة أصلاً ويمكن من خلالها المشاركة في السُّلطة السياسيَّة، وذلك بدلاً عن العمل السياسي المنظم وإقامة التحالفات العريضة. وبذلك، عجزت القوى النقابيَّة، والقوى الحديثة عموماً، عن خلق الإطار التنظيمي الأمثل لاستيعاب قوى التغيير، بل واستمرأت التلهي بالنصر الظرفي وتغليب نتائجه الآنية على مواصلة النضال نحو انتصار تاريخي! وربَّما كان حرياً بالحركة النقابيَّة السودانيَّة الاستهداء بتجربة نقابات العُمَّال في بريطانيا في إنشاء حزبٍ مُستقل لتمثيل العُمَّال بصورة أفضل والدفاع عن مصالحهم في الجهازين التشريعي والتنفيذي للدولة، عِوَضاً عن البقاء تحت رحمة صراع النفوذ بين الحزب الشيوعي، من جهة، والقوى السياسية التقليديَّة والدولة، من جهة أخرى.

6-    كان انقلاب مايو 1969 نتاجاً لأزمتين متضافرتين اتَّسمت بهما السياسة السودانيَّة في فترة ما بعد الاستقلال، خاصة النظام البرلماني الثاني (حاج حمد، 1996). نتجت الأزمة الأولى عن التناقُض السَّافر بين الممارسة السياسية للأحزاب التقليديَّة المهيمنة على سُدَّة الحُكم والمستندة على الطائفيَّة الدينيَّة والنظام الديمقراطي التعدُّدي، والذي بطبيعته وبالضرورة يتطلب توافر مُؤسَّساتٍ اجتماعيَّة وسياسيَّة ليبراليَّة. وتقف عدَّة شواهد على هذا التناقُض: خرق الدستور وعدم احترام مبدأ الفصل بين السُّلطات التشريعيَّة والقضائيَّة والتنفيذيَّة (حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان رغماً عن قرار المحكمة العُليا) والإصرار على مسودة الدستور الإسلامي بالرغم من تهديده للنسيج الاجتماعي، الذي يتميَّز بالتعدُّد والتنوُّع.

7-    أما الأزمة الثانية، فتعود جذورها إلى التناقض بين القوى الاجتماعيَّة والسياسيَّة التقليديَّة وما تملكه من أغلبيَّة برلمانيَّة، من جهة، وبين القوى الحديثة والت لها -في المقابل- نفوذٌ نوعي قوي، اقتصادي وسياسي، وذلك بفضل تحكُّمها في الهياكل الإنتاجيَّة الحديثة، ولو كان تمثليها البرلماني ضعيفاً، مِمَّا حرمها من المشاركة الفعَّالة في السُّلطة، من جهة أخرى. وفي ظِلِّ هذه الظروف وجدت القوى الحديثة، في ترقبها لتغيير سياسي حتمي، الخلاص في استلام صغار ضُبَّاط القوَّات المسلَّحة للسُّلطة، والذين بدورهم لم يتردَّدوا لحظة في كسب وُد هذه القوى، وذلك بإعلانهم في أوَّل بيانٍ لهُم بعد الانقلاب عن عزم وتصميم متصلِّبين لتخليص البلاد من هيمنة القُوى “التقليديَّة الرجعيَّة والطائفيَّة. وزاد افتتان القوى الحديثة بالتغيير عندما اتخذ مجلس قيادة الثورة، الذي آلت له كل السُّلطات التشريعيَّة والقضائيَّة والتنفيذيَّة، خُطوة أكثر تقدماً، وذلك بتبنيه للأجندة السياسيَّة  للجبهة الاشتراكيَّة والتي ضمَّت عُضويَّتها اتحاد عام نقابات عُمَّال السُّودان، اتحادات المزارعين واتحادي الموظفين والمعلمين والحزب الشيوعي، وغيرها من المنظمات الجماهيريَّة. ليس ذلك وحسب، بل تمَّ تعيين مُرشَّح الجبهة بابكر عوض الله في الانتخابات الرئاسيَّة، التي أجهضها الانقلاب، عضواً في مجلس قيادة الثورة ورئيساً للوزراء.

8-    فهل، يا ترى، رضيت الحركة النقابيَّة من الغنيمة بالإياب؟!  سيتولى الكتاب، الذي أعكف على إعداده، بتناوُله للتطوُّرات اللاحقة في الحركة النقابيَّة، خلال فترتي الحُكم العسكري الثاني (1969-1985) والنظام البرلماني الثالث (1985-1989) وطوال حُكم الإنقاذ، من 1989 إلى الآن، الإجابة على هذا السؤال.

 

مراجــع

(1)     طه، عبدالرحمن علي، 1970، الحركة العمالية السودانية: دراسة العمل النقابي في مجتمع نامي، رسالة دكتوراه، جامعة كاليفورنيا، لوس انجلوس.

(2)     قسم السيد، حسن، 1979، نوادي العمال والحركة لوطنية في السودان، الخرطوم.

(3)     الساعوري، علي، 1986، العمال السودانيون والسياسة، جنيفالقاهرة، منظمة العمل الإسلامي العالمية.

(4)     بشير، محمد عمر، 1987، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1969، بيروت، دار الجيل.

(5)     سلام، محمد، 1991، تاريخ الحركة العمالية السودانية، ورقة مقدمة لمؤتمر الحوار النقابي، الخرطوم.

(6)     القدَّال، محمد سعيد، 1993، تاريخ السودان الحديث 1820-1955، القاهرة، أمل للنشر.

(7)     مصطفى، محمد المرتضى، 1993، النقابات السودانية والدولة: دورها في الإصلاح الاقتصادي الديمقراطي والتنمية، جامعة بريمين، ألمانيا، أوراق نقاش مجموعة بحوث الاقتصاد السوداني بالإنجليزية.

(8)     علي، حيدر إبراهيم، 1996، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في السودان، القاهرة، مركز ابن خلدون لدراسات التنمية.

حاج حمد، أبوالقاسم، 1996، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل، جزر الهند الغربية البريطانية، مكتب الدراسات الدولية والبحوث.