مبارك أردول إحترمتك اليوم فقط قريبي (رحمك الله رحمة واسعة ) إحترمتك وبالرغم من أننا مختلفين في التوجهات والأفكار السياسية، أطلب منك أن  تعفو عني لأنني لم أعر إهتماماً لما قلته لي قبل 6 سنوات مضت،

عن كيفية تعاملكم مع أفراد بعثة اليوناميد في دارفور لكتابة التقارير بعد نهاية كل مامورية روتينية أو طارئة، اليوم إستدعيت ما قلته لي، ولكي نكون جميعاً على الطاولة القارئ الكريم، حكى أحد أقربائي كان ضابطاً برتبة رفيعة في الجيش السوداني ويعمل في اليوناميد، قال لي إذا سمح الله في أي وقت أن تاتوا بفريق مراقبة دولية أرجو أن لا تاتوا بأناس مثل الذين نعمل معهم؟ قلت له متعجباً ماذا تقصد ؟ قال لي أعني فريق مراقبة دولية مثل اليوناميد هذه! قلت لماذا؟ قال هؤلاء رخاص أكثر من أي شئ تتوقعه، هؤلاء يمكنهم كتابة ما تريده وبطريقتك كما تشاء وتمليه ما يروق لك إذا كنت قاصداً أو كسولاً لا تريد أن تشغل نفسك بالجلوس لساعات أمام الكمبيوتر، والرشوة مقابل ذلك يمكن أن تكون (50دولار) أو قارورة عطر (فتيل ريحة)، مهما عظم شأن الأمر، وأضاف هؤلاء لا يمكن أن تأمنهم على قضية مهما كانت تافهة ووضيعة، فالبيع عندهم في أقرب لفة، فنظرتهم للبعثة هذه من أجل الثراء وتحويش الأموال فقط ليس من نظرة حماية المدنيين وحفظ السلام … إنتهي كلامه عن تجربته في اليوناميد قبل أن ياتي إلي خبر وفاته في أحدى المعارك الحربية ضد قواتنا.

لقد فجعنا من التقارير الإعلامية التي تحدثت عن حادثة إغتصاب (200) إمرأة على الأقل في إقليم دارفور بواسطة قوات من الجيش السوداني، وتابعنا كذلك ردود الأفعال المحلية والإقليمية والدولية من قبل شخصيات تشغل مناصب رفيعة في دول وكذلك نشاطين ومدافعين لحقوق الإنسان وصحفيين وسياسيين، هذه التقارير عن أحداث القرية كانت نشرت قبل ستة يوم من الأن وتبعتها حملة إلكترونية متصاعدة  غرضها التحقيق والتقصي عن الأمر لإنصاف الضحايا وتقديم الجناة الي العدالة، لقد تفائل بعض الناس بأن فريقاً من اليوناميد كانوا قد قرروا الذهاب الي تلكم القرية المنكوبة للتقصي عن الحقائق ولكن السلطات السودانية رفضت لهم الوصول الي القرية، وأصدرت اليوناميد بياناً يوم 4 نوفمبر 2014م بتلكم العرقلة المتعمدة، خلال الفترة تصاعدت حملة المطالبة بالتحقيق بشكل سريع حتى رضخت وإستجابت الحكومة (وقل) منحت اليوناميد ترخيص وصول الي القرية (يا له من عجب).

الملاحظ أن من يوم 4 نوفمبر 2014م لم يصدر من الحكومة السودانية أي تصريح على الأقل يرد على بيان اليوناميد ويكذب التقارير الصحفية الي يوم 9 نوفمبر2014م رفض العقيد الصورامي (كعادته) الإدعات بالأحداث وحبك قصة مختلفة لما حدث.

فمن خلال الأحداث التي دارت أعلاه، تقارير إعلامية تتهم الجيش السوداني بإرتكاب الفظائع، حيثيات القضية من رفض السلطات لفريق البعثة المعني بالتقصي، والحملة التي صاحبتها، ورد الجيش عن ذلك، وبيان اليوناميد الذي صدر أمس نافياً ما حدث يمكننا أن نقول الأتي:  

لم يسمح لبعثة اليوناميد من التوجه الي القرية الا بعد مرور خمسة أيام (من يوم 4 – ليوم 9 نوفمبر2014م) ضُرب حصار وقتذاك للقرية من قبل السلطات الأمنية السودانية التي نعرفها جميعاً!! ويمكننا أن نقول قد تعمدت خلال هذه الفترة (الكافية) من إخفاء أثار الجريمة بل وتهديد السكان (المغلوبين على أمرهم) بعدم التعامل مع فريق التحقيق القادم.

بيان اليوناميد الأخير (حسب سودان تربيون) قال (قالت بعثة الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي في دارفور “يوناميد” ان محققيها المبتعثين الى منطقة “تابت” بولاية شمال دارفور لم يعثروا على اى دلائل تثبت، ما اثير بشأن إغتصاب حامية عسكرية حكومية مائتى من نساء البلدة ،) هذا البيان غير كافي وناقص لا يمكن أن تغلق القضية بسببه حيث يفهم منه أن البعثة أشبه بأنها كتبت تقرير روتيني وليس تقرير موسع عن تحقيق لحدث في هذا الحجم والهالة، فقالت بأنها “لم تعثر على اى دلائل “، حسناً، هذه نتيجة متوقعة وأقول لكم السبب في عدم العثور على الأدلة هو، أولاً، المدة التي قضتها البعثة في مسرح الأحداث كانت ساعات فقط حيث لا يمكنها أبداً العثور على دليل عملت السلطات الأمنية على إخفائه عمداً خلال الخمسة أيام السابقة (أيام العرقلة).

ثانياً، حدث مثل هذه يتطلب إجراءات على أرض الواقع في القرية حيث أولها عزل الجناة من المجنى عليهم ليتحدثوا بحرية أثناء التحري حيث لا يمكن أن تتحرى مع المجني عليه في حضور الجاني فهذا يشكل خطراً محدقاً له بعد ذهابك خاصة إنك تتعامل مع جيش ومواطنيين، والله أنا مبارك أردول هذه إذا كنت من سكان تابت وسئلت أمام الناس هكذا ولا أدري مصيري بعد رجوعك لن أتردد بأن أنفي لك ما حدث والا قد أكون إرتكبت حماقة في حقي.

ثالثا،ً هنالك مسألة مهمة وهي الألية التي وضعها فريق تقصي الحقائق لحماية شهود الحادث وتأمين الضحايا حتى يتم التعرف على الجناة ومعاقبتهم فهذه مهمة وقد تكون أقوى الأركان والحوافر للحصول على الأدلة.

رابعاً، لابد أن يكون في فريق التقصي أطباء نفسانيين نساء يعلمون ثقافة السودانيين ولغتهم تماما لما لمسألة الإغتصاب من تعقيدات  إجتماعية وثقافية عندنا، حيث لا تتوقع من إمرأة سودانية ريفية أن تقول لشخص إجنبي بحضور مترجم وأهل القرية وعساكر الجيش وكاميرات الإعلام بأن فلاناً ذاك قد إغتصبني!.

خامسا، لم يتطرق التقرير بأنهم إتصلوا على مسئولي راديو دبنقا على الأقل ليدلوهم على حيثيات القضية، هذا يتم بعد إتفاقات طبعا مع مسئولي الراديو، لأنهم مهمين وأول من بث التقرير والمتابعات عن القضية.

سادساً البعثة في حد ذاتها مشكوك في أمرها ومصداقيتها مهزوزة بسبب التصريحات التي أدلت بها الدكتورة عائشة البصري عن تعمدها لإخفاء بعض الإنتهاكات في دارفور، وما جرى قبل أيام في هذا الشأن، حيث يمثل ذلك سبباً كافياً بأن لا يتوقع أن تخرج اللجنة بغير ما خرجت به، وربما يقل آخر قد تدخلت بعض الأيادي لإختيار أفراد (مرتشين) ليكونوا ضمن فريق التحقيق.

نتسائل هل البيان الذي أصدرته اليوناميد اليوم يكفي عن الأحداث ؟ ويمكن بعده غلق القضية؟ وهل تعتقد اللجنة إن بيانها شامل أم هنالك تقرير مفصل سينشر لاحقاً، لانه لم يوضح الحيثيات التفصيلية عن الحدث والأليات والنهج التي إهتدت به اللجنة في عملها حيث البدايات الصحيحة والنهج السليم يؤدي الي نتائج سليمة.

لن أختم مقالي والا أتعرض لردود الفعل الحكومية للحدث، فقد تابعت قناة الشروق في نشرة التاسعة أمس وقد تحدث الي الكاميرا مجموعة ممن إدعوا بأنهم مواطنيين من قرية تابت نساء وشيوخ وشباب بصورة لا تختلف عن طريقة أفراد المؤتمر الوطني، حيث لم تُخفي في وجوههم أثر النعمة الباينة (سيماهم في وجوههم) ولم يترددوا من رفع سبابتهم (بطريقتهم) مكبرين يستبشرون لمن يتحدث منهم، إختشوا من فضلكم، نحن نعلم كيفية تعبئتكم لأمثال هؤلاء.

وأخيراً هذا التقرير (إن وجد ) أو قل البيان عن أحدث قرية تابت مرفوض لما فيه من نواقص سببها الإرتجال والتسرع (الكلفتة) بغرض أو غيره من قبل اللجنة، ولأن البعثة مصداقيتها مشكوك فيها فمن الأعدل أن تسند هذه المهمة الي فريق مكون من أفراد مقتدرين في هذا المجال ولهم تجارب مع حكومة السودان وبصلاحيات واسعة للحصول على الأدلة وإتخاذ كافة الترتيبات اللاذمة لذلك، وعلى حكومة السودان إذا كانت عارفة بأن قواتها بريئة عليها التعاون الكامل للحصول على النتائج.