محمّد جلال أحمد هاشم ما قاله القرآن عن الخمر جاءت أوّل إشارة وأوّل ذكرٍ للخمر في القرآن في الآية التّالية: ﴿ومن ثمرات النّخيل والأعناب تتّخذون منه سَكراً ورزقاً حسنا﴾ [النّحل: 67] وهي أوّل ما نزل عن الخمر بمكّة، حيث كانت حلالاً، 

فلم تُحرّم إلاّ في العام الرّابع أو السّادس الهجري بالمدينة. كما وجب علينا إيراد الآية 43 من النّساء كاملة غير منقوصة، وتكملتُها على النّحو التّالي: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جُنُباً إلاّ عابري سبيلٍ حتّى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم الغائط أو لمستم النّساءَ فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إنّ الله كان غفوراً رحيما﴾، والسّورة مدنيّة، مثلُها في ذلك كمثل سورتي البقرة والمائدة. كما يُشير سيّد سابق إلى أنّ المسلمين استفتوا النّبيّ عن شراب يصنعونه من القمح (الخمر) اتّقاءً للبرد، فنهاهم عنه طالما كان مُسكراً، فألحفوا أئن لم ينتهوا، فأمر بقتالهم حتّى يتركوه.

كلّ هذا يُشير إلى تحريمٍ قطعي للخمر. فهل هذا ما نجده إ    ذا ما تصفّحنا سيرة الفقه مع الخمر منذ زمن النّبيّ وصحابته إلى زماننا الرّاهن؟

 

الاختلاف حول تعريف الخمرُ والتّراوح بين التّحليل والتّحريم

اختلف الفقهاء حول الخمر من ثلاث زوايا: الأولى المادّة التي تُصنع منها الخمر، أكانت من التّمر، أم من العنب، أم من العسل، أم من الحبوب إلخ. أمّا الزّاوية الثّانية فكانت الطّريقة التي تُصنع بها، غلياً على النّار، أم نقعاً في الماء، أم تقطيراً. الزّاوية الثّالثة تتعلّق بهل هي مسكرة أم لا، ذلك باعتبار نسبة الكحول فيها من حيث صنعها، ثمّ نسبة الكحول المتعاطاة، كأن يشرب المرء قليلاً من خمر عالية الكحول فلا يسكر. من المهمّ أن نُشير إلى أنّ الاختلاف حول هذه القضايا لا يأخذ هذا الوضوح التّصنيفي في كتب التّراث الإسلامي، فهذا من توضيحنا لما أشكل.

اختلف الفقهاء أيّما اختلاف حول تعريف ما هي الخمر. وبما أنّه لا توجد آية ذات حكم قاطع بالحُرمة، فقد تأوّلوا الآيات تأوّلاً، وتمحّلوا النّصوص تمحّلاً. فبقدر ما توجد أحاديث تحرّم الخمر تخصيصاً وتعميماً، كذلك توجد أحاديث أخرى تحلّلُها تخصيصاً دون تعميم. وقد زاد التّعقيد عدم وجود عقوبة واضحة لشارب الخمر؛ فلو كانت هي بمثل ما يقول الفقهاء من قبيل قول مالك بحرمتها، لكان أوجب أن تكون عقوبتُها واضحة، لا لبس فيها ولا غموض. حملة القول، إنّ الخمر قد التبس أمرُها على الفقهاء، إلاّ أنّهم برغم هذا خلصوا إلى إطلاق حرمتها تخصيصاً وتعميماً. ومع هذا كلّه، ليس أيسر من استقصاء أوجه اللبس. فمثلاً نجد سيّد سابق (وهو اللاحق المتأخّر الذي عاصر القرن العشرين إلى ما بعد منتصفه)، يفتي بما يجمع هذه التّصنيفات، فيزيد المسألة تعقيداً، بدلاً من أن يُميط عنها لثام اللبس، إذ يقول (1971: 319):

«الخمر هي تلك السّوائل المعروفة المعدّة بطريق تخمّر بعض الحبوب أو الفواكه، وتحوّل النِّشا أو السّكّر الذي تحتويه إلى غول [كحول] بواسطة بعض كائنات حيّة لها قدرة على إفراز موادّ خاصّة يُعدّ وجودها ضروريّاً في عمليّة التّخمّر. وقد سمّيت خمراً لأنّها تخمُر العقلَ وتستُره: أي تغطّيه وتفسد إدراكه. هذا هو تعريف الطبّ للخمر [كذا!]. وكلُّ ما من شأنه أن يُسكر، يعتبر خمراً، ولا عبرةَ بالمادّة التي أخذت منه. فما كان مسكراً من أيّ نوع من الأنواع فهو خمرٌ شرعاً، ويأخذ حكمه، ويستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشّعير أو ما كان من غير هذه الأشياء، إذ أن ذلك كلّه خمر محرّم، …».

حسب قوله هذا، تصبح الخمر خمراً بوجود المادّة المخمّرة (الإثانول والميثانول) في أيّ مشروب. هذا التّعريف يقوم على جوهر المادّة المُسكرة، بصرف النّظر عن أوجه الأداء. ولكن قوله: “وسمّيت خمراً لأنّها تخمُر العقلَ وتستره”، لا علاقة له بجوهر الخمر، بل بشربها؛ فهناك حالات من الشّرب لا يغيب فيها عقل الشّارب. كما يقطع سيّد سابق بالحكم بحرمة الخمر، بصرف النّظر عن طريقة صنعها وممّ صّنعت، عنباً أم تمراً أم شعيراً أم عسلاً إلخ.

مع التّشديد على حرمة الخمر، أخذ المسلمين الغلوُّ في تدبيج الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ تدعيماً لحرمتها، فقالوا فيها قول غير العارف. من ذلك ما ينقله سيّد سابق (1971: 315):

«ولهذا أطلق عليها الشّرع أمّ الخبائث. فعن عبد الله بن عمرو أنّ النّبيّ [ص] قال: ‘الخمر أمّ الخبائث’. وعن عبد الله بن عمرو، قال: ’الخمر أمّ الفواحش وأكبر الكبائر؛ ومن شرب الخمر، ترك الصلاة، ووقع على أمّه وخالته وعمّته’، رواه الطّبراني في الكبير من حديث عبد الله بن عمرو، وكذا من حديث ابن عبّاس بلفظ ‘من شربها وقع على أمّه’“.

فمن المعلوم أنّ هذا قولٌ لا يقول به إلاّ من كان يجهل الخمر وما تفعلُه.

حسب ما يقوله سيّد سابق هنا، تصبح الأنبذة أيضاً محرّمة؛ وهذا قول يخالف ما ذهب إليه الكثير من السّلف. ما جعل سيّد سابق يذهب هذا المذهب هو استناده على العلم التّجريبي المعملي في تعريف ما هي الخمر، أي بتكوّن مادة التّخمير. فالنّبيذ فيه قدر معلوم من الإيثانول، وبهذا يصبح خمراً، وبالتّالي وجب تحريمُه. فعندما يقوم الطّبيب بالكشف على أيّ إنسان لتحديد هو هو في حالة سكر أم لا، لا تكون هناك قيمة لنوع الخمر التي شربها، ويسكي أم بيرة، أم كونياك، أم مريسة، ام عرقي؛ فما يكشفه الفحص المعملي هو هل هناك كحول (أي الإيثانول)، أم لا، وما هي نسبته.

يمثّل موقف سيّد سابق هذا ما انتهى إليه المتأخّرون من حيث الالتقاء والإجماع على تحريم كلّ أصناف الخمور. وهو موقف مهمّ لأنّه يعكس ما انتهى إليه الأمر، وهو بخلاف ما كان عليه حال السّلف. فمثلاً الإمام مالك يفرّق بين النّبيذ وبين الخمر، صادعاً بحرمة الأخير المطلقة، إذ يورد الحديث التّالي:

1397 – «وحدّثني عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن عن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أنّه قدم من سفر، فقدّم إليه أهله لحماً، فقال: “انظروا أن يكون هذا من لحوم الأَضحى”. فقالوا: “هو منها”. فقال أبو سعيد: “ألم يكن رسولُ الله (ص) نهى عنها؟” فقالوا: “إنّه قد كان من رسول الله (ص) بعدَك أمرٌ”. فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك، فأُخبر أنّ رسول الله (ص) قَالَ: ‘نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد ثلاثٍ، فكُلُوا وتصدّقوا وادّخروا؛ ونهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا، وكلّ مُسكرٍ حرامٌ؛ ونهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ولا تقولوا هُجْراً”، يعني لا تقولوا سوءاً’».

ويعني هذا أنّ النّبيذ حلال، على ما فيه من نسبة من الإيثانول. ويظهر التّناقض عندما نقرأ قول مالك هذا مع قوله في موضع آخر: (2467) ’قال يحيى، قال مالك: ‘والسّنّة عندنا أنّ كلّ من شرِب شراباً مُسكراً فسكِر أو لم يسكرْ، فقد وجب عليه الحد’ّ”. فمالك هنا (في الحديث رقم 1397) لا يستند في تعريف الخمر على العلم التّجريبي المعملي، بل على النّوع، تفريقاً بين النّبيذ وما عداه من خمر بصرف النّظر عن نسبة الكحول. بينما في الحديث الأخير (رقم 2467) يقوم تعريف الخمر، ضمنيّاً، على أساس الأداء، من حيث نسبة الكحول في المشروب بما يجعله مُسكراً أم لا، بصرف النّظر عن المادّة التي صُنعت منها الخمر. ويزيد الاضطراب أكثر من هذا إذا شفعنا قوله أعلاه بالحكم المشهور القائم على بعض الأحاديث ممّا رواه (سيّد سابق، 1971: 320):

“… مالك ، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن عائشة أنّها قالت: سئل رسول الله [ص] عن البتع وعن نبيذ العسل؟ فقال: ‘كلُّ شراب أسكر، فهو حرام’، أخرجه البخاري. وقال يحيى بن معين: ‘هذا أصحّ حديث رُوي عن النّبيّ [ص] في تحريم المسكر’. ومنها أيضاً ما أخرجه مسلم عن ابن عمر أنّ النّبيّ [ص] قال: ‘كلُّ مسكرٍ خمر، وكلُّ خمرٍ حرام’”.

فهو هنا لا يفرّق بين أيّ نوعٍ من الخمر، نبيذاً كانت أم عرَقاً أم جِعَةً (البيرة). على هذا يصبح ما ينقله سيّد سابق محتوياً على تناقض واضح. فهو يتناقض مع حديث تحليل النّبيذ (1397)، ما لم يكون هناك لبس، كأن يكون المقصود هو ليس التّعميم، بل التّخصيص، كأن يُحرّم السُّكر، وليس الشّرب، على نحو ما سيتّضح لاحقاً.

مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة