شمس الدين ضو البيت -1- الصورة التي روجها  الإعلام الإنقاذي والحكومي لعلي عثمان محمد طه أنه رجل يعمل ألف حساب لكل خطوة قبل أن يخطوها ويزن بميزان الذهب كل كلمة قبل أن يتفوه بها. 

وأشاع عنه مريدوه أنه داهية يعرف تماماً ما يريد, وفوق ذلك يملك سبل الوصول إلى هذا الذي يريد دون أن يعلو صوته أو تتعفر أقدامه  بغبار المعارك التي يخوضها, سواء كان ذلك ضد خصومه خارج التنظيم أو مع منافسيه داخله.. ورسخ (شيخ علي) هذه الصورة الإعلامية (وهو الذي أشرف على أجهزة الإعلام بحكم وضعه الذي يشابه رئيس الوزراء) بطول السكوت وقلة الكلام ثم الخروج في مقابلات مدبرة بعناية هدفها أخذ الرأي العام إلى وجهة معينة (أنظر هنا تأكيده المغلظ في مقابلة تلفزيونية على أن تنحيه الأخير عن دفة القيادة جاء باتفاق الجميع على تجديد الدماء), أو بأقوال محسوبة تعطي الانطباع بأن كل شئ تحت السيطرة ومتحكم فيه ( مثل تبشيره بـ”الجمهورية الثانية” في أجواء الصدمة التي أعقبت الانفصال), أحياناً يلقي السيد علي عثمان بتصريحات تنفيذية محددة ودقيقة, أشهرها دعوته باللغة الانجليزية إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية على الحدود بين السودان والدولة الوليدة في الجنوب أن: Shoot to kill)) كل من يقود دابة تعبر هذه الحدود تحمل بضائع وجهتها الجنوب, كان هدف الحكومة تجويع المناطق الشمالية للدولة الوليدة ومعاقبة وتركيع القيادات الجنوبية التي اختارت الانفصال. مقولته الأخيرة هذه وعلى الرغم من ما ألحقته من أذى بصورة (رجل الدولة) بعيد النظر التي روج لها أيضاً المريدون, إلا أنها رسخت بحرفها ودلالاتها الإيحائية صورة (القناص) محدد الأهداف الذي تبدو فريسته أو بغيته واضحة المعالم أمام منظاره المكبرحتى إذا كانت تفصلها عنه المسافات..!!.

 

-2-

هذه الصورة الزاهية للدينمو المدقق وصانع الألعاب المحترف لم تصمد إذ غامر صاحبها بالخروج (بدون تحفظ) من أمن وبساطة العمل التنفيذي المباشر المسنود بعنف الدولة.. إلى تعقيدات الفكر السياسي والديني المتشابكة التي من المفترض أنها  توجه هذا العمل التنفيذي ..  فتبيّن منذ الوهلة الأولى لهذا الخروج أن تلك (الصورة) لم تكن إلا لفيفة صنعها الإعلام بلا أساس.. وقدم على عثمان نفسه الدليل على ذلك..!!. فحالما تعلق الأمر ببعد النظر الاستراتيجي والاستحقاقات الأصيلة لإدارة الدولة واعتبارات المصلحة العامة الكامنة خلف السياسات التي انتهجتها دولة الحركة الإسلامية.. ضاعت الأهداف عن ناظري على عثمان وطاشت طلقاته في كل الاتجاهات.. لم يقدم علي عثمان الدليل على هذا فقط بما ذكره في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة الرأي العام (رداً على تهمة مبطنة من محاوريه ومن باقان اموم الأمين السابق للحركة الشعبية بأن الحكومة كانت تناور بحق تقريرالمصيرلشق الحركة الشعبية فمنحته لفصيل من الحركة الشعبية في فرانكفورت مطلع عام 1992), عندما قال: “أنت عندما تطلق طلقة لا تدري بعد ذلك من تصيب ومن تخطئ في مسارها” (الرأي العام 6  نوفمبر 2014), ولكن أيضاً بمجمل الاعتبارات والتفسيرات التي قدمها مبررات للسياسات التي تحمّل هو وجماعته في الحركة الإسلامية مسئولية تصميمها وانفاذها على مستوى الدولة, بحيث بدت أقواله وشروحاته حولها محاولات واضحة لتسويق وتسويغ الفشل وتبرئة النفس والجماعة منها أن تكون نظرة للمراجعة وأخذ االعبر.

ولن تستقيم صورة المدقق والمحترف المذكورة بعد هذه الأقوال مرة أخرى إلا بصورة سلبية إذا كان الهدف منها إخفاء الحقائق وأخذ الرأي العام إلى وجهة معينة بعيداً عن أخرى (وهناك من القرائن ما يشير إلى ذلك) ولكن حتى في هذه الحال فإن ذلك لن يفيد كثيراً في تسويق تفسيراته أو تبريراته للسياسات التي وقف خلفها.

 

-3-

إذا أخذنا, على سبيل المثال, الأسباب التي يرى السيد علي عثمان, في تلك المقابلة. أنها قادت للانفصال, نجد أنه يعزوه مرة إلى سياسة الولايات المتحدة ولوبيات ومراكز الضغط فيها, ولكن من المعروف للجميع أن المطامع الأجنبية تتعرض لها كل دول العالم, ومهمة القادة الوطنيين بحق هي مقاومتها وسد الذرائع الداخلية إليها؛ ويعزوه مرة ثانية إلى بعض “العوامل النفسية التراكمية التي تم استخدامها وتحريكها بشكل سالب ومستفز”. ولا أجد تحريكاً لهذه العوامل النفسية أكثراستفزازاً من إعلان حرب جهادية على مواطنين سودانيين, وبالمثل ليس هناك ما هو أكثر استفزازاً من منبر السلام العادل وصحيفة الانتباهة اللذين لم يتركا مذمة أو تحقيراً أو نقيصة لم يلصقاها بأهل الجنوب, وكلاهما : الحرب الجهادية والانتباهة صناعة ‘إنقاذية‘ بامتياز؛ ويرجعه مرة ثالثة إلى “القوى السياسية بإجماعها” لأنها اعترفت للحركة الشعبية بحق تقرير المصير في اسمرا, بينما كانت الحكومة هي التي ناورت بحق تقرير المصير عام 1992 لشق الحركة كما سبق, وذلك قبل مؤتمر أسمرا بعدة سنين. كما أن تقرير المصير لا يعني في كل الأحوال الانفصال ولدينا الدليل في اثيوبيا التي تملك كل واحدة من كياناتها الفيدرالية الإثنية التسع الحق في تقرير المصير بما في ذلك الانفصال وبإجراءات بسيطة, وقاد هذا الحق الدستوري فيها إلى القضاء على النعرات الانفصالية وإلى بناء الوحدة الوطنية وتمتينها. وذكر على عثمان أيضاً أن الجنوب كان أبعد مما يمكن استيعابه في “النصوص النفسية والسياسية والفكرية” التي يمكن استيعاب بقية السودانيين فيها, والسؤال الذي يجب توجيهه له هنا من أين يبدأ قياس هذه المسافة لتحديد بعدها.. هل من النصوص النفسية والسياسية والفكرية الصوفية التي شكلت تاريخياً وجدان السودانيين المسلمين, ولم تكن لديها يوما مشكلة مع أهل الجنوب أو غيرهم؟ أم  أنطلاقاً من فكر الإخوان المسلمين, وهو فكر غريب ومتطرف بدليل أنه شن حرباً جهادية على هؤلاء المواطنين..!!؟. كذلك قال علي عثمان إن الانفصال ربما كان المحصلة الطبيعية لجولات الحرب والسلام في السنوات الخمسين الماضية, وهو يريدنا هنا أن ننسى أن انقلاب ‘الإنقاذ‘ استبق وهدف إلى نسف تنفيذ إتفاق الميرغني- قرنق والمؤتمر الدستوري المضمن فيه والذي كان مقدراً له أن يضع “العقد التأسيسي الجديد” الذي يتحدث عنه علي عثمان, ويبسط  من ثم السلام في ربوع السودان!

 

-4-

 بالطبع لا يغيب عن القارئ أن هذه القائمة التي استعرضها علي عثمان هي في الأصل القائمة المعتادة لقادة المؤتمر الوطني في تبرير الانفصال, بلا جديد, وأهم ملمح فيها أنه يغيب عنها دور الحركة الإسلامية وقادتها, وفترة حكمها التي بلغت 20 عاماً قبل أن ينفصل الجنوب, ويغيب عنها دورالحرب الجهادية التي أشعلتها هناك, وسياساتها الدينية والإثنية والقبلية التي تكفلت بإشعال حروب أهلية أخرى- يغيب دور هذه جميعاً في ما حلّ بالسودان. لا يقترب علي عثمان من دور له وللحركة الإسلامية في ما حدث إلا مداورة, ولكن لكي يحول التخبط والتفريط في تراب الوطن إلي إنجاز, ولكي يسوق الفشل والخيبة إلى نجاحات, ولكي يقلب التقصير وضعف الهمة الوطنية إلى بطولة. يقول علي عثمان في المقابلة المذكورة: “ولكني أقول سيأتي يوم سينظر إلى أن السودانيين بوعيهم المتقدم استطاعوا أن يقدموا معالجة لموضوع التناقض السياسي الداخلي والتباينات السياسية الداخلية بأفضل مما شهدته كل الساحة السياسية المعاصرة حولهم”.. !!؟؟, وإذا تركنا جانباً الكلام حول أن الانفصال هو “تعبير عن وعي متقدم للسودانيين في معالجة التباينات السياسية الداخلية ” والذي لا يمكن أن يقنع أحداً, فإن الحديث عن أن هذه المعالجة هي “أفضل ما شهدته الساحة المعاصرة حولهم” هو مغالطة تاريخية صريحة, لأن انفصال جنوب السودان هو الحالة الوحيدة التي عالجت فيها دولة افريقية “تبايناتها السياسية الداخلية بالانفصال”, من بين 53 دولة “قطرية” افريقية توجد فيها جميعاً تباينات سياسية داخلية وأنشأتها “ظروف وودوافع استعمارية .. لم يكن لأحد يد في تشكيلها” (بتعبير طه) مثل السودان. ولا يعتد هنا بالحالة الارترية لأن ارتريا لم تكن يوماً جزءاً من اثيوبيا, بل ألحقها بها البريطانيون بعد الحرب العالمية الثانية (1950), نتيجة لانهزام محتليها الايطاليين. وكان السودان قد أكمل وقتها أكثر من قرن من عمره منذ نشأته الموحدة في عهد التركية السابقة!

 

-5-

لقد بدا واضحاً أن تسوق السيد علي عثمان شرقاً وغرباً في مسببات الانفصال كان محاولة للهروب من السؤال الحرج حول دوره ودور الحركة الإسلامية فيه, ولإثارة غبار كثيف ربما يحجب التقصير والتفريط وضعف الهمة الوطنية أمام مغريات البقاء في السلطة. لذلك عندما فاجأه محاوروه بسؤاله عن “مسؤوليتكم في تقديم ما يلزم ليبقى السودان تحت مظلة الوطن الواحد”, استنكر السؤال ورده إليهم بسؤال آخر, قائلاً: “ما الذي كان مطلوباً تقديمه وتأخرنا عنه ؟”. قبل أن (يصمت).. ثم يقر بأن هناك فعلاً شيئاً كان من الممكن تقديمه ليبقى السودان موحداً, ثم ليكشف سراً من بين سطور حديثه الذي تحول إلى الغموض والعموم فجأة, هو أن القيادات الجنوبية (وربما وساطات داخلية وإقليمية) طرحت عليهم هذا الشئ مطلباً للأستمرار في الوحدة. ولكن لندع علي عثمان نفسه يتحدث. قال علي عثمان بعد استنكار السؤال ثم (الصمت) المشار إليه: “شئ واحد كان مطلوباً أن نقدمه وتأخرنا عنه وسنظل نتأخر عنه لأنه فوق قناعتنا بالدولة القطرية هو هويتنا.. الشئ الوحيد الذي ربما يقنع الجنوبيين بالاستمرار في الوحدة هو أن يتخلى الشمال عن هويته الثقافية الإسلامية والعربية, ويقبل بالدولة المدنية العلمانية الافريقية…هذه من القضايا التي كان يثيرها بعض إخواننا الجنوبيين علينا”! إذن كانت هناك فرصة للوحدة, والحفاظ على تراب الوطن..ولكنها كانت ستؤدي, حسب علي عثمان, إلى أن “يتخلى الشمال عن هويته الثقافية العربية الإسلامية” وأن يصبح السودان “دولة مدنية علمانية افريقية” ولهذا السبب رفضها علي عثمان وسيظل يرفضها حسب قوله…!! لم يقدم علي عثمان, في الشق الأول من حجته حيثيات عملية للكيفية التي بها س”يـتخلي الشمال عن هويته الثقافية العربية الإسلامية”, بمعنى هل سيترك السودانيون في الشمال الإسلام..؟! هل سيتحولون إلى التحدث باللغة الانجليزية أو لغة الدينكا مثلاً..؟! هل سيقطعون علاقاتهم بالسعودية ودول الخليج ومصر..؟!! وبما أنه ليس متصوراً أن يحدث أياً من هذا يصبح المعنى المقصود أن ما سيكون الشمال مضطراً إليه هو التخلي عن فرض هويته هذه على باقي أهل السودان أواكراههم عليها..!! ولكن أليس هذا واحداً من مستحقات “العقد التأسيسي الجديد” للورثة الاستعمارية الذي تحدث عنه علي عثمان في هذه المقابلة ..؟! أن تقرر الجماعات السودانية طوعاً وباختيارها الحر هويتها الجامعة.؟. خاصة وأن “الشمال” المقصود في حديث علي عثمان ليس هو كل الشمال السياسي خارج الجنوب, لأن هذا الشمال الأخير يشمل مجموعات كبيرة من غير العرب, ومجموعات أخرى من غير المسلمين..؟!! نخلص بالتالي إلى أنه ليس في هذا الشق من حجته ما يُحسب له أو يصلح حتى بمنطقه هو لأن يكون ثمنه التفريط في وحدة التراب السوداني وإلحاق هذا الهوان به.

 

-6-

الشق الثاني من حجة علي عثمان هو أن السودان سيصبح “دولة مدنية علمانية افريقية … ليست لها جذور”. دعونا نتجاوز كما في الشق الأول عن النبرة التحتية التحريضية التعبوية و(الهتافية) في هذه الدفوعات, وننفذ إلي الموضوعي فيها. فالدولة المدنية أو العلمانية ليست هي ذلك “الشيطان” الذي يصوره الأئمة المسيسون في المساجد, أو تلعنه الآلة الإعلامية للسلفيين المتشددين, أو التي يريد أن يخيفنا بها علي عثمان هنا. لأنه وبخلفيته القانونية والسياسية لا بد أن يكون متآلفاً مع مفهوم “المدنية” من “القانون المدني” و”المحاكم المدنية” و”الخدمة لمدنية” التي أدارها لسنوات طويلة.. والدولة المدنية ليست إلا “كبير هذه العائلة المدنية” وإطارها السياسي العام, وتعني بالتحديد “الدولة التي تتأسس الحقوق والواجبات فيها على المواطنة وليس على العقيدة” .. أما الدولة العلمانية فهي “الدولة التي تقف على مسافة واحدة من كل الأديان” .. ولا تعني “الدولة الأفريقية” أكثر من سياقها الجغرافي. لذلك فإن علي عثمان عندما يقول ما يقول يرفض في الواقع سوداناً تتأسس فيه الحقوق والواجبات على المواطنة وليس العقيدة (كما هو الأمر مع النساء في الدستور والقوانين القائمة حالياً), ويرفض سوداناً تقف فيه الدولة على مسافة واحدة من كل مكوناته الدينية..!!.. تزول الدهشة إذا تذكرنا أن الدولة التي تتأسس فيها الحقوق على العقيدة وتنحازأجهزة الدولة فيها إلى دين معين هي الدولة الدينية القائمة على تطبيق الشريعة التي أقامها علي عثمان وجماعته. وبالتالي فإن كل هذه الحديث الطويل عن أن الشمال لن يتخلى عن كذا وكذا لا يعني بالعربي الفصيح أكثر من أن هذا “الشمال” لن يتخلى عن “الشريعة ” ثمناً لاستمرار الوحدة مع الجنوب..!! وربما انتاب على عثمان شئ من الحرج أن يقول ذلك صراحة فلجأ إلى الحديث غير المباشر لعدة أسباب: فهذه الدولة كما سبق هي دولته التي أسسها, وثانياً ربما يكون قد خبر بنفسه على مدى سنواته الطويلة في الحكم إشكالات المنهج وإشكالات تطبيق الشريعة وتأثيراتها السالبة على الوحدة الوطنية من واقع أن تشريعاتها جاءت -مثل كل تشريع- لتنظيم علاقات اجتماعية غير تلك السارية اليوم ولظروف غير هذه الظروف. تحدث علي عثمان عن أن الشمال لن يتخلى عن الدولة الدينية وهو يعلم أنه ليس مخولاً للحديث بإسم هذا “الشمال”, لأن فيه من هو ليس بعربي, وفيه من ليس بمسلم, كما سبق, خاصة وأنه يتحدث عن “عقد تأسيسي يجتمع عليه أهل السودان” ومثل هذا العقد التأسيسي لم ينعقد, وهو أن انعقد فيقوم على التراضي, ولكن على عثمان فرض وصايته عليه وتحدث بإسمه وقرر نيابة عنه أن الجنوب ليس جزءاً منه, حتى قبل أن يوجد.

كذلك يخوض على عثمان مغالطة تاريخية واضحة بقوله إن الشمال لن يتخلى عن الدولة الدينية, ويتجاهل أن خيار الدستور الإسلامي الذي يؤسس لجمهورية دينية إسلامية لم يحصل على أغلبية تجيزه في أي هيئة دستورية فنية أو تأسيسية منتخبة انتخاباً حراً في تاريخ السودان, وذلك منذ أن أسقطت اللجنة الفنية الأولى لصياغة الدستور الدائم لعام 1957 مقترحاً تقدم به ميرغني النصري وثناه عمر بخيت العوض بإضافة كلمة “إسلامية” إلى الصيغة الأصلية المقترحة بأن يكون السودان جمهورية برلمانية موحدة. كذلك أسقط الأعضاء مقترح حسن الترابي ب”الدستور الإسلامي الكامل” في اللجنة الفنية الثانية لعام 1967. بالإجمال ليس في هذه الحجج ما يصلح لأن يكون مبرراً أو تفويضاً لثمن باهظ بحجم التفريط في جزءعزيز من تراب السودان.

 

-7-

 ولكن علي عثمان دفع أيضاً بحجة (أو فتوى) أخرى دفاعاًعن فصل الجنوب, وهي فتوى لا تقوم على منطق الدولة الحديثة واستحقاقات الحكم وإنما تعود إلى فقه “الغلبة” وحكم الأمر الواقع, عندما قال إن “هويتنا” -وهي كما رأينا تعني الدولة الدينية القائمة على تطبيق الشريعة – “[تأتي] فوق قناعاتنا بالدولة القطرية”..!! هنا يقدم على عثمان فتوى دينية تضع “الدين فوق الوطن”. والفتاوي كما نعلم يراد بها سد الطريق أمام النقد والمساءلة لأنها باختصار تقول إن موضوعها هو “كلمة الله ومراده”..!! أي أن فصل الجنوب هو كلمة الله..!! لا أعتقد أن هناك كثيرون سيسلمون له حتى بهذه. بل إن مثل هذه الفتاوي تكشف تهافت وهتافية الحجج التي تُقدم لتبرير الانفصال وتؤكد على أن الأسباب الحقيقة تكمن في مكان آخر..؟! وإذا كان على عثمان قد أحالنا من قبل (بغير حق) إلى “الساحة السياسية المعاصرة” في جوارنا الإقليمي ليشهدوا على “وعينا المتقدم” في التعامل مع مثل هذه القضايا, عندما فصلنا الجنوب, فالأولى أن نعود إليها لنرى كيف تعاملت هذه الساحة مع مثيلات هذه القضايا. ولن نستعين هنا بـ”العلمانيين” أنصار الدولة المدنية التي حذر منها طه, وإنما بـ”الإخوان المسلمين” الذي نشأوا وتربوا ونهلوا من ذات المعين الذي نهل منه طه. فإذا أخذنا موقف حزب العدالة والتنمية المغربي من الشريعة -وهو حزب الإخوان المسلمين هناك- نجد أنه يتبنى مبدأ أنه “لا يجوز ولا يمكن اللجوء إلى أي من أشكال “الإكراه” في الدين, عقيدة وشريعة وأخلاق, وأن هذه القضايا تقوم أساساً من خلال الإقناع والاقتناع, وأنها مجال للضمير والفكر والوجدان وليست مجالاً لسلطة الدولة أو إكراهات القانون”. وبالتالي أسقط الحزب من برنامجه تطبيق الشريعة بالقانون.!! راشد الغنوشي وحزب النهضة في تونس تبنوا واعترفوا بكل موروثات النظام العلماني البورقيبي, وتخلوا عن إضافة الشريعة أو أي من جوانبها كمصدر من مصادر التشريع في الدستور التونسي, وحافظوا على مجلة الأحوال الشخصية التي تساوي بين النساء والرجال وتمنع تعدد الزوجات. حجتهم في ذلك أن الشريعة غير متفق عليها في المجتمع التونسي, لذلك تخلوا عنها حفاظاً على وحدة وسلامة النسيج الاجتماعي لبلدانهم.

وينقل د. عبد الوهاب الأفندي عن آية الله الخميني مرشد الدولة الإسلامية الايرانية حليفة نظام الحكم في السودان أنه تدخل مرة مسانداً الحكومة الايرانية, قائلاً إنه “من الجائز للحاكم أن يتجاوز قوانين الشريعة الإسلامية إذا فرضت المصلحة العامة ذلك”. وعندما فسر رئيس الحكومة آنذاك هذه الفتوى بأنه “من الجائز للحاكم أن يتخطى بعض القواعد الإسلامية المحددة, بشرط أن يبقى محافظاً على القوانين العامة للشريعة”, عاد إليه الخميني مصححاً وموبخاً  بأنه أساء تفسير فتواه, قائلاً إنه “من أجل حماية الدولة الإسلامية فمن حق الإمام أن يعلق أويمنع كل الواجبات الإسلامية.. بما فيها الصلاة والصوم والحج”..!!

لا بد أن نلاحظ هنا أنه في كل هذه الحالات التي تخلى فيها إسلاميون لا مزايدة على إسلامهم عن “الشريعة” لم تكن القضية موضوع الخلاف بحجم اقتطاع جزء من تراب الوطن, وإنما الحفاظ على التماسك ودفع التوافق في هذه المجتمعات.

الخلاصة أن الحجج التي قدمها علي عثمان مبررات لفصل الجنوب لا تقنع. أما السبب الحقيقي الذي لم يقله علي عثمان فهو أن الديمقراطية كانت من لوازم الدولة “المدنية” أو “العلمانية” التي جاءت بها الإتفاقية. والديمقراطية تعني انتخابات حرة وفصل بين السلطات, وقضاء حر, وحريات للإعلام والتنظيم…في مثل تلك الدولة لم يكن كسب الحركة الإسلامية بأي إسم تسمت ليتجاوز على الأرجح ال7%  التي حصلت عليها في انتخابات عام 1986, وهو ما كان يعني مغادرة السلطة ومغرياتها…ففضلت الحركة الإسلامية فصل الجنوب تشبثاً بها..!!