سيف الدولة حمدنا الله لا يمكن النظر للقرار الذي أصدره رئيس الجمهورية بتعيين الدكتور وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية بمعزل عن الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية بإبطال الحكم الظالم 

الذي أصدرته محكمة الشرطة بسجن النقيب أبوزيد عبدالله، والذي إنتهت فيه أيضاً إلى تقرير عدم دستورية نظر محاكم الشرطة للجرائم المشمولة بقانون العقوبات، وإعتبار قرارات محكمة الشرطة في حكم العدم وكأن لم تكن، فليس هناك صدفة تجعل الرئيس يقوم بإجراء هذا التعيين بعد يوم واحد من قيام المحكمة الدستورية بإصدار هذا الحكم في المنصب الذي ظل خالياً منذ سبعة أشهر (أبريل الماضي).

هذا الحكم أصاب عقل النظام بلوثة، خاصة وأن الحكم بإبطال قرار فصل النقيب أبوزيد من العمل قد أغرى بالفعل عشرات الضباط الذين تم فصلهم بموجب نفس القانون لرفع دعاوى دستورية للمطالبة بالعودة للعمل، فالنظام يخشى من تنامي موجة الجسارة التي طرأت في صدور الأحكام لتمضي إلى ما هو أبعد من ذلك، وما فاقم هذا الشعور لدى النظام، أنه تزامن مع الحكم الذي صدر بإعدام أحد ضباط الشرطة في قضية الشهيدة عوضية عجبنا، والذي خلّف حالة من التذمر والغضب الشديد عند عدد من ضباط الشرطة بالحد الذي جعلهم يخرجون على قواعد وتقاليد المهنة العسكرية وبما تستلزمه من إنضباط بتقديم مئات من الضباط لإستقالات جماعية عن العمل إحتجاجاً على الحكم القضائي، وبرغم أن مثل هذا السلوك يستوجب المساءلة العسكرية ، فإن موقف قيادة الشرطة قد جاء يحمل تأييداً مبطناً له، إذ قام نائب مدير عام الشرطة بتحرير رسالة رقيقة (نُشرت عبر وسائط الإنترنت) طلب فيها من قادة الشرطة تهدئة الضباط وطمأنتهم بشرح الجهود التي تقوم بها رئاسة الشرطة في سبيل إلغاء حكم الإعدام.

والحال كذلك، لابد أن تكون ردة فعل النظام إخراس هذا الشبل الذي تعلّم الكلام، وهو وصف يصدق على المحكمة الدستورية، حتى أن المرء ليدهش من أين جاءت بمثل الجسارة التي جعلتها تُصدر هذا الحكم الشجاع في شأن إختصاص محاكم الشرطة، بعد أن صمتت على كل الإنتهاكات الدستورية التي ظل يمارسها النظام حتى لم يبق للمواطن حق لم يُجرّب عليه الإنتهاك، فياما قُطعت أعناق، وبُترت أطراف، وأنتهكت أعراض، وقُطعت أرزاق، وأخرست أصوات، وصودرت أموال، لم تنصف فيها المحكمة الدستورية صاحب حق بخلاف صاحب “التيار”، وكيف تستطيع المحكمة الدستورية أن تقوم بالدور المرسوم لها في حين أن تعيين القضاة بها يتم بالمحاصصة !! (عيّن محمد أحمد الطاهر قاضياً بالمحكمة الدستورية لكونه من أبناء شرق السودان، والذي كان يعمل حتى لحظة تعيينه موظفاً بالمملكة السعودية بعد أن ترك العمل بالقضاء بعد خدمة ثلاث سنوات فقط).

في مثل هذه الظروف، لا بد لأي شخص جرى تعيينه في منصب رئيس المحكمة الدستورية أن يُقلق منامه التفكير في السبب الذي جعل النظام يطمئن إليه ويعهد له بهذه المهمة، فالفتاة حين تكون حسناء وبنت أصول لا تكتفي برفض الزواج إذا تقدم لها عريس صعلوك وعاطل، ولكنها تبحث في السبب الذي جعله يتجرأ بالتفكير في الزواج منها في الأساس، ونحن نتمنى أن يخيّب مولانا وهبي ظن النظام فيه، كما نتمنى ألاّ يكون هذا الحكم التاريخي للمحكمة الدستورية “فجّة موت”، فليس بكثير على هذا الشعب الذي صبر على كل هذا الظلم أن يُضحي له قضاة بوظائفهم من أجل أن يستعيد حقوقه الدستورية حتى لو كان ذلك على الورق.

إن الدمار الذي أصاب مرافق العدل بيد هذا النظام كبير وليس من الساهل جبره وعلاجه، ويكفي أن تقوم أجهزة الدولة بطمس معالم الجريمة وإخفائها بدلاً عن السعي للقبض على المجرمين ومعاقبتهم بمثلما حدث بشأن جرائم الإغتصاب التي وقعت مؤخراً بقرية “تابت” في دارفور، وليس هناك ما يُطمئن بتحقيق العدالة لهؤلاء الضحايا، حتى لو تم تقديم المتهمين للمحاكمة، فما أدخله جلال محمد عثمان بالقضاء لا يمكن أن يخرج بالساهل، فهو – القضاء – لا يزال يُمسك بالسنن ويترك الفرائض، فقد طالعت قبل أيام خبراً نُشر على نطاق واسع عن مؤتمر صحفي بمنبر “سونا” لنائب رئيس القضاء عبدالمجيد إدريس أعلن فيه والتعبير لسعادة النائب : أنه ولأول مرة في تاريخ القضاء يتم إختيار قاضي (حافظ عبدالله الطيب) ليتولى إدارة “المراسم والإعلام”، ولا بد أن يكون كثير من القراء قد تابعوا جهود هذه الإدارة القضائية من واقع الأخبار التي تنشرها حول نشاط رئيس القضاء الجديد وآخرها مقابلته لمعالي وزيرة الإتصالات.

هذه مناسبة للقول بأنه لا بد من كبح موجة الغضب الواضحة التي يحملها كثير من أفراد الشعب ضد الشرطة بسبب القسوة التي يمارسها بعض أفرادها في قمع المظاهرات، والصحيح أن نضع أيدينا وقلوبنا مع الشرفاء من إخواننا وأبنائنا بقوات الشرطة، فبينهم كثير من الشرفاء الذين يشاركوننا الأمل وينتظرون زوال هذا النظام، وهم يعانون من هذا النظام بأكثر مما تعاني بقية القطاعات، إذ يمارسون عملهم في ظروف قاسية، ويقوم النظام بإشراكهم في الحروب بدلاً عن الجيش، وقد فقد الكثير منهم أرواحهم أو صاروا في عداد المفقودين، دون أن يكبد النظام نفسه مشقة البحث عنهم أو دفن رفاتهم فحال أفراد الشرطة ليس بأفضل من حالنا، فقد تعرض زملاءهم للتشريد والتنكيل، ويعلمون أن قطار الفصل من الخدمة في إنتظارهم عند كل محطة.

سوف يأتي اليوم الذي تظهر فيه حقيقة أن إخواننا وأبنائنا شرفاء وكاظمين للغيظ الذي في صدورهم، وقد سبقت لنا الإشارة في مقال سابق لحادثة شهدتها بنفسي بطلها أحد ضباط الشرطة، جرت وقائعها خلال ثورة الشعب في أبريل 1985، فبينما كانت الجماهير تهتف في مظاهرات هادرة في نهاية شارع أفريقيا مع التقاطع الذي يؤدي لمستشفى الأسنان، كانت هناك قوة كبيرة من الشرطة تتحفز للهجوم عليهم، وكان على رأسها ضابط برتبة نقيب يجلس داخل سيارة (النجدة)، ثم فجأة قام الضابط بإطلاق نشيد (الملحمة) من مكبرات الصوت الموجودة بالسيارة، ثم إندفع بها وسط المتظاهرين الذين عانقوه وسار بعربته لمسافة طويلة أمام المظاهرة قبل أن ينصرف ومعه جنوده المدججون بالسلاح، وقد كان موقف الضابط هو “الملحمة” الحقيقية التي ألهبت صدور الجماهير التي إندفعت بقوة من منطقة الخرطوم جنوب نحو القصر. (عقب الإشارة لهذه الحادثة في المقال السابق تلقيت رسالة من بطل هذه الرواية وهو الضابط عماد بشير الذي علمت منه أنه تدرج في الشرطة حتى جرى فصله للصالح العام في بداية عهد الإنقاذ).

saifuldawlah@hotmail.com