د.ناهد محمد الحسن دشن المستعمر وجوده فى السودان باطلاق سراح عشرات الآلاف من مساجين الدولة المهدية امعانا فى اشعار المواطنين بانه معهم على من ظلمهم، وظل كتشنر فى خطاباته الرسمية 

وظل كتشنر فى خطاباته الرسمية الى كرومر يستخدم عبارة الدراويش اشارة لها دلالاتها الاستعلائية وعدائيتها الثقافية للبرابرة المتوحشين ومن ذلك ما كتبه السكرتير المالى لحكومة السودان فى تقرير له 1907 جاء فيه ( وبالتأكيد ان مصر لاتستطيع ان تسمح للسودان ان يرتد الى عهد البربرية وحكم القهر والفساد والخراب الذى كان سائدا فى عهد الدراويش…الخ ). وامعانا فى بذر بذور النوايا الحسنة اهتمت الحكومة الجديدة بالتنمية وتنظيم البلاد وان كانت مصر هي التى تدفع ديون هذه التنمية من خزينتها الخاصة اذ لاتعدو مسرحية التنمية هذه ان تكون اكثر من توظيف للمصريين والسودانيين كبيادق شطرنج لخدمة الخزينة البريطانية بامداد مصانع لانكشاير بالقطن الممتاز !ورغم هذا لم تنطلِ حيلة المسكنة هذه على البعض كما لم يكن للبعض مصلحة خاصة ببقاء المستعمر. فمن المعروف ان ظروف الاستعمار عادة ما تولد طبقة طفيلية تفيد من ممالأتها للسلطة فتثرى وترتبط مصالحها ارتباطا مباشرا ببقاء المستعمر لذلك ظهرت بوادر مقاومة اولية، يمكن تصنيفها نفسيا وفقا للثوار لحالة من التطور داخل منظومة علاقة القهر التى سبق وذكرنا انها تتدرج من الاستكانة عبر الاضطهاد الى الثورة. فظهرت بوادر ثورة كاملة فى الجهات التى عانت قهرا مزدوجا، خصوصا جنوب السودان وجبال النوبة حيث كانت هذه المناطق اهدافا لتجارة الرقيق وبالتالى اضيف الى القهر الجماعى قهر من نوع خاص انضج الذات الانسانية لديهم وثوّرها. بالاضافة الى هذه المناطق تعتبر سلطنة الفور منطقة ذات نفوذ خاص وتاريخ مختلف اذ كانت فى معظم الوقت مستقلة ما امكن.فظل السلطان على دينار يراوغ الحكومة حتى انتصرت عليه وقتل واعيد ضم دار فور الى سلطة المستعمر فى 17 يناير 1917.تعامل الغزاة مع هذه المقاومات بالشدة لكنهم كانوا اكثر عنفا مع الانواع الاخرى للمقاومة التى كانت ترتدى مسوحا غيبيا فتعيد احياء اسطورة المهدى التى ظن المستعمرون انهم نثروا رمادها فى النيل !لذلك كلما ظهر من يدعى انه المهدى او عيسى _وما اكثرهم _ كانت الحكومة تقوم بتصفيتهم واعدامهم فى اصرار على وأد هذا الجنين الذى سبق واختبأ فيه جبروت الثورة المهدية وربما لادراك الغزاة بانهيارات الذات التى ان صادفت واقعا غيبيا عادت وتكثفت لتنفجر فى وجه كل من يقف فى طريقها. ووفقا لتحليلات د. مصطفى عن بنية التخلف وليدة القهر فى مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور..ينتهى القهر بالانسان الى مجموعة من العقد مثل عقدة النقص وهى عقدة وجدها الغزاة عند الذات الخارجة من ليل المهدية فقاموا بتعميق هذا النقص للاستفادة من هذا التصدع فى الذات لأقصى حالات الاستكانة والخنوع. فعقدة النقص كما يقول حجازى (تجعل الخوف يتحكم بالانسان المقهور، الخوف من السلطة، الخوف من قوى الطبيعة، الخوف من فقدان القدرة على المجابهة، الخوف من شرور الآخرين، مما يلقى به فى ما يمكن تسميته بانعدام الكفاءة الاجتماعية والمعرفية فهو يتجنب كل جديد ويتجنب الوضعيات غير المألوفة.وعقدة النقص هذه لها تمظهرات كثيرة فى التاريخ السودانى اذ يعد الاحتياج الى الغيب والاسطورة لحل مشاكل الواقع نابع اساسا من عقدة نقص وقلة ثقة فى الذات والآخرين الذين يشاركونه مصيره التعس وبالتالى لا يثق فى قدرات الآخرين على الانتصار معه وقدرتهم على المجابهة الا اذا بدا الآخر ولو وهميا ذا قدرات خارقة ومنصور من السماء اذ ليس بمقدور هذا الشخص ان يدخل فى تجارب خاسرة وغير محتملة. وفكرة القائد الوحيد كما يقول حجازى وتاريخ السودان هى المدخل للحكومات الديكتاتورية التى يتبعها المواطن مستسلما وخائفا وغير قادر على المجابهة. ولان الخروج من زمن عقدة النقص هذه يتطلب عملا مضنيا وتحليلا طويلا ووعيا مختلفا، يستمر فى العادة ليل الاستكانة حتى ينخدع المستعمر بجبن المواطنين الذى يقبع فى الظل يتخمر فى حرارة الغبائن على كيف الثورة التى حين تهب لا تبقى ولا تذر ولا تتروى. وفى النواحي الحياتية اخذت عقدة النقص مظهراً مختلفا، اذ رفض السودانيون المشاريع الزراعية فى البداية والتى غيرت نمط حياة الكثيرين من البداوة الى الاستقرار، وقد يكون الرفض ثقافيا او نفسيا اذ يعتبر الكسل كما يقول حجازى احد مظاهر المقاومة السالبة. فلجأت الحكومة الى استيراد الايادى العاملة من مصر او من غرب افريقيا.وعدم قدرة العامل السودانى على الالتزام بالعمل اليدوى بأجر ولفترات طويلة كان مقابل الساعات الطويلة من العمل التى يبذلها الفلاتى مثلا فعلى الصعيد العملى لينجح المزارع السودانى مزرعته عليه ان يشارك الفلاتى ولكى يدارى عجزه وعقدة نقصه يصدر من موقف تسيد وترفع عن الاعمال اليدوية وهو ما عرضنا له ابان حديثنا عن الهمباتة الذين يأنفون عن الزراعة والاعمال اليدوية عموما..وللاسف يتم دفع القلق الذى تسببه حالة الشعور بالنقص عند الكثيرين الى اضطهاد الآخرين خصوصا المرأة والآخر الضعيف، فاوجدت الذات السودانية حلا لعقدتها بلفظة ( مرة )و( عب )، تقال بتشفى ونسنسة تزيد كلما تعمق الشعور بالنقص لذلك نجدها وسط الاميين والعاطلين عن العمل الذين لا يحتملون تفوق الآخر صاحب الظروف المشابهة عليهم فبدلا من ان يطوروا انفسهم يكتفون بتحطيمه فى جنون مرضى يصرخ بالشعور بالنقص. وبالطبع للمرأة النصيب الاوفر من هذا الاضطهاد اذ انها الحائط الاقصر والذى لاحول له ولا قوة، فتصير اس البلاء التى تحمل عار الرجل ليسير بين الناس خاطئا ولا عار له. ولعقدة النقص هذه جانب آخر نجده واضحا فى الشعور ازاء الغريب باعتباره شخصا مهيبا ذا قدرات سحرية وقد وظف الطيب صالح هذه الرؤية فى (ضو البيت)، الغريب الذى فعل الاعاجيب تلاحقه دهشات ابناء الحلة وكأنه كائن اسطورى. فالدهشة ازاء الغريب تنبع من عقدة نقص اصيلة وجرح نرجسى غائر يجعلنا ننظر الى الغرباء بدهشة وتبجيل. وهو ما فطن اليه المستعمر وعمقه ليستفيد منه الى آخره وهنا يقول د. مصطفى حجازى: الا ان ابرز مظاهر اجتياح التبخيس والعدوانية يفرضهما عليه المتسلط هو الاعجاب به والاستسلام له فى حالة من التبعية الكلية وبمقدار ما ينهار اعتباره لذاته يتضخم تقديره للمتسلط يرى فيه نوعا من الانسان الفائق الذى له حق شبه الهى فى السيادة والتمتع بكل الامتيازات. تلك علاقة رضوخ ماسوشى كان خلال الاعتراف بحق المتسلط فى فرض سيادته ومن هنا تظهر حالات الاستسلام والتزلف والتقرب.وقد ذكر كامل محجوب فى كتابه تلك الايام، كيف ان بعض الموظفين يتماهون مع الانجليز فى استعلائهم يقلدون طريقتهم فى اللبس والمشى والكلام باعتبار انها النموذج الحضارى.وفى نظرى ان شخصية الانجليزى ومن قبله التركى هى احدى الابتلاءات التى منيت بها الذات السودانية فهؤلاء الناس تحديدا من دون الاعراق الاخرى ولسيادة مستعمراتهم على اجزاء كبيرة من العالم ادى الى تعاظم الذات لديهم وتضخمها ويقوم طقس عبادة الذات هذا بحجب اى مشاعر انسانية قد تطفو على السطح فتؤدى الى اختلال علاقة السيد المسود فينظر الخواجة الينا ونحن دونه بوصفه النظام الطبيعى وناموس الكون.