عبد الله الشيخ  خط الاستواء العُمامة الحمراء، أو"العِميمة الحِميرا"، كانت علامة مُميِّزة لخُفراء هيئة السكّة حديد، وكانت اعتمارها بمثابة حظوة للاُمّي بأدنى درجات السُلّم الوظيفي فى الهيئة ، التى كانت "تهِزْ وتَرِزْ "، لكنّها الآن ،ذهبت مع الرِّيح..

لون العُمامة الأحمر، كان إختياراً ذكياً ، وذلك  لتمييز خفير المحطّة بين آلاف السودانيين الذين يلبسون فى الغالب ،عمائماً أو شالات بيضاء وخضراء، أو مُزركشة أُخرى،  ليس بينها ــ على التحقيق ـــ شيئاً فاقِعاً، اللّهم إلا بعد توهُّج أشياخ هذه الحِقبة، فى كل لون عجيب! وهذا ما لن نستطرد فيه هنا.. كذلك، ليست هناك علاقة بين إحمرار عمامة خفير السكة حديد ، وأي طقس من طقوس “البلشفة”، كما قد يتبادر الى الذِهن عند الحديث عن عطبرة وقطاراتها، بل إنّ مناسبة هذا الكلام  تحديداً ، تتعلّق بما يبديه حِزب المؤتمر الشّعبي ، مِن “كبكبة” على موضوع الحوار الوطني مع اخوانهم فى الحزب الحاكم، حتى أن رجلاً طيّباً و ودوداً ، مثل المُحامي كمال عُمر، “واقِع بى تُقْلو ” فى  الموضوع ، وقد قال ذات مرة، أنّهم سيواصلون الانخراط فى فعاليّات التّحاور مع النظام ،حتى ولو أُعتُقِل التُّرابي مرّةً أُخرى!..

هذا “الانخراط”، أو التّعويل على ثمرات لجنة  الـ ” سبعة زايد سبعة ” يتساوق مع قصّة حدثت أيام عنفوان السكة حديد، بطلها  رجل أعجمي اللِّسان، كان يشغل وظيفة ناظر محطّة، وهي درجة وظيفية لا بأس بها، وقد تحصّل عليها بحُكم أنّه كان يعرف القراءة والكِتابة..شاءت الاقدار أن يكونَ ذلك الرّطاني، صاحِب المزاج العالي، مُداوِماً فى محطّة “جبل موية”، على خط كوستي/ سنّار التقاطُع،  عندما دخل عليه أحد المُواطِنين المُتنطّعين ، فى ساعةٍ من نهار، وسأله عن:”القطر، بيجي متين”؟.. أجابَ الأعجمي باختصار، أن قطر كوستي إتْحرّك من الحاج عبد الله، ومن المتوقّع أن يدخل البابور الى سنّار التقاطع بعد حوالي ربع ساعة..لم يكتفي المواطن بتلك الإجابة ، فعاد يبصْبِص فى أنحاء المكتب، مُستنكِراً الرئِحة، ومتسائلاً عن تلك التى كانت قواريرا!..وحتى هذه عالجها النّاظر الأنداندي ببرود، قائلاً : “الهاجة اللي تَهْت التّربيزة دا” / الحاجة اللي تِحت التّربيزة دي، إنتَ ما عِنّدكْ شغلة بيها، إنتَ سألتَ عن القطر وجاوبناك، بعد دّا، ما عندك شَغَلة معانا!.. المُواطن لم يكتفي بهذه وتِلك، واستفزه البرود واللّامبالاة التى بدا بها الأعجمي، فقال بعد كل ما قد سمِع: ” كيف ما عِنّدي شغلة، إنت عارفني أنا مُنو، أنا مُفتش السِّكة حديد فى الحتّة دي كلّها”!.. مرة أخرى جاءه الرّد الأعجمي: ” يا زول، إن شاء الله تكون هيلاسُلاسي، “بتاع الهَبَشة زاتو” إنت ما عِنّدك معاي شغَلة!.. على هذا تم استدعاء النّاظر، للمثول أمام لجنة للتحقيق فى الحادثة ،فذهب الى مقرّ اللّجنة ولم يُنِكِر الواقعة..وبعد التّداول تلا رئيس اللّجنة قراراً سيرفعه للجّهات العُليا، كان منطوقه يوصي بتخفيض المدّعِى عليه، درجة  أُخرى عن وظيفته التى هو عليها ، أيتنزيله درجة دُنيا عن وظيفته كناظر محظة !..سمع الرّطاني منطوق التّوصية ، فإستقبل اللّجنة باعصّابه الباردة وقال لهم: غايتو “أنا مآآكم” / أنا معاكُم، بي قزازتي دي، لحدي العِميمة الحِميرا”!..

الآن، يكاد صديقنا المُحامي كمال عُمر، يقول نفس الكلام رغم تلكؤ فعاليات لجنة الحوار، المُسمّاة بـ ” سبعة زايد سبعة”، اللّهم إلا إذا كان لتلك العملية الحِوارية أسراراً وأنشطة ، تحت التربيزة ، وهذا معروف و جائز أيضاً ، فى الدهاليز المُغلقة!..