محجوب محمد صالح هذا الأسبوع سيكون (أسبوع السودان) في أديس أبابا، إذ تنتقل للعاصمة الإثيوبية كل المشاكل والأزمات التي تحيط بالسودان اليوم، وكل القيادات السياسية في الحكومة والمعارضة، 

بل وحملة السلاح لإدارة حوار حولها في مقر الاتحاد الإفريقي وفق ما خططت له لجنة الوساطة الإفريقية بعد طول مشاورات واتصالات وإجراءات تحضيرية– الجبهة الثورية ستكون هناك وحزب الأمة سيكون هناك وحركات دارفور المسلحة ستكون هناك، والحركة الشعبية قطاع الشمال ستكون هناك ولجنة السبعة الممثلة للأحزاب المنخرطة في الحوار ستكون هناك، والمؤتمر الوطني سيكون هناك في ظاهرة تكشف أن السودان ما زالت أزمته مهاجرة يتم التعامل معها في العديد من العواصم الأجنبية، ويظل مركزها في أديس أبابا تلف وتدور عواصم العالم لتعود وتستقر في العاصمة الإثيوبية!
لقد خططت لجنة الوساطة للقاء يجمع الفرقاء في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان وينطلق أمس الأول الأربعاء، ولقاء آخر بين الأحزاب المنخرطة في الحوار مع حملة السلاح ومجموعة إعلان باريس ينطلق غدا، ولقاء ثالث في الثاني والعشرين هذا الشهر بين المؤتمر الوطني وحملة السلاح في دارفور لمناقشة احتمالات الوصول إلى حل يحقق السلام في هذا الإقليم الذي دخلت حربه الأهلية عقدها الثاني، ويدور الحوار على خلفية اتفاقية الدوحة بعد أن حصلت الوساطة الإفريقية على موافقة الحكومة القطرية.
كلها قضايا مزمنة وقد شهدت جولات حوار سابقة لم تتوصل إلى نتائج ولم تحدث اختراقا وخلفت إحساساً بأن أطراف الحوار تقبل على الحوار وليس في نيتها أن تصل به إلى غاياته، ولا تملك الإرادة السياسية لتنفيذ مخرجاته، وهو بالنسبة لها مجرد تمرين في العلاقات العامة ومحاولة للتجاوب الظاهري مع ضغوطات إقليمية ودولية وقرارات صادرة عن الاتحاد الإفريقي ومجلس الأمن الدولي، ولذلك لم يعد الرأي العام السوداني معنياً بهذه الجولات الحوارية المتواصلة ولا يتابعها عن كثب ولا يعول عليها كثيراً!
الطرف الأهم في هذا الحوار في كل القضايا هو الحكومة لأنها هي التي تمسك بزمام الأمر، وهي القادرة بحكم الأمر الواقع على إنفاذ ما يتم الاتفاق عليه وإنزاله إلى أرض الواقع ومخرجات الحوار –إذا قدر له أن ينطلق ويصل إلى نتائج– ستحدث تغييرا شاملا سواء في أوضاع المناطق المأزومة أو وفي وضع السودان بأسره، فهل الحكومة مقتنعة بالتغيير الشامل الذي يمكن أن يفضي إليه الحوار؟
التجارب السابقة بالنسبة للاتفاقيات الجزئية التي تمت من قبل مثل اتفاقية الشرق أو اتفاقية القاهرة أو اتفاقية أبوجا بشأن دارفور تشير إلى أن الحكومة لا تلتزم بإنفاذ تلك الاتفاقات والتمسك بها، فالفصيل الذي يقوده منى أركو في دارفور كان هو الفصيل الدارفوري المسلح الوحيد الذي قبل باتفاقية أبوجا وانخرط في الحكومة بموجبها وخرج من تحالفاته مع بقية الحركات الدارفورية المسلحة وأوقف نشاطه العسكري، ولكنه ظل منذ وصوله الخرطوم يشكو من أنه قلد منصباً خياليا وأنه وفصيله مهمشون، وما لبث أن نفض يده من الاتفاق وتمرد وعاد ليحمل سلاحه!
وإذا كان تنفيذ اتفاق جزئي يتعرض لمثل هذا المصير، فكيف يكون مستقبل أي نتائج تهدف إلى تغيير شامل تتوصل إليه المفاوضات الجارية الآن سواء بالنسبة للنيل الأزرق أو جنوب كردفان أو الحوار الوطني الشامل الذي بات مرشحا لأن يكون حواراً (بمن حضر)؟
التخطيط الذي وضعه الوسطاء شيء والواقع على الأرض شيء آخر تماما، الحزب الحاكم ليس مقتنعاً بمبدأ التغيير الشامل ولا يفاوض على أساسه، وغاية ما يفكر فيه إجراء تعديلات طفيفة في الأوضاع القائمة بحيث يستقطب بعض المعارضين تجميلا للوجه وإسهاما في خلق تعددية صورية عبر الأحزاب المشاركة، بينما المعارضون في المعارضة المدنية وحملة السلاح يتطلعون إلى تغيير شامل يطال نظام الحكم وأسس إعادة تشكيل الدولة، وهذا هو التناقض الرئيسي الذي يواجه المفاوضات التي تدور سواء كانت المفاوضات جزئية معنية بالأزمة في ولاية أو ولايات بعينها أو كانت شاملة في إطار حوار قومي لا يستثنى أحدا ولا يستبعد قضية، وفي كل أنحاء العالم لا يتم التغيير عبر الحوار السلمي إلا إذا كان الحزب الحاكم قد وصل إلى قناعة عن طريق قراءة صحيحة للواقع أو تعرضه لضغوط لا قِبل له بها بأنه مطالب بأن يكون جزءاً من الحل الشامل الذي يتراضى حوله مع الجميع ويحدث تغييراً شاملاً في الحكم، وبذلك يختار طوعاً أن يكون جزءاً من التغيير الشامل ويقبل على الحوار بإرادة سياسية غالبة -ولا نظن أن المؤتمر الوطني قد وصل إلى هذه القناعة أو أنه يهدف من مبادرته التي طرحها أن ينجز تغييراً شاملاً يعيد تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة تضمن ديمقراطية تعددية ومشاركة فاعلة في السلطة والثروة– ومادام الأمر كذلك فإن المفاوضات ستظل تدور في حلقة مفرغة، وإن حققت تفاهمات جزئية هنا أو هناك