خالد فضل  هل نداري الحقائق ونردد حديثا ساذجا لا يقدم ولا يؤخر في الوقائع , مثلما يتحدث الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني , معلقا على حدثين مهمين شغلا الرأي العام في السودان 

وغيره في مختلف ارجاء المعمورة , وكلاهما يحمل بين طياته انتهاكات فظيعة لحقوق الانسان . ؟ ففي بيانه عن حدث مصرع جنود في بوابة القصر الجمهوري ردد متحدث الجيش أن معتوها (تقرأ لدى عامة السودانيين مجنونا) حاول اقتحام القصر الجمهوري لأسباب مجهولة بالطبع , وأنه قتل اثنين من افراد الحراسة , أحدهما قتله بسيف كان يحمله والآخر ببندقية انتزعها من القتيل الأول قبل أن يتعامل معه بقية أفراد الحراسة فأردوه قتيلا , حبكة بائخة ورواية ساذجة لا تصلح حتى في أغنيات قناة طيور الجنة , ولم يصدقها أحد حتى قبل أن يتضح جزء من الوقائع لاحقا , فعرف الناس أن المقتول لم يك معتوها إنما  مغبونا , بل هناك رواية تشير الى أنه لم يقتل أساسا لا بسيف ولا ببندقية فقاتله والجنديين الآخرين طرف ثالث كان يتابع الحدث عن قرب !!وهذه الرواية الأخيرة أقرب للتصديق .

  التعليق الآخر من المتحدث باسم الجيش السوداني كان حول تقارير اعلامية بوقوع عملية اغتصاب جماعي لحوالي مائتي امراة في منطقة تابت من ضواحي مدينة الفاشر بشمال دارفور , قال عنها وبعد مرور اسبوع تقريبا من انتشار النبأ , لم تحدث أي خروقات أو عمل عسكري أو عدواني في المنطقة , بل القوات المسلحة هي التي وقع عليها الضرر بفقدها أحد منسوبيها في القرية , ذلك العريف من افراد حامية المنطقة , له علاقة باسرة تسكن القرية (خطيب ابنتهم )وذهب في مساء الجمعة الى هذه الأسرة ولكنه لم يعد حتى اللحظة فذهب زملاؤه للبحث عنه الى أن وصلوا الى منزل تلك الأسرة التي أكدت عدم معرفتها بمكانه فطلب قائد الحامية منها عدم مغادرة القرية !. ثم تحدث عن عدم منطقية ما أورده راديو دبنقا من وقوع اغتصاب لأكثر من 200امرأة بحسبان أن القرية صغيرة,و أفراد الحامية عددهم لا يتجاوز 100فرد , كما أن الاتهام لا يشبه أخلاق السودانيين أصلا ولا يمكن أن يقع من أي طائفة أو من أي جهة في السودان سواء عسكرية أو غيرها “هذا أمر مستحيل” بحسب قوله , ثم أشار الى أن بعثة اليوناميد ستقوم بالتحري والتقصي حول هذه الادعاءات , وأنها أي اليوناميد عندما جاءت بغرض التأكد من صحة الأخبار التي سمعتها في راديو دبنقا .

   لفت نظري نفيه لوقوع الحادثة استنادا على (عدم شبهها للسودانيين جميعا ) !! ولو أضاف كلمة قبل (الانقاذ) لجاز تصديقه بنسبة وليس على الاطلاق , أما والحال معلوم , والمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية السيدة فاتو (الافريقية) تؤكد أن صحيفة الاتهام ضد كبار قادة الانقاذ بما فيهم الرئيس عمر البشير بجرائم الحرب في دارفور , تمثل جريمة الاغتصاب حوالي 70بالمائة من تلك الاتهامات , فإن   مستحيل الصوارمي لا يساوي شيئا , صحيح الفصائل السياسية المسلحة المعارضة في اقليم دارفور وفي النيل الأزرق وفي جبال النوبة  لم تثر ضدها مثل تلك الاتهامات من قبل , بل إنّ قائد السلاح الجوي في الفاشر الذي تم أسره عقب اقتحام قوات حركة جيش تحرير السودان لمدينة الفاشر في مطالع الألفية , كان قد صرّح في حوار صحفي نشرته جريدة الصحافة وقتذاك , (أن قادة الفصائل المسلحة المعارضة شباب متدينون , عاملوه أفضل معاملة ولم يتعرض لأي اساءة منهم , وكان يشاركهم الطعام الذي يشترونه من الأسواق بأموالهم ). وصحيح أن قوات خليل ابراهيم يرحمه الله , عندما دخلت أم درمان اشترى أفرادها سبائط الموز من أسواق المدينة ولم ينهبوه من الباعة , هنا نجد أخلاق السودانيين بحق وحقيقة , وهنا يكمن الفرق بين موقف وموقف , فأحمد هرون والي شمال كردفان , وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية كما معلوم , أضطر لطرد قوات مسلحة سودانية تتبع لطائفة اسمها جهاز الأمن الوطني , طردها من ولايته بعد أن ثار أهالي الابيض وضواحيها من ممارسات تلك القوات وانتهاكاتها لحقوق الانسان , فعن أي فصائل سودانية مسلحة وغير مسلحة تحدث الناطق الرسمي باسم الجيش؟ وهو يستخدم فعل المضارع بأن اليوناميد ستقوم بالتحقيق , والطريف أن اليوناميد لم تصبر طويلا لتحقق فبعد يوم واحد فقط من اذاعة تصريحات الصوارمي , أذاعت اليوناميد ومن داخل مباني حكومة ولاية شمال دارفور ما اسمته بتقريرها حول المزاعم , لم تزد فيه على ما قاله الناطق الرسمي من نفي , ولكنها (مع الأسف) حذفت ما يتعلق بالاخلاق السودانية , التي يعول عليها الناطق العسكري الرسمي . وتقرير اليوناميد لابد أن يقرأ مصحوبا بما نشرته السيدة عائشة البصري قبل عدة شهور وهي قد عملت ناطقة رسمية باسم البعثة وعاشت أجواء عملها وكيفية تلفيقها وطبطبتها للوقائع وعلى قاعدة شهد شاهد من أهلها . فقد عرّت السيدة المذكورة بعثة اليوناميد من أي سربال أخلاقي أو مهني , ووضعت مصداقيتها على المحك , وقد أشار رئيس مجلس الأمن لهذا الشهر مندوب استراليا الى شك معقول في نزاهة ما سمي بتحقيق اليوناميد حول واقعة الاغتصاب في تابت , ولعل كل القرائن تشير الى بطلان ذلك التحقيق , فقد منعت بعثة اليوناميد ابتداءا من دخول المنطقة في لحظات اذاعة الخبر ولم تدخل لجنة التحقيق الا بعد عدة أيام من وقوعه السؤال المنطقي إذا كانت الأوضاع هادئة وينعم مواطنو تابت بالأمن والاستقرار حسبما قال الصوارمي فلماذا منعت بعثة اليوناميد من التحقق من ذلك الهدوء والاستقرار ؟؟ وقد شاهدت مقاطع فيديو على الانترنيت  قيل إنها من تابت ويظهر فيها بعض محققي اليوناميد وسط مجموعة من الأطفال وشخص كبير واحد يتم استجوابه على الهواء مباشرة فتأمل في التحقيق المصوّر والمنقول على الهواء مباشرة وفي منطقة عمليات تسود فيها الاحكام العرفية وتسيطر عليها المليشيات المسلحة !!!كما أن ممارسات الجيش السوداني وردة فعل فصائله تجاه ما يتعرض له بعض أفراده معلوم ومالنا نذهب بعيدا فقبل عدة شهور وفي قسم شرطة الصافية في قلب الخرطوم بحري ماذا حدث عندما اقتادت الشرطة أحد عساكر الجيش الي مقر الشرطة ؟؟ فإذا كان هذا يحدث في العاصمة فما بالك بتابت القصية ؟؟

   الثابت في قضية المرحوم صلاح ومصرعه رفقة أولئك الأفراد من جنود حراسة القصر الجمهوري أنّ هنالك ظلم كبير ودوافع قوية وليس لوثة عقلية كما يزعمون , والثابت أيضا أن الانتهاكات لحقوق الانسان باتت في حكم المعتاد , وخاصة في اقليم دارفور وضد بعض المجموعات الدارفورية تحديدا , ففي جامعة الجزيرة أغتيل 4 طلاب لم يكشف التحقيق بعد من وماذا وراء الحادثة مثلما لم يتم الكشف عن ملابسات الطالب بحر الدين في كلية التربية جامعة الخرطوم وزميله علي في كلية الاقتصاد , ومثلما تعرضت الطالبات الدارفوريات للمعاملة السيئة واقتحام السكن الجامعي في أيام عيد الأضحي الماضي , بل مثلما تنتشر معسكرات النزوح واللجؤ وتنتهك أدنى حقوق الانسان في ذلك الاقليم المنكوب , فالمتحول هو مكان وزمان وأساليب انتهاكات حقوق الانسان فقط , وحيثما وجدت سلطة الاسلاميين السودانيين وجدت الانتهاكات واهدار كرامة الانسان وانتهاك كافة حقوقه بما فيها حقه في الحياة , إنه الشر الذي يغطي كل أرض السودان ويفيض على الجيران , وإنه الداء الوبيل الذي لا دواء منه الا بالاجتثاث من الجذور , وهي مهمة كل فرد يشعر بأنه بشر يستحق أن يعيش على أرض بلاده بكرامة .