نبيل أديب بيان الشرطة حول مقتل شخص وإثنين من الحرس في القصر الجمهوري يخالف كل القوانين والإعراف التي تحكم هذه الحالات فالشرطة ليست منوطا بها التحقيق في الوقائع التي تهم الناس 

بل أن واجبات الشرطة تنحصر في أمرين وهما : منع وقوع الجريمة و التحري في جريمة بعد وقوعها. والشرطة إذ تفعل ذلك تفعله تحت إشراف النيابة أو المحكمة لأغراض أي محاكمة محتملة. المسائل التي تهم الرأي العام ليس من إختصاص الشرطة التحقيق فيها، و لا إطلاع الرأي العام على مايهمه بشأنها. بل إنها ممنوعة من ذلك حينما تتعلق المسألة بجريمة، حيث  ينحصر واجبها في البحث عن البينات التي من شأنها الكشف عن ظروف الجريمة ومعرفة الجاني بغرض تقديمه للمحاكمة. هناك بالطبع مهام جانبية مثل التحفظ على المشتبه به، وإتخاذ الإجراءات المتعلقة بضمان حضوره للمحاكمة، وحماية الشهود وغير ذلك من الإجراءات المتصلة بسلامة المحاكمة. ما حدث في القصر الجمهوري في اليوم المعني، هو إشتباك بإسلحة مختلفة نجم عنه وفاة ثلاثة أشخاص. لما كانت الوفاة وقعت بفعل جنائي فإن الشرطة يتوجب عليها التحري لتحديد مسؤولية الأشحاص الذين لهم علاقة بالحادث، وما هو وصف الجريمة التي وقعت إذا لم يكن مرتكب الفعل الذي أدى إلى الوفاة يستفيد من أحد الأسباب التي تبيح إتيانه الفعل الذي سبب الوفاة. ولكن الشرطة لا تفعل ذلك بغرض إطلاع الرأي العام على ما تتوصل إليه من تحريات بل تفعل ذلك في سرية كاملة، وتحت إشراف النيابة أوالمحكمة، وتخضع في تحرياتها لتوجيهاتهما. ولذلك فهي تسجل كل ما تفعل في يومية التحري، التي هي وثيقة سرية لا يطلع عليها إلا من يخوله القانون سلطة، أو حق، الإطلاع عليها. جاء في بيان الشرطة أن المتهم بقتل إثنين من أفراد الحرس في القصر الجمهوري، هو شخص يعاني من إضطرابات نفسية، وهو أمر لايخولها القانون سلطة أن تقرر فيه ولا أن تعلنه للناس. فمن جهة فإن الشخص الذي وصفته الشرطة بالمتهم ليس متهماً بأي شي لأن الشرطة لا تملك توجيه الإتهام لشحص، فهي سطلة تملكها حصرياً النيابة العمومية. الشخص الذي تشير الظروف إلى إرتكابه الجريمة يشار إليه في أثناء التحري بالمشتبه فيه، ومتى دخل في عقيدتها أنه هو الذي إرتكب الجريمة أو شارك في إرتكابها، تقوم الشرطة برفع توصية للسيد/ وكيل النيابة بتوجيه التهمة لذلك الشخص. إذا رأي وكيل النيابة أنه لا حاجة لمواصلة التحري في المسألة، فإنه يوجه التهمة للمشتبه فيه، ويأمر بتحويل الأمر إلى المحكمة. معلوم أن المشتبه فيه توفى قبل بدء التحريات في الجريمة، وبالتالي فلا يمكن أن تكون النيابة العمومية قد وجهت له إتهاماً، قيل بدء التحري ولا بعد وفاته، لأن الإتهام لا يوجه إلا لأحياء. ولو توفى من وجه له الإتهام قبل محاكمته، تنقضي الدعوى الجنائية في مواجهته، ولا يوصف بعد ذلك بالمتهم. مسألة التقرير فيما إذا كان المتهم مصاب بإضطرابات نفسية أم لا هي مسألة لا تقررها الشرطة، ولكن يقررها القاضي بعد سماع بينة الخبراء في هذا الصدد. والقاضي يفعل ذلك لتحديد مسؤولية المتهم عن الجريمة، لأنه لا يكون مسئولاً عنها إلا إذا كان مدركاً لطبيعة ونتائج أفعاله وقت إرتكابها. ولكن القاضي لا يقرر ذلك بسماع شهادات من أشخاص تعاملوا مع المتهم، كما فعلت الشرطة، ولكن بسماع أطباء نفسيين، كشفوا عليه وفحصوا حالته. رغم أن وفاة الشخص تنهي الدعوى الجنائية في مواجهته، إلا أنه يجوز للشرطة أن تسمع بينات حول صحته العقلية، إذا توافرت مثل هذه البينات، وذلك لمعرفة ما إذا كانت هنالك مساهمة من غيره في الفعل الذي أدي للوفاة، بتحريض أو مساعدة، ولكنها لا تقرر في صحة المشتبه فيه النفسية. الخطأ القاتل الذي وقعت فيه الشرطة هو أن تحرياتها وفقاً للقانون سرية، لا يجوز لها أن تعلن تفاصيلها، ولا نتائجها، للناس وإذا كانت هنالك جهة تملك ذلك فهي النيابة. هذا ما يقتضيه إحترام حق الإنسان في الكرامة التي نصت عليها المادة (28) من الدستور، فذلك الحق لا ينقضي بالوفاة، لأن الشخص المتوفى يترك خلفه من يهمهم سمعته وحقوقه. إذا رأي رئيس الجمهورية أن هنالك مصلحة في معرفة الحقائق التي يعتقد أنها تهم الرأي العام بحيث يحسن أن تعرض عليه، فإنه وفق سطلته في قانون لجان التحقيق يجوز له أن يكون لجنة تحقيق ويمنحها الصلاحيات التي تمكنها من تقصي الحقائق وإعلانها على الناس، أو رفعها له، أو لأجهزة الدولة المختصة.