محمّد جلال أحمد هاشم* يتحدّث سيّد سابق عن نبيذ ما قبل التّخمير، مسمّياً إيّاه بالعصير، وهو اسم حديث لمشروبات غير متخمّرة أصلاً، إذ يقول بجواز "... شرب العصير والنّبيذ قبل غليانه" (1971: 325). فهو هنا، في سبيل التّخلّص من حرج تناقض التّحليل والتّحريم، يريدنا أن نذهب إلى أنّ النّبيذ المحلَّل ليس سوى نوع من العصير ممّا نعرفه في عصرنا الرّاهن.

وهذا في رأينا تدليس. ويستند سيّد سابق على حديث “… عن أبي هريرة عن أبي داوود والنّسائي وابن ماجة. قال: علمت أنّ النّبيّ [ص] كان يصوم، فتحيّنت فطره بنبيذٍ صنعته في دبّاء، ثمّ أتيته به، فإذا هو ينشّ. فقال: ’إضرب بهذا الحائط! فإنّ هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر‘”. فهذا الحديث يعني أنّه وقع في آخر ثلاث سنوات من عمر النّبيّ، وهي الفترة التي عاصر فيها أبو هريرةُ النّبيّ؛ أي بعد أن نزلت الآية 91 من سورة المائدة المعوّل على تفسيرها التّحريم. وبما أنّ النّبيّ قد رفض أن يفطر من صومه بنبيذ بهذا القدر من التّخمّر، يذهب سيّد سابق إلى أنّ ما هو محلّل ليس سوى العصير غير المخمّر. يقول هذا دون أن يربط بين استنتاجه هذا وبين ما يذكره مباشرةً بعد اقتباسه: (صفحة 326) “وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير قال: ’اشربه ما لم يأخذه شيطانه‘ قيل: ’وفي كم يأخذه شيطانه؟‘ قال: ’في ثلاث‘. وأخرج مسلم وغيره من حديث ابن عباس ’أنه كان ينقع للنّبي [ص] الزبيب، فيشربه اليوم والغد وبعد الغد، إلى مساء الثّالثة، ثم يأمر به، فيسقى الخادم أو يهراق‘. قال أبو داوود: ’ومعنى يسقى الخادم، يبادر به الفساد، ومظنّة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام‘”. فلننظر إلى سيّد سابق كيف يسمّي النّبيذ بمسمّى العصير (وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير). ثمّ يُردف سيّد سابق هذا باقتباسٍ آخر(المرجع نفسه: 236) “… وقد أخرج مسلم وغيره من حديث عائشة أنّها كانت تنتبذ لرسول الله [ص] في غدوة، فإذا كان العشيّ فتعشّى، شرب على عشائه؛ وإن فضل شيء، صبّته أو أفرغته. ثم تنتبذ له بالليل، فإذا أصبح تغدّى، فشرب على غدائه. قالت: تغسل السقاء غدوة وعشيّة. وهو لا ينافي حديث ابن عباس المتقدّم أنّه كان يشرب اليوم والغد وبعد”. فالنّبيّ في جميع هذا كان يتكلّم عن النّبيذ وليس العصير. كان هذا النّبيذ الذي يشربه عبارة عن أيّ نوع من الفواكه يُنقع في الماء لما بين يوم وثلاثة أيّام، حتّى إذا زاد تخمّره بما يجعله قويّ السُّكر، صرفه النّبيّ للخادم، بما يعني عدم حرمة شرب الخادم له، على ما فيه من قوّة سُكر. فهذا يختلف عن العصير، ومن يغالط في هذا عليه بكيلو عنب أو ملوة من البلح، فيقوم بنقعها في الماء لمدّة ثلاثة أيّام ثمّ يشرب هذا النّقيع ليرى إذا كان ذلك عصيراً أم نبيذاً، وإذا ما كان ذلك مُسكراً أم لا؛ وعليه ألاّ ينسى أن يصرفه إلى خدمه وأتباعه إذا ما زاد عن هذه المدّة. من المؤكّد أنّه لا يكون ناضجاً ومُسكراً خلال اليوم الأوّل، وربّما الثّاني. وهذا، في رأينا، علّة صرف النّبيّ له، إذ لم يكن يحبُّ السُّكر.

أمّا إذا جئنا إلى من يقع في الوسط بين مالك وسيّد سابق، ألا وهو ابن قتيبة (1999)، سنجد موقفاً مختلفاً كثيراً عن موقف سيّد سابق في عدم تمحّل النّصوص، وفي شجاعته في استعمال العقل مع سعيٍ واضح لتأوّلها بغية إزالة التّناقض. فابن قتيبة الدّينوري، مع تسليمه بحرمة نوعٍ بعينه من الخمر، يتكلّم عن نوع آخر من الخمر لم يُحرّم. ويبدأ أطروحته بقولٍ مُشكل: “وحرّم بالكتاب الخمرَ وبالسّنّة المُسكر، وعوّضَنا منهما صنوف الشّراب من اللبن والعسل وحلال النبيذ”. ويظهر التّحايل للتّملّص من حرمة الخمر في المنطق التّالي الذي صدع به الرّافضون، ذلك في ظلّ تسليمهم بحرمة الخمر:

«وقالوا والله لا يحرّم شيئاً إلاّ لعلّة الاستعباد؛ ولو كان تحريم الخمر للسُّكر، لم يطلقها الله تعالى للأنبياء والأمم قبلنا. فقد شربها نوح عليه السّلام حين خرج من السّفينة واعترس الحبلة حتّى سكر منها وبدت فخذه. وشربها لوط، وشربها عيسى عليهما السّلام ليلة رُفع؛ وشربها المسلمون في صدر الإسلام. وقالوا: وأمّا قولُهم إنّ الخمر ما خَمَر، والمُسكرُ مُخمْر، فهو خمرٌ مثله، فإنّ الأشياء قد تتشاكل في بعض المعاني، فيسمّى بعضها بعلّة فيه وهي في آخر، ولا يُطلق ذلك الاسم على الآخر. ألا ترى أنّ اللبنَ يخمر بروبةٍ تُلقى فيه ويترك حتّى يروب، ولا يسمّى خمراً. وإنّ خمر العجين يسمّى خمراً، ولا يسمّى هو، ولا ما خمِر به من العجين خميراً؛ وإنّ نقيع التّمر [يسمّى] سكّاراً لإسكاره، ولا يسمّى غيره سُكراً، وإن كان يُسكر».

وممّا يشير إلى الاضطراب الكبير الذي يحيط بهذه المسألة من حيث التّحليل والتّحريم ما يرويه ابن قتيبة (المرجع السّابق: 37): “حدّثني … حدّثنا سالم بن قتيبة، قال: حدّثنا يونس بن مدرك عن عمارة، قال: دخل النّبيّ [ص] حائطَ رجلٍ من الأنصار، فرأى فيه رجلاً معه نبيذ في نقير. فقال [الرّسول]: أهرقه! فقال [الرّجل]: أوتأذن لي فأشربه ثمّ لا أعود؟ فقال له النّبيّ [ص]: اشربه ثمّ لا تعد”. فهذا الحديث كما لو كان يدلّ أنّ شرب الخمر من المكروهات فقط. فابن قتيبة يشير إلى أنّ النّبيّ محمّداً كان يسمح لأناسٍ بعينهم في التّرخّص في شرب الخمر متى ما كانت هناك ضرورة، كأن يكون الغرض هو التّداوي (المرجع نفسه: 37): “… بلغني عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الضّحّاك عن زيد بن عبد الله بن الشّخير عن عبد الرّحمن بن صحّار عن أبيه، قال: قلتُ يا رسول الله، إنّي رجلٌ مستقام، فأْذنْ لي في جرّةٍ أنتبذ فيها، فأذن لي”. وهذا، وإن كان يُشير إلى عدم إطلاقيّة تحريم الخمر، إلاّ أنّه ممّا يمكن أن يحسب في باب الضّرورات التي تبيح المحظورات. ومع هذا يقف أيضاً كدليل على اتّجاه ابن قتيبة الضّمني في كراهة الخمر، لا تحريمها.

يقوم مذهب ابن قتيبة، ومن شايعه، على التّفريق بين نوعين من الخمر، منها ما هو محرّم بالكتاب، ومنها ما هو غير محرّم، بل محلّل. فهو يقول (نفسه: 38):

«والخمر نوعان، أحدهما مجمع عليه والآخر مختلفٌ فيه. فأمّا المجمع عليه فهو ما غلا من عصير العنب من غير أن تُصيبه النّارُ. أجمع المسلمون جميعاً على أنّه الخمرُ، لا يحلُّ منها شيءٌ، ولا يستعمل بطعام ولا شراب ولا دواء حتّى ينقلب فيصير خلاًّ. والجنسُ الآخر المختلف فيه، نقيعُ الزّبيب ونقيع التّمر إذا صلُب وهو السّكر».

ومعني «صلب» هو أن يشتدّ، أي يعتوره الفوران والفقاقيع بأعلاه، بما يجعل سيولته المائيّة تذهب عنه. ولكن المهم في هذا هو وصفه لكلا النّوعين بأنّهما خمر، وهو ما ينبغي أن نذهب إليه من ناحية علميّة، معمليّة بحتة. ثمّ يعمد ابن قتيبة بعد هذا إلى المنطق ليفنّد تحريم الخمر التي يرى أنّها حلال ولو كانت مسكرة (نفسه: 43): “الرائب من ألبان الإبل قد يسكر إسكار النبيذ، والعرب تقول: قوم يلبنون، إذا ظهر منهم سفه وجهل، وأصله شربهم اللبن وما يعتريهم مع شربه من الأشر والبطر، ويقولون: قوم روبي، إذا شربوا الرائب فسكروا”. ثمّ يوري عن الشّاعر بشر بن أبي حازم قوله في تميم:

فأمّا تميمٌ تميمُ بن مُرٍّ  فألفاهمُ القومُ رُوبي نياما

ويعلّق ابن قتيبة على هذا بقوله: “أي قد شربوا من الرّائب حتّى سكروا وناموا”. ثمّ يستطرد في ذكر ما يقع في باب هذا بأمثلة كثيرة ليخلص منه بقوله (نفسه: 43): “وليس جميع ذلك بشيء محرّم لأنَّ القصد بالمُسكر إلى الشّراب خاصّة …”.

هذا ما قاله ابن قتيبة، وهو ما لا يختلف عنه فيه باقي الفقهاء، بما فيهم المحدثون مثل سيّد سابق، لكن مع فرق واضح. يكمن الفرق في الرّكون إلى استصحاب جميع الأحاديث بتناقضاتها دونما نقد يقوم على مواجهة هذه التّناقضات.

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة