زهير السراج *أخيرا، وبعد ربع قرن مكابرة تكتشف الانقاذ ان زراعة القمح غير مجدية فى السودان من الناحية الاقتصادية، وتطالب بفتوى علمية من هيئة البحوث الزراعية تتعلق بزراعة القمح لاتخاذ قرار إما بالإستمرار فى زراعته أو اإستبداله بمحاصيل ذات ميزة تنافسية اقتصادية ..!!

*الشكر لنائب الرئيس حسبو محمد عبدالرحمن الذى فتح هذا الملف الصعب وتحدث عن التابو الذى ظل كل مسؤولى الانقاذ يتحدثون عنه بلغة فيها الكثير من المبالغة و(الغلاط) حتى العلماء منهم مثل البروفيسور قنيف، بأن السودان يصلح لانتاج القمح بشكل اقتصادى، بل إن قنيف، أول وزير زراعة فى عهد الانقاذ، هو الذى لعب الدور الأكبر فى تحول الاستراتيجية الزراعية لمشروع الجزيرة من زراعة القطن الى زراعة القمح تحت شعار نأكل مما نزرع (ونفوق العالم أجمع)، مع انه يعرف تماما، وكل من يفهم قليلا فى الزراعة يعرف، ان متطلبات زراعة القمح غير متوفرة فى السودان وعلى رأسها المناخ، فهو بحاجة الى مناخ معتدل يميل نوعا ما الى البرودة، والى تربة طينية غنية بالمواد العضوية، وإذا كان بالإمكان معالجة مشكلة التربة المنهكة فى مشروع الجزيرة بزراعة بعض انواع المحاصيل التى تخصب التربة او اضافة الاسمدة الغذائية ، فإن إستحالة التغلب على مشكلة المناخ الحار معظم السنة فى السودان تجعل من المستحيل نجاح زراعة القمح بشكل اقتصادى وهى معلومة يعرفها اى طالب جغرافيا يعرف القليل عن انواع المناخ والمحاصيل الزراعية التى تسود فيها !! 

* عند قيام الانقاذ، وكما يعرف الجميع، رفعت شعارات خيالية نابعة من عاطفة أججها النجاح غير المتوقع فى الاستيلاء على السلطة بسهولة غير عادية، وكان من بيها شعار (نأكل مما نزرع) الذى تحول الى نشيد يردده كل أهل الانقاذ ويكبرون ويهللون عندما يستمعون اليه يذاع فى أجهزة الاعلام أو ينشد فى الحفلات العامة ، وتحت تأثير ذلك النشيد أو الشعار تغيرت الاستراتيجية الزراعية فى مشروع الجزيرة بكل عشوائية وتحت قيادة البروفيسور قنيف من زراعة محصول القطن طويل التيلة الذى كان السودان احد اهم منتجيه ومصدريه الى زراعة القمح، وساعد على ذلك مناخ بارد ساد فى شتاء عام 1989 واهتمام من الانقاذ المتحمسة فى ذلك الوقت بتوفير معينات الزراعة وتقديم الحلول السريعة لكل العقبات التى واجهت الموسم الزراعى الشتوى آنذاك، مما أدى الى نجاح أكبر من المتوسط فى انتاجية القمح فى ذلك الموسم، وحقق الفلاح أرباحا أكثر من الارباح التى كان يحققها من زراعة القطن، بالإضافة الى حصوله على عنصر أساسى من عناصر غذائه … بالاضافة الى ما كان يحدث من قيام بعض المزارعين باجتزاء جزء من القمح المنتج، بشكل غير قانونى، لبيعه الى تجار المحاصيل او المواطنين الامر الذى ساهم فى زيادة ارباح البعض ــ وكانت النتيجة الطبيعية فى المواسم المقبلة رغم عدم ملائمة المناخ لزراعة القمح، تمسك المزارعين بزراعة القمح ولو ادى ذلك الى تحقيق خسائر باهظة للمشروع ، ورويدا رويدا وتحت تراكم الخسائر أهملت الحكومة المشروع بشكل كامل الى أن انهار تماما .. وكان السبب الرئيس فى ذلك هو القرار العشوائى العاطفى بالتحول من زراعة القطن الى زراعة القمح فى اول موسم زراعى شتوى بعد من استيلاء الانقاذ على السلطة !! 

*الآن، وبعد ربع قرن من إغتصاب الإنقاذ للسلطة، تكتشف الانقاذ ان السودان لا يصلح لانتاج القمح بطريقة اقتصادية فيطلب نائب الرئيس فتوى من هيئة البحوث الزراعية فى ذلك حتى يصدر القرار السياسى .. ولكن بعد ماذا يا سيادة النائب .. بعد ان مات مشروع الجزيرة وشبع موتا وتحول الى خرابة ينعق فيها البوم؟!