بابكر فيصل بابكر قالت صحيفة "الجريدة" الأسبوع الماضي أنَّ نائب الرئيس, حسبو عبد الرحمن, ( شنَّ هجوماً عنيفاً على المجتمع الدولي واتهمه بوضع مؤشرات سالبة عن نسب الفقر بالبلاد والتي جاءت بأن آخر نسب للفقر بالبلاد بلغت حوالي (٤٦٪), 

ونفى أن تكون تلك النسبة صحيحة مُدللاً على ذلك بقوله  إذا كنا فقراء ليه ناس دول شرق آسيا بجوا يشتغلوا عندنا وظائف السودانيين ما بشتغلوها ).

في كلِّ مرَّة يصدرُ فيها حديثٌ أو تصريحٌ عن مسئولٍ حكومىٍ, أو قياديٍ في الحزب الحاكم, أو “داعية” موالٍ للنظام تبرزُ بوضوح المرتكزات التي يستند عليها خطاب الإسلام السياسي, وفي مقدمتها المرتكزين الذهبيين : نظرية المؤامرة  والتبرير اللاعقلاني للمشاكل و القضايا.

فهاهو السيِّد نائب الرئيس بكل بساطة ويُسر يتهِّم “المُجتمع الدولي” بأسره بتلفيق الإحصاءات والمؤشرات ضد السودان, وإذا سُئل عن دوافع هذا التلفيق سيبدأ على الفور في إجترار الأسطوانة المحفوظة : لأنَّ السودان طبَّق الشريعة ووقف في وجه الهيمنة الصهيونية والصليبية والإمبريالية ( الإمبريالية من الأنبرة ).

بالطبع لا يوجد في هذه الحياة شىءٌ أسهل من تحميل “الآخرين” مسئولية فشلنا وإخفاقنا, ورميهم بالإتهامات الجزافية دون النظر في “عيوبنا” الذاتية التي جعلتنا نقبعُ في قاع مقلب نفايات الأمم, وهذا أكبر معوِّق لأية عملية تغيير ننشدها, ولو كانت دولة مثل “اليابان” إستسلمت لمثل هذه النظرية وهذا التفكير لما وقعت فيها معجزة “النهضة” بعد الهزيمة في الحرب وإلقاء القنابل الذرية علي أرضها وإستسلامها لشروط خصومها.

في البدء نقول أنَّ السيِّد نائب الرئيس أخطأ عندما قال أنَّ نسبة الفقر وردت في تقارير  “المجتمع الدولي”, ذلك أنَّ تلك النسبة قال بها تقرير “وطني” هو الأول من نوعه شارك فيه مسؤولون حكوميون وأكاديميون وخبراء تنمية وهو “التقرير الوطني للتنمية البشرية لعام 2012” الذي أعدتهُ جامعة الجزيرة بالمشاركة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي, وقدَّمت له الأستاذة أميرة الفاضل وزيرة الرعاية والضمان الإجتماعي.

خلص ذلك التقرير إلى تحديد مبلغ 113.8 جنيه سوداني (مائة وثلاثة عشر جنيها وثمانين قرشاً) كحد أدني لإستهلاك الفرد الشهري كخط للفقر, وقد وجد أنَّ 46.5% من سكان السودان يعيشون تحت ذلك الخط.

وبالتالي فإنَّ معلومة السيِّد نائب الرئيس التي بنى عليها حديثه أعلاهُ هى معلومة “مغلوطة”, ولا يجدُرُ بشخصٍ يقبع في قمة الهرم الحكومي أن يُصدر مثل هذه التصريح دون أنَّ يتثبت من صدقية معلوماته.

ومن ناحية أخرى فإنَّ نسبة الفقر التي حدَّدها التقرير ليست نسبة قاطعة نهائية, ولكنها تقديرٌ مبنىٌ على معلومات توافرت للباحثين في إطار فرضيات معينة, حيث أنَّ هناك دراسات أخرى تضع هذه النسبة في حدود 90% وهى ليست دراسات غربية أو صهيونية.

وحتى هذا التقرير التي تم تجميع إحصاءاته بين عامي 2010 و 2011 لم يعُد يعكس نسبة الفقر الحقيقية , حيث فقد الجنيه السوداني 100% من قيمته منذ إعداد التقرير الذي وضع خط الفقر في حدود 3.79 (ثلاثة جنيهات وتسعة وسبعون قرشاً) في اليوم, فهل يكفي هذا المبلغ لشراء نصف وجبة في يوم العالمين هذا ؟

غير أنَّ الأدهى والأمر في حديث السيِّد نائب الرئيس هو التبرير الذي ساقهُ لنفي وجود نسبة الفقر هذه في السودان حيث قال إن  ( الواقع الذي يعيشه السودانيين بعيداً عن هذه المؤشرات ) وأضاف  : ( إذا كنا فقراء ليه ناس دول شرق آسيا بجوا يشتغلوا عندنا وظائف السودانيين ما بشتغلوها ).

نحنُ هنا بإزاء إبتكار جديد, معيار غير مسبوق لقياس نسب الفقر, وهو وجود عدد محدود جداً من الأجانب الذين يعملون في بلد معين في وظائف معينة, فهل يعني وجود عشرات أو قل مئات العمال الآسيويين – جلهم إن لم يكن كلهم – في العاصمة أننا بلدٌ غني ؟

هؤلاء العمال الآسيويون – يا سيِّد حسبو – يخدمون شريحة محدودة جداً في المجتمع لا تتعدى 1% من السكان. “معظم” مُكونات هذه الفئة هى المجموعات التي إنتفعت من سياسات النظام الحاكم المطبقة منذ ربع قرن من الزمان.

هل يعلم السيِّد حسبو أنَّ واحداُ من بين كل إثني عشر طفل سوداني يُعاني من “سوء التغذية الحاد” ؟ وهل يعلم أنَّ 2 مليون طفل بين سن 6-13 سنة هم خارج المدارس “فاقد تربوي” ؟ وهل يعلم أنَّ 43% من السودانيين لا يتحصلون على مياه صالحة للشرب ؟ وأنَّ 103 طفل من بين كل 1000 طفل تحت سن الخامسة يموتون كل عام ؟

هذه مؤشرات محدودة توضح مأساة “الفقر” التي تعيشها بلادنا, وبالطبع يُمكن للسيِّد حسبو ومن يُشاركه ذات التفكير أن ينفوا هذه الأرقام بسهولة ويعزونها للمؤامرة الصهيونية الصليبية الماسونية الإمبريالية …. الخ

أمَّا الواقع الذي يعيشه السودانيون – يا سيادة النائب – فينبئُك عنهُ إنتشار أمراض الفقر : السل الرئوي, وسوء التغذية, وفقر الدم, يُنبئك عنهُ حال البيوت التي لا يأكل اهلها سوى وجبة واحدة تعيسة في اليوم, وتنبئك عنه إعلانات المحاكم في الصحف عن “طلاق الغيبة” حيث يفر الآباء لعجزهم عن سد رمق أبنائهم, وكذلك تنبئك عنهُ إحصاءات الهجرة والتسابق للهروب من البلد ولو كان ثمن ذلك الموت عطشاً في صحراء ليبيا !

واقع أهل السودان لا تُعبِّر عنهُ الفئة المحدودة جداً من السكان التي أتينا على ذكرها في السطور أعلاهُ, ولكن يُعبِّر عنه عشرات الألاف من النساء والأطفال في معسكرات النزوح, ويُعبِّر عنه “موت الفجاءة” الذي أصبح يداهمُ الشباب والشيوخ على حدٍ سواء, وكذلك يُعبِّر عنهُ إنتشار الأمراض بصورة مُخيفة غير مسبوقة جرَّاء فساد الماء والغذاء والهواء والذِّمم.

ثم يواصل نائب الرئيس حديثهُ أعلاه ويعترف بوجود مشاكل في هذا الخصوص و يقول : ( “ما ناكرين” لدينا مشاكلنا، لكن لابد من تشخيصها بمفهومنا ).

بالطبع لن يستطيع السيِّد نائب الرئيس أن يقول لنا كيف نستطيع تشخيص مشكلة الفقر “بمفهومنا”, فقياس مثل هذه المشكلة يخضعُ لمعايير علمية يعرفها أهل الإقتصاد والإحصاء, وهى معايير عالمية لا “خصوصية” لها إذ لا يوجد “فقر إسلامي” وآخر “بوذي” وثالث “مسيحي”. 

ولكن مفاجأة السيِّد نائب الرئيس لم تقف عند حد ترديد معلومة مغلوطة أو إستخدام حجة خيالية متكلفة لينفي بها أنَّ 46.5% من سكان السودان يعانون من الفقر, بل يذهب أبعد من ذلك لينقض غزله بيده حين أكد في نفس حديثه أنَّ ( عدم وجود قاعدة بيانات وانعدام التنسيق من الأسباب التي تهزم العمل ).

فإذا كان نائب الرئيس يعترف بعدم وجود “قاعدة بيانات” فكيف تجرأ على نفى “نسب ومعايير ومؤشرات” تنبني في الأساس على المعلومات ؟ وإذا إعترفنا بأنَّ نسبة الفقر المذكورة كانت خاطئة فما هى النسبة التي يعتقد انها صحيحة وكيف توصل إليها في غياب المعلومات والبيانات ؟

لقد كشفت إحصاءات الحصر الشامل لحالات الفقر بالبلاد التي قام بها “ديوان الزكاة” قبل تطبيق اجراءات رفع الدعم عن المحروقات أنَّ عدد الأسر الفقيرة بالبلاد يبلغ “2,2 مليون” أسرة وفق مؤشر يصنف الأسر التي يبلغ دخلها ما يعادل “2 دولار في اليوم بأنها أسر غنية”.

وعلى الرغم من إعتقاد كاتب هذه السطور بأنَّ الرقم أعلاهُ لا يعكس حقائق “الفقر” على الأرض, إلا أنَّنا لأغراض المقال سنوافق عليه, ونقول إذا أعتبرنا متوسط عدد أفراد الأسرة “4 أشخاص” – وهو رقم محافظ – فإنهُ وفق إحصاءات ديوان الزكاة يوجد بالبلاد حوالى 9 مليون فقير وهو رقم يقارب ثلث السكان.

ولكن ديوان الزكاة يعتبر أنَّ الأسرة التي يبلغ دخلها “2 دولار” أي ما يُعادل “17 جنيها” أسرة غنيَّة, فتأمل !

التقديرات الأخيرة يا سيادة النائب, ليست تقديرات المُجتمع الدولي أو المؤسسات والمنظمات الصهيونية والصليبية والإمبريالية, ولكنها تقديرات ديوان الزكاة الذي هو أحد “تجليات” المشروع الحضاري فما قولك ؟

ختاماً : يتوجَّب على القابعين في قمة هرم السلطة أن يفتحوا أعينهم و عقولهم و صدورهم كي يُبصروا حقائق الواقع كما هى, ويُسقطوا جانباً التبرير غير العقلاني للمشاكل ونظرية المؤامرة التي  صارت ” الشماعة ” التي يعلقون عليها الفشل و الأخطاء.

boulkea@gmail.com