عرض : محمد بدوي في مبادرة جديرة بالاحتفاء لكونها تدفع في رصانة نحو حِوارات العقل المفتُوح ، لأحد القضايا الشَائكة التي ظْلت تُسور في كثير من الأحيان بِمتاريس تسعي في دأب إلي قفل محكم،

 مُرتهِن  إلي محمُولات لا تَري الأمر الإ مَن وِجهة نَظر أحادية مُتلبسة  حتمَية الإفتراضات النظرية التِي تنطلق منها، لِتلغي الأخر أو تَدفع بِه دون رأفة إلي خَلف أسوار التَحريم أو التكفِير ، فضَاق الماعون و إرتفعت الهتافية تصم الاَذان ، ليبقي إعمال العقل ، تَتبُع مَظاهِر النِشوء ، الخلفيات التاريخية ، الحوار رَهِينة لمعَايير الإسلام السِياسي  .

في سِفر حَمل عنوان المَرأة فِي الإسلام ، أخذ ترقِيم العدد (1) من مَجلة صَيْحة  للعام 2014  ، أصدرتها شَبكة نِساء القرن الإفريِقي (صيحة) ، جاءت الإصدَارة في مائة صفحة مِن القِطع الكَبِيرة أحَتوت علي ملف العدد كَما ثُبت عَلي غَلافها تحت عُنوَان (جَدل المَرأة و السفٌور) ، في طباعة فاخرة، تَحرِير دَقِيِق ،  تَصمِيم بَالغ المِهنَية و الإحتراف ، أما المُحتوي فعُنوانه جهد  رَصين مُوغِل فِي التمَاسك أشَرع النَوَافذ لمحمٌولاتِه لِأختِراق بَارع نَحو ما تَصدت له.

في إفتتاحية العَدد سَطَرت الكَاتِبة و النَاشطة هَالة يس الكَارب رئيسة التحرير كَيف بدأت فَكرة المجلة ، فأرجعتها إلي العَام 2011 بِمدينة أديس أبابا – بإثيوبيا بعد إنقضاء إجتماعات لِبكة (صيحة) بِمشاركة العدِيدات مِن دول القَرن الإفريقي ، و كيف أن تَنوع الحِضور أثار الفِرقة الأثيوبية أثناء طعام الغداء لتنوع أداء أغنياتها و فقاً لِسجنات الحضور ، تعرض الإفتتاحية للعسف الممنهج ضد الِنساء المُسلمات فِي منطقة القرن الإفريقي ، حيث سعت الأيدلوجيات الدَينية السَائِدة إلي تَحوِيلها لِبيئة مُعَادِية لِوُجود المرأة فِي الفضاء الإجتماعِي العام ، ذهبت هَالة إلي أستعراض بعض البِيئات مِثل السُودان و الصومال حَيثُ إصبحت المرأة الوجه الكَالِح للفقر و الحرب ، أستمرت لِتكشف عن تَخصيص العَدد الأول من للمرأة فِي  الإسلام لِكي نعلِي مِن فَرضِية أن تفسِير الإسلام ليْس حِكَراً عَلي فِئة مُعينة أو عِرق مُحدد ، بقدر ما إنه كمُعتقد و روحانيات ، مَجبُول عَلي تعدد التفَاسِير مِن وَاقع أنه نَصْ خَالِد ، تَمضِي لِتُضيف أن سِطور  المجلة تَحتضِن نُخبة مِن كِبار المُفكِرين والكُتاب ظلوا يُروجون لِلتنوير الإسلامي و يُنافِحون عن قِيم العدالة و المُساواة بين الجِنسين و حِقوق الإنسان بإعتبارها قِيم إسلامِية أصيلة لا تتنَاقض و تعَاليم الإسلام .

الجُزء الأوْل والذِي جَاْء  تحت عِنوان وُجوه  وفِي  الصفحة السَادِسة أطل وَجه  الدَكتورة  أمِينة ودوُد تحت عنوان (أمرأة فسرت القراَن لم لا)  هذه الإفتتاحية ومُصافِحتِها القَارئة، القَارئ من الوَهلةِ الأُولي تُشير إلي تَريب مُمنهج تنَاسب و إسم المجلة ، ماري تيزلي هو الإسم الحقِيقي للدكتورة أمِينة ودود التي وُلدت لأسرة مسيحية بولاية ميرلاند الأمرِيكية قَبل أن تعتنق الإسلام في العام 1972 ، ألفت أمينة ودود كِتابها الرائد الإسلام و المَرأة مُحاولة قِراءة للنص المُقدس مِن وجهة نَظر نسوية  ، أثار جَدلاً كَثيفاً لدي العدِيد من الإسلاميين لكونِه أول مُحَاولة لِتفسِير القُراَن مِن قِبل أمراة.

أطل المفكِرالإسلامي  نَصر حَامِد أبوزْيد ،حَيثُ تعَرض الوجه الثَانِي  لَنشْاتَة و كَيف قَاوم الظِروف التِي مَر بِها لِيعود لإكمال دِراستِه بكُلية اللُغة العَربِية بِجامعة القَاهِرة التي عُين فِيها أستاذاً بَعد أحد عَشر عَاماً عَمل فِيها فَنياً بِمصلحة اللاسِلكِي ،مسِيرة حَياتِه و مُساهماتِه الفِكرِية تُعتبر إضافة عَملاقة  فِي أنسنة الفِكر الإسلامي فقد عَمد عَلي نقد الإسلام السياسي مستنِداً عَلي مشروعه الفَلسفي الذِي يَقوم عَلي فِكرة التأويل الإنساني للقُراَن ، مُسنداً عَلي وَجهة نَرة التِي تّذهب إلي أن المُتمعِن لِلقراَن يَكتشِف أنه أساساً يَنْبني عَلي تعدُدية خِطابِية .

الوجه الثَالث جَاء للَناشطة الصومالية زَهراء محمد أحمد ، و هِي ناشطة مَدنية تعمل مع مجموعة وَاسِعة من الناشطين الصومالين في جهدِ رغم الصعوبِات فِي مٌحاولة حثِيثة للِمُساهمة في بِناء مُجتمع مَدني بالصومال ، زهراء مِراَة ووجه  لناشِطات يَعملن فِي وَاقع بَالغ التَعقيد ، يُرَاهِن علي المعرِفة يأنها ستُحدث التغيِير و الإنتقال إلي مُجتمع تسوده قِيم إنسانية تُجانِب الإنِزِلاق فِي و حل التَطرف و الفَوضي.

نفاذ البَصِيرة و القُدرة عَلي إستشراق المُمستقبل تحت هذا العُنوان أستقرت ملامح الوجه التِي رَسمها بالأبيض و الأسود الفنَان السُودانِي نَصْر الدِين الدُومة لِلشيخ بَابِكر بَدري رائِد تعليم المرأة و أحد صُناع التغيِير الإجتماعي فِي السُودان ،إلي الأسفلِ تَحلت ما يُقَارب المائة كلمة عَرض سِيرة مُختصرة لِنشأته ،ثم عمد المقَال إلي جسَارتِة كرائِد لِتعليم المَرأة فِي السُودان بمَا يُمكن وَصفه بالثورة الإجتماعِية التي كَانت تَري نفَاذ بصِيرته أهمية تَعلِيم المرأة فَمضي فِي مَشروعِه بتصمِيم و شجاعة رغَم المعارضة والتَشكيك الذي واجهه.

الوجه الخَمس كان لرحيِمَة كَاسولِي ، يوغَندِية مُسلمة ، لم تقف نَشأتها القروية بقرية صغِيرة (قومبي) بِوسط يوغندا، ووفاة وَلدها فِي سِن مٌبكرة من مُواصلتها تعلِيمها ، فنَاضلت فِي إصرار لَتنقل إلي المدينة لِتُكمِل دِراستها لِلفنون  الجمِيلة ، فَي العام 2012 أسست برنامج تطوير الذَات للصبيان الُمسلمِين يتعلموٌن فيه مهارات أكتِشاف الذَات و تَحديِد الأهداف بالإضافة إلي مهارات تصفِيف الشعر، ، تحضير الطعام ، الفُنون و الحِرف ، كذلك أسست برنامجي النِجوُم الصَاعِدة لفتيات المرحلة الثَانوِية و (يُونِي أكشن) للجامِعيات ، برامِج التَدرِيِب للِنساء العَملات و أخِيراً برنامِج تطوِير سيدات الأعمَال، إلتقت الرئيس الأمريكي باراك أوباما في لِقاء نُظم للإعتراف بالمُسلِمين الذِين ساعدوا غيرهُم، حَاوتها كَارول مَاغامبو ، تَرجمها إلي العربية سام بيرنز.

 

النِساء و السُلطة  هكذا أشارت دِيباجة الجُزء الثَانِي ، مُشاركة المَرأة فِي السُلطة السِيَاسِية فِي الصومَال يمكن بيُسر النفَاذ  إلِي موضوع المقَال الذِي يحُاول الطَرق مُنبهاُ  للِتمييِز بين مُشَاركة المرأة المُستندة عَلي الوَعي بِدورها كإلتزَام مَبنِي علي إعتراف صَارم بِحقها في المشُاركة ، وبين المُشاركة الشكلية التي تستجِب لِنسب منصوص عليها فِي الدسَاتير ، و قَد ركْز المَقال علي الصومَال كنموذج في ذلك؟

السلطَانَات المنسِيات ، عُنوان كتاب  للكَاتبة فاطمة المرنيسِي ، شَغل الحيز الثَانِي ، حيثُ تَم عرض للكِتَاب فعمد الإستعراض إلي غَوصِ عمِيق ضَارب فِي تتبع جِذور إعتلاء المَرأة لعرش السُلطة ، مع تَمهل سَعي لإثبات قِدم علاقة المرأة و السُلطة ، بِما يَسبق التَدوين لِذلك بتولي بنَاظير بُوتو السُلطة في التَاريخ الحَدِيث

فِي مُحاججة مَعرفية تصَدت للِحط  من مَكانة المَرأة المعرِفية علي مُستوي الدِين إنتحي منهج المقَال الثَالث إلي تثوِير تلك الحُجة من ذَات المُنطلقات التِي يستنِد عليها من يستندُون علي الجهَر بذَاك ، لِتقوُم الجحة مَستنِدة مِن الوَهلِة الأُولي علي العُنوان ( إرث السيدة عائشة) ثُم مُحتمياً فِي صرامة عَلي السُنة النبوِية في حدِيث الرسوُل (ًص) حين قَال (خُذوا نِصف دِينكم مِن هَذِه الحُميِراء)، سعي المقَال إلي وضع النِقَاط فَوق الحِروف بأن مصَادِر التشريع يُمكن مِن خِلالهَا التصدِي لمُحاولات التنمِيط التِي تُلصق عمداَ لِلتقليل من الوَعي المعرِفي للِمرأة.

في الفصل الثَالِث المَوسوم ب(مُساواة) أطلت النَاشطة الإيرَانِية الحَائِزة علي جَائزة نوبل للِسلام ،  شِيرين العَبَادِي  و هَي قَاضِية سَابِقة  و مُحاميِة و مُدافِعة عن حِقوق الإنسان ، إنتهت بِها موَاقِفها الشُجاعة والجَرِيئة إلي المنَافِي فِي العَام 2009، شِيرِين التِي كَانت تُجِيبُ عَلي أسئلة مُحَاورتها الكأتِبة الإيرَانِية فهِيمة فرسَاي ، عمَدت شِيرين عَلي التركِيز أجابَات شَامِلة ثَاقِبة فَلسفتها أن الحِقوُق لا يَجب النظر إليها مِن منظور النَوع لأنها لأنها لا تَحتملُ التَمييز لِتعَارضها مَع مَفهُم حِقوق الإنسَان الذِي هُو مفهوم عَام ، حَال من يَرسُم الصُورة الكَبيرة أضَافت شِيرين  لتُكمل المشَهد قَائِلة عَلينَا أن نَتحلي بِالصبر تِجاه التَغييِر فِي العَالم الإسلامي.

عَلي الصَفحة 36 كَانت لوَحة للفَنان التَشكِيلي السُوَدانِي صلاح إبراهِيم جَاءت سَابِقْة لمقالة بِقلم البَاكستَانِية فَرِيدة شَهِيد تَحت عُنوان أفكاَر مِنْ مَنَظُور باكِستاني ، ركزتْ الكَاتِبة علي تَقنيِن العُنف ضِد المَرأة بَالقَانوُن ، حَيثُ كَشفْت عَلي أن إرتكَاز القَوانِين علي الثَقَافة التِي تضطهِد المَرأة فإنه يَجٍد مَشرُوعيته فيِ الخُصْوصِية الثقَافِية، فِي مَقام اَخر تَعرضَتْ الكَاتبةِ إلي أن بَعْض التَشرِيِعَات القَانْونية مَحصُورة عَلي الرِجَال لِذَا فإنها قَوانيِن ذِكْورية عَلي مِقْيَاس عَدَالة ذُكورية .

الكَاتب و البَاحث السُودانِي عَبد الخَالِق السِر و تَحت عُنوان النِسوية الإسَلامِية أثار نقِاطِ جْوَهرِية و فِي تقدِيرِي أنْ عَبد الخَالق تَعرضْ لموضِوعَات فِي غَايَة الأهمِية لأنها تَوْجهَت مُبَاشرة نحو تَفكِيكِ العَوائِق فِي الِسياق المفَاهِيمي حَيثُ قَال أن التَصدٍي  لِحِقوق المَرأة المَرأة لَيستْ مَسئُوليِة النِساء فَقط ، و أنها لأيست مُستوْردة أو ظَاهرة حَديِثة ، بل أن العَدالة و المُساواة ظَاهرة مُتَأصِبة فِي الإسلام و سعَي المُسلِمُون تَحقِيقها عَلي مدَي التَاريخ .

كأن عَبد الخَالِق يُجِيبْ عَلي أسَئلة قد تَطوف بالِذهن ظَلت تُثَار هُنا و هنَاك فِي سِياقات سَلفِية تربِط المُناداة بِالحِقوق بَأنَها تأثر بِالمجَتمعَات الغَربِية و لا يَجوز للمُسلِمة أو المُسلِم ذلك حين قَال لَيس بالضَرورة أن تَكُوْن حِقوق المَرأة مَوْلوْداً عَلمَانِياً.

إحتلت لَوْحة الفنَان اليَوغندِي رونِي أوفوانق التِي إخَترق اللون الأصفر فِي أعَلي اللوْحة عَلي اليَسار كثافة اللونْ العُنَابي  ، ليطُل اللونْ الأبيض فِي أربعة مَواقِع أضأفة رَونقاً و :شفت عن تَجسِيد أخترق السِريالية فِي مَزج بَالغِ الرَوعة ، أستقَرتْ اللوَحة أنيقاً عَلي ثُلثي الصَفْحَة 42 مِن المَجلة ، عَلي الثُلثِ الأخير و بأقصي الجَنِب الأيمن تَم تثَبِيت مَرجع يُشير إلي  مَصدرِ سَابِق للقَصيدة  مَع إشَارة إلي أنها نُشِرت لأولِ مَرة فِي إصدَارة مٌسلِمة – المَتحَف العَالمِي للِنسَاء ، فِي السطر الأخِير بَرز إسم مُصطفَي هَاروُن الذي تَرجمها للعربِية ، أُمِي هَل ، لِي ….؟ مَن نَظم النَاشطة ،  الشَاعرة ،  المُدوِنة ،و المُصوِرة الإمرِيكية مِن أصل بنَغَالِي نَادِية حُسيِنْ.

أُمِي هَل، لي….؟ قَصِيِدْة مُسَتَوْحَاة وِفقاَ للشَاعِرة مِن لعبة للأطفَال إعتَادت عَلي مُمارستِها فِي طُفْولتٍها ، لإضعمدت إلِي المُقَارنة بينها و مسيِرة حَياتِها لِتلتْقِط التشَابه بَينْ قِيوُد اللعُبْة و تِلكْ التِي تَعترِضْ مَسِيرتها لَيس سِوْي أنها أمَرأة و لا سَيْمَا أمَرأة مُسلِمة ،  لَكِن فِي خِتام القَصِيدة تُظهِر الكَاتِبة مُقَاومتِها قَائِلة

لا أنجِب بِنتاً أبداً

تنظُر فِي وَجهِي تَتَوْسلنِي  قَائِلة

أُمِي هَل لي….؟

بذَات مقْيَاس اللوْحةِ السَابِقة أستقر تَلويِن للفنَان السُودَانِي نَصر الدِين الدُوْمة ، فٍي أعلي اللوَحة تطِل مِئِذنة ، تجسِد لِشجرةِ مُخْضَرة يقَترب شخَصلن يَصُعُب تتبْع ملامحهم ، عَلي الثُلثِ الأخِير مِن اللوْحة و إلي اليسَار يظهَر رجل بِجلبَاب سُوداني أبيض يَداه مَعقُودتان إلي الخَلف تُمسك أصابعه بِمسبحة ، علي الجَانِب الأيمن تَظهر ثَلاث نِسوة عَلي ثِياب بيضاء تحمل إحداهن مصلاية عَلي يَدها اليُسري ،أتجاه التَلوين يُشيرُ إلي أن الجَمِيع مُتجِهون صَوْب المَسجد.

رَبطت أحداثِيات اللوْحة و المَوضوع الأخير للفصَل الثَلث و الذي جَاء بِقلم الناشِطة والكَاتِبة السُودانِية هَالة الكَارِب تَحت عُنوان مُسْلِمة عَلي خُطي جْدتِي ، إكَتسب المَوضُوع قُوته من كَونه سَرد واقِعي فَهالة التي حَاولت التحَث عن مَفهوم الحِجاب ، إستطاعت بِيُسر أن تَدلف لذِلك بَعرض قِصة لِجدتها أمنة بت محمد علي و كَيف أنها كأنت تَرتدي ثَوبها الأبيض الأنيق (أبوقجيجة) و تَحرص عَلي أناقتها و تُهندم حال مسايرها المُحَضبة بِالحناء ، ثم تَرفع خطواً نَحو المسجِد لأداء شعيرة الجُمعة و مُصلايتها تستقر عَلي راحة يدها ، كأن الكَاتبة تُطلق تسَاؤلاً مَاهي معايِير الحِجاب ، و هلَ الثَوب السُوداني لا يفي بشروط أداء الصلاة ، لعل السرد يكشف عن نقطة جوهرية وهي أن النساء كن حاضرات في الحياة السوُدانية قَبل مُحاولة فصلها عُن الرِجال فِي الحيْاة العَامة بِستخْدام قوانِين مثل النظَام العَام والتعَامل مع مجمل موروث الشَعب السودانِي بالحوجة إلي إعادة صياغة وفقاً لمحمول الإسلام السياسي.