عبد الله الشيخ  خط الاستواء رسالة من البريد:َ  لا يمكننا وصف الإعلام السوداني في هذه الفترة سوى أنه إعلام مرحلة الأزمة، وإذا كان ثمة أطراف عديدة تتحمل مسؤولية الأزمات العصيبة التي تمر بها البلاد، فإن المجال الإعلامي بشكل عام هو ارتداد لها،

يعبر عن زيف خطابها الثقافي، الذي يخلق تناقضات وهمية، محصلة الجدل بينها الاستمرار في وضعية الدوران داخل حلقة مفرغة.
هذه الوضعية التي مازلنا نعيش فيها منذ مجيء نظام الإنقاذ، والمتمثلة حلقاتها بوجود عمل مسلح يدفعه الشعور بالتهميش والرغبة في تقاسم السلطة والثروة، يقابلها صخب الجهاد المقدس، لينخفض صوت المعركة رويداً رويداً مع مفاوضات تجعلنا نحفظ عن ظهر قلب أسماء عواصم ومدن أفريقية أكثر مما تعيننا عليه مباريات كرة القدم، ثم ينتج من ذلك التوقيع على اتفاقيات توقف الحرب مؤقتاً وتمنح بعض المناطق حكماً ذاتياً أو حقاً لتقرير المصير، ثم يجري خلاف بين النخب على الصيغ التي تمكنهم من الاستفراد بأكبر نصيب من الحكم، وبعد ذلك يقع تمرد جديد يفصل أو يهدد بانفصال جزء من أجزاء الوطن، وإذا ما استمرت الرافعة الإعلامية لهذه الخطابات المشوهة على نفس النهج، فسنظل في هذه الحلقة حتى يُباع بقية السودان في مزاد دولي برعاية الوسيط الأفريقي وآليته رفيعة المستوى.
ومن خلال قراءة عامة للخطاب الإعلامي السياسي وتأثيره على الجمهور، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المتابع أنه في جملته يفتقر إلى رؤية واضحة ومتماسكة، والافتقار إلى هذه الرؤية هو ما جعل المجال الإعلامي عاجز عن تشكيل الوعي العام وبناء هوية سياسية وطنية في عقل الجمهور، بل نذهب لأكثر من ذلك لاعتباره منتجاً لحزمة خطابات مفككة وعدمية، تتناول تفاصيل الأحداث اليومية بما يكرس للنظرة الآحادية الضيقة، ويرجح من كفة عقلية التجزئة ويشتت من عقد الوحدة الوطنية، ويضعف من ثقة الجماهير في نفسها وفي قدرتها على صنع التغيير.
إلا أن اللافت في الأمر، هو أن صاحبنا كاتب عمود “خط الاستواء”، غير منتبه لهذه الوضعية الخطيرة، بل ما زال يسلط جام غضبه على تنظيم الإخوان المسلمين الذي أُقتلعت أنيابه وصارت قدراته على المنافسة من حكاوي الماضي، لاسيما بعد سقوطه تجاربه في مصر وفشلها في كل من تونس وليبيا واليمن والعراق، وانحسار الدعم الدولي والإقليمي المقدم له، والذي كان يعول عليه كثيراً في لعبه على حبال الحكم.
إن الأستاذ عبدالله الشيخ ينجر أحياناً إلى ما يمكن أن نسميه “خطاب الأحداث، الذي يتعامل مع قضايا الراهن بعيداً عن سياقها البنيوي الذي يجب أن تكون متسقة معه ومحققة لأهدافه، وما يعزز رؤيتي هو عدم كتابته لمقال واحد يفند فيه ادعاءات الجبهة الثورية والحركات المسلحة، التي نما مشروعها في حواضن أزمات المشروع الحضاري، فتغذت من مآلاته وقويت شوكتها من انعكاساته، كذلك لم أجده أيضاً يوجه سهامه إلى رؤوس العمل السياسي المدني المعارض القائم على ردة الفعل والمنزوي في خانة المتفرج؟، وعلى الرغم من ذلك فإنني استثني صاحب هذا العمود من دائرة التآمر الإعلامي الذي يصب في مصلحة بعض الأطراف السياسية، وأشدد على أن اختلافي معه لا يقلل من شأن احترامي له، فهو كان ولا يزال صحفياً مهنياً وطنياً وشريفاً، لذلك فإنني أوجه الدعوة له وعبر منبره لكل الصحفيين الوطنيين، بالعمل على إصلاح المنظومة الإعلامية بما يمكنها من وضع قضية الوحدة الوطنية في أعلى عتبه لسلم أولويات الهم العام، وبما يجعلها تسهم كذلك في تكريس قيم الديمقراطية، وتحافظ على استقلالية الفرد، وتوفر له مساحة للتفكير يحدد من خلالها خياراته واتجاهاته الخاصة.

عبد الرحمن فاروق  ــــ صحفي سوداني مقيم بالسعودية