د.ناهد محمد الحسن اضطر المستعمرفى غمرة مصالحه ان يؤسس لمشاريع تنموية بالبلاد ويؤسس نظاما تعليميا ليحد من سطوة الموظفين المصريين وليحكم السياسة، فسمح للذات السودانية ان تنمو فى غفلة منه

فتعاقبت الثورات من العظماء من ابناء هذا الوطن الذين عرفوا ان الطريق الى هزيمة الخوف يبدأ بالتحرر من سلطة المجهول -الموت – فراحوا فى فدائية عالية يبدعون ذواتهم حتى تحرروا من الخوف وحررونا من المستعمر فماذا فعلنا بالحرية ؟

كتب السيد محمد احمد المحجوب عن ملابسات الاستقلال قائلا :كانت التجربة السودانية فريدة لاننا كنا اول بلد فى افريقيا خاصة حقق استقلاله عن الدولة المستعمرة بطريقة نظامية , بينما تونس ومراكش لم تحصلا على استقلالهما فى آذار (مارس) 1956  الا بعد فترة عصيان مسلح ضد الفرنسيين . سارت عملية استقلالنا فى خطوات محسوبة وفقا لجدول مواعيد معين تقريبا , وتم التفاوض فى كل مرحلة مع الدولتين الاجنبيتين الحاكمتين من دون ثورة مسلحة او عنف .).هذا الاقتباس من كتابه الديمقراطية فى الميزان والذى امتلأ باحاديث وخطب من هذا النوع الذى يحمل ايحاءات نفسية تشير الى الارتباك الذهنى تجاه ملابسات الاستقلال التى اتت كحدث سلمى يقبله الانسان المقهور ويفرح به باعتبار انه قد تجنب المواجهة الحتمية لمهددات الذات الانسانية . ومن هنا ايضا فقدنا اولى فرص المعافاة ! فاذا كانت الذات السودانية المقهورة والمستكينة مكبلة داخليا بالخوف من كل ما هو خارجها سواء اكان القاهر او الاخر او الطبيعة والمجهول والاقدار . فان اولى مفاعيل الانطلاق والتحرر تنبعث من التضحية والرغبة فى الاستشهاد باعتبار ان الفناء هو المهدد الوجودى الاعظم للذات الانسانية التى تتحرر بهزيمته . وبالتالى تمنح التجارب الثورية العنيفة المسلحة وغير العنيفة _ كتجربة الهند مثلا _ طاقة الانطلاق التحررية هذه بفعل الثورة القائم على الغيرية والتضحية ونكران الذات.المقابلات الضرورية لتاريخ طويل من القهر كرس الخوف على الذات بجبنه وانانيته لسلب الانسان كرامته وانسانيته . وللتدليل على هذا الارتباك بدا خطاب المحجوب الذى القاه فى البرلمان بعد ان طرح قضية جلاء القوات البريطانية والمصرية , خطاب لثائر يبحث عن افعال ثورية تعطى استقلاله قيمة ما, فخرج الخطاب ملئ بالمكنيزمات الدفاعية النفسية الموازنة للذات  التى تبحث لها عن قصاص عادل …يقول المحجوب :نسدل الستار اليوم فى هذا المجلس على اخر مراحل الحكم الاجنبى البغيض . على انه يجب ان نتوقف لنترحم على ارواح اولئك الذين اضطهدوا خلال الحكم التركى  المصرى واولئك الذين ماتوا فى سبيل حرية هذا البلد وهم يقاومون هذا الحكم الثنائى .  ان براعة رجال الدولة وديبلوماسيتهم هما اللتان  حققتا فى هذه المرة رحيل القوات الاجنبية السلمى لكن من دون تلك البراعة والديبلوماسية لن يتردد شعبنا فى تحقيق الحرية بالطريقة الصعبة ….), ومن الواضح ان غياب الطريقة الصعبة هو الذى جعل المحجوب يعود الى نصف قرن كامل باحثا عن ابطال جديرين بهذا النصر …حيث بدا له الافندية خريجو كلية غردون , الذين جلبوا النصر بتهذيبهم ولياقتهم وديبلوماسيتهم مكافئا غير موضوعى لليل القهر الطويل ,ويبدو ان هذا الخاطر الذى يشوش الاحساس بالنصر قد عن للمحجوب اذ سارع برفض الفكرة مستطردا :لم نطلب ولا نطلب الاستقلال مستجدين , لانه حقنا الطبيعى ..) , وقد يخطر للبعض اننى بصدد التقليل من المحجوب او من مناسبة الاستقلال , حيث يتمسك البعض فى غياب النماذج الى التمسك ببعض الثوابت التى تؤمن الهوية الذاتية والمجتمعية ويستميت فى الدفاع عنها بصورة مرضية تعليها على النقد والتمحيص . انا من الذين تربوا على حب المحجوب كدرس فى التربية الوطنية ومن المتأكدين ان ملابسات الاستقلال كانت ظروفا قدرية لافكاك منها , فالسودان لم يكن مستهدفا لذاته بالاستعمار بقدر ما كانت بريطانيا تسعى لتأمين مصالحها وحماية مستعمراتها الاخرى فى افريقيا …لكن ظروف الاستقلال اسهمت فى ديمومة الشخصية المقهورة بافقادها الثورة كمفاعل تحررى ضرورى واصيل. .يواصل المحجوب خطابه الترافعى كسيد مهذب باحث عن قيمة عليا يوازن بها الذات ..يقول : عانينا الكثير من الاستعمار , اما الان ونحن فى موقف وداعه فاننا لانحمل حقدا على احد , ولكننا سنوجه مدافعنا من دون تردد نحو اولئك الذين يسعون لاستمرار نفوذهم فى هذا البلد او يضمرون اى رغبة فى احتلاله )…وفى نظرى ان عبارة المحجوب الاخيرة التى تبحث لها عن ثورة ومعنى هى خلاصة الاحساس السودانى النفسى الجائش والملئ بالترسبات والذى تعترك فى ساحته شتى الانفعالات المتناقضة والتى جعلت الوحدة مع وادى النيل _ اطروحة الاتحادى _ صعبة ومن ثم مستحيلة فى خضم الوعى الجديدالذى كان سيحول هذه الدعوة الى خيانة للوطن وبالتالى ابعد الاتحادى هذا الطرح من اجندته بسرعة معلقا اياه فى رقبة التكتيكات السياسية المحسوبة فاظهرت ردة الفعل هذه الوعى المختلف الجديد لذات بدأت تعى امكاناتهاوتتحسس وجودها . ولا يفوتنى هنا التعليق على عبارة ( لا نحمل حقدا على احد ), التى تبدو مسيحية جدا وهى تدير خدها الايسر .صحيح ان اسوأ ما يفعله بنا القاهرون هو تعليمنا الكراهية كرد فعل مرضى على الايذاء , اذ ما عسانا ان نفعل بطاقة القهر السالبة والمتمترسة بالذات؟!.. يخلق النظام المعرفى الذى يحتمى به الانسان , مسارات لتفريغ هذه الطاقة عبر التربية , لذلك تكتنف عملية ادارة الخد الايسر طاقة روحية عالية تمنحك الصبر والجلد والسلام ويذهب ما تبقى منها لصفع ذات المعتدى وفضح بربريته , لذلك بدت لى عبارة المحجوب المهذبة لاتخلو من لؤم ضرورى يقرص المستعمر فى اذنه كتلميذ فاشل اتى بثياب استاذ ليعلمنا الحضارة واللياقة والتهذيب . ذات الطريقة التى انتصرت بها حركات الاعنف فى الهند وامريكا …فبالاعنف فضح غاندى اجندة الاستعمار اذ منحهم خده الايسر ليؤكد لهم انه اكثر تحضرا منهم ويعطيهم درس اول فى التربية والحضارة . اذ تعد المغفرة بالطريقة الصحيحة والزمن المناسب تشفيا اعلى من القصاص ! وعلى ذات النسق هدمت اغانى الزنوج جدار الفصل العنصرى فى سلما والاباما

Hate built this wall…this wall

And love will make it fall …it fall

In Selma Alabama

فالتحية لغاندى, مارتن لوثر كينغ والمحجوب ومانديلا وهم ينتبهون الى تمرير طاقة القهر السالبة خارجا عبر مسارات زكية , تقوم بموازنة الذات الانسانية عبر القيم الفاضلة , حتى لانقع فى درك البربرية الاسفل استسلاما للحقد كما حدث نهار مقتل قرنق .